من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشرى
ذكره السّمعانىّ، ونظرت بخطه فى تاريخه الذى ذيّل به تاريخ مدينة السلام بضمّ الزّاى؛ ولما صنّف كتابه فى الأنساب ضبطها بفتح الزاى، فقلت: على الظن أن الأوّل وهم.
كان الزمخشرىّ- ﵀ من أهل خوارزم، وزمخشر: إحدى قراها القريبة منها. وسمعت بعض التجّار يقول: إنها قد دخلت فى جملة المدينة، وإنّ العمارة لمّا كثرت وصلت إليها وشملتها، فصارت من جملة محالّها.
وكان- ﵀ ممّن يضرب به المثل فى علم الأدب والنحو واللغة.
لقى الأفاضل والأكابر، وصنّف التصانيف فى التفسير وغريب الحديث والنحو
وغير ذلك. دخل خراسان وورد العراق، وما دخل بلدا إلا واجتمعوا عليه وتلمذوا له، واستفادوا منه. وكان علّامة الأدب، ونسّابة العرب، أقام بخوارزم تضرب إليه أكباد الإبل، وتحطّ بفنائه رحال الرجال، وتحدى باسمه مطايا الآمال. ثم خرج منها إلى الحج، وأقام برهة من الزمان بالحجاز؛ حتى هبّت على كلامه رياح البادية، وورد مناهل العرب العاربة، ثم انكفأ راجعا إلى خوارزم، ثم قوى عزمه على الرحلة عنها وعوده إلى الحجاز، فقيل له: قد زجّيت أكثر عمرك هناك فما الموجب؟ فقال: القلب الذى لا أجده ثمّ أجده ها هنا.
وذكر ابن أخته أبو عمرو عامر بن الحسن السمسارىّ بزمخشر قال: ولد خالى بزمخشر خوارزم يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وأربعمائة.
وكان له- ﵀ شعر كشعر النحاة؛ فمنه ما قاله يرثى شيخه أبا مضر:
وقائلة ما هذه الدّرر الّتىتساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هو الدرّ الذى قد حشا بهأبو مضر أذنى تساقط من عينى
وقال أيضا يرثيه:
أيا طالب الدنيا ويا تارك الأخرىستعلم بعد الموت أيّهما أحرى
ألم يقرعوا بالحق سمعك؟ قل: بلىوذكّرت بالآيات لو تنفع الذّكرى
أما وقر الطّيش الّذى فيك واعظكأنك فى أذنيك وقر ولا وقرا
أمن حجر صلد فؤادك قسوةأم الله لم يودعك لبّا ولا حجرا
وما زال موت المرء يخرب دارهوموت فريد العصر قد خرّب العصرا
وصكّ بمثل الصخر سمعى نعيّهفشبّهت بالخنساء إذ فقدت صخرا
وقال أيضا فى غير ذلك:
أيا حبّذا سعدى وحبّ مقامهاويا حبّذا أين استقلّ خيامها
حياتى وموتى قرب سعدى وبعدهاوعزّى وذلّى وصلها وانصرامها
سلام عليها أين أمست وأصبحتوإن كان لا يقرا علىّ سلامها
رعى الله سرحا قد رعى فيه سرحهاوروّض أرضا سام فيه سوامها
إذا سحبت سعدى بأرض ذيولهافقد أرغم المسك الذكىّ رغامها
وإن ما يست قضبان بان رأيتهاتنكّس واستعلى عليها قوامها
وهى قصيدة طويلة مدح بها الوزير مجير الدولة الأردستانىّ، فخلع عليه وأعطاه فرسا وألف دينار.
ولما نزل الزمخشرىّ مكة شرفها الله تعالى- وجد بها الشريف السيد الفاضل الكامل أبا الحسن على بن عيسى بن حمزة الحسنى، فعرف قدره، ورفع أمره، وأكثر الاستفادة منه، وأخذ عن الزمخشرىّ وأخذ الزمخشرىّ عنه، ونشّطه لتصنيف ما صنّف، وتأليف ما ألّف- قال الشريف مادحا للزمخشرىّ:
جميع قرى الدّنيا سوى القرية التىتبوّأها دارا فداء زمخشرا
وأحر بأن تزهى زمخشر بامرىءإذا عدّ فى أسد الشّرى زمخ الشّرى
توفى الزّمخشرىّ- ﵀ بكر كانج، وهى قصبة خوارزم، ليلة عرفة من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
وكان الزمخشرىّ- ﵀ مقطوع الرجل، قد جعل له رجلا من خشب يستعين بها فى المشى، ولما دخل بغداذ سأله الدامغانىّ الفقيه الحنفىّ عن سبب قطعها، فقال: دعاء الوالدة؛ وذلك أننى فى صباى أمسكت عصفورا وربطته بخيط فى رجله، وانفلت من يدى، فأدركته وقد دخل فى خرق، فجذبته، فآنقطعت رجله فى الخيط، فتألمت أمّى لذلك وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطع رجله، فلما وصلت إلى سن الطّلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت الرجل، وعملت عملا أوجب قطعها.
وذكره صاحب الوشاح،- ذكره بألقاب وسجع له على عادته فقال: «أستاذ الدنيا، فخر خوارزم، جار الله العلامة أبو القاسم محمود الزّمخشرىّ من أكابر
الأمّه، وقد ألقت العلوم إليه أطراف الأزمّه؛ واتفقت على إطرائه الألسنة، وتشرفت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة؛ ولم يتمكن فى دهره واحد من جلاء رذائل النظم والنثر، وصقال صوارم الأدب والشعر؛ إلا بالاهتداء بنجم فضله، والاقتداح بزند عقله؛ ومن طار بقوادم الإنصاف وخوافيه، علم أن جواهر الكلام فى زماننا هذا من نثار فيه؛ وقد ساعده التوفيق والإقبال، وساعفه من الزمان الماضى والحال؛ حتى اختار لمقامه أشرف الأماكن، وجمع بجوار بيت الله الحرام بين الفضائل والمحاسن؛ وودّع أفراس الأمور الدنياويّة ورواحلها، وعاين من بحار الخيرات والبركات سواحلها؛ وقد صغر فى عيون أفاضل عهده ما رأوه ورووه، وملك فى قلوب البلغاء جميع ما رعوه ووعوه؛ وإن كان عدد أبياته التى ذكرتها قليلا، فكماله صار عليها دليلا.
وأنشدنى أفضل الدين أميرك الزبيانىّ له من قصيدة فيها:
يفوح كفوح المسك فاغم نشرهاإذا التحبت فيها ذلاذل ريح
يقول لها الطشّ السماوىّ والصبامقيما على تلك الصبابة فوجى؟؟؟
مضاجع سعدان مغارس حنوةمناجم قيصوم منابت شيح
إذا ملّح المكّاء رجع صفيرهيجاوبه قمريّها بمليح
كأنّ بديحا والغريض تطارحاعلى وتر للموصلىّ فصيح
وله أيضا:
لا بدّ من غفلة يعيش بها المرء وإلا فعيشه كدر
أما رأيت الصحيح يؤلمهما لا يبالى بمثله الحذر
وله أيضا:
أشمال ويحك بلّغى تسليمىمن ليس يبلغه لنا تسليم
مرّى به وتعلّقى بردائهليكون فيك من الحبيب نسيم
قولى له ما بال قلبك قاسياولقد عهدتك بى وأنت رحيم
إنّى أجلّك أن أقول ظلمتنىوالله يعلم أنّنى مظلوم
انقضى ما نقل من كتاب الوشاح.
قلت: وكان بحلب رجل كاتب إنشاء لبعض المستولين عليها، وحصلت له نسخة [من كتاب «المفصل» للزمخشرى، وأراد تصحيحها، واتفق أن اجتاز] بدمشق فى بعض سفراته إليها، فسأل أبا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى مطالعتها وتحقيقها، فأجابه إلى ذلك- وهو يومئذ نحوىّ دمشق بزعمه- ولما فرغ من تصفّحها كتب على ظهرها كلاما مثاله: قوبل به نسختان مثله فى السّقم، واستخرجت الصّحة منهنّ، وهو تأليف موضوع على الاختصار، بالتقاط المسائل من كتب أئمة العربية، فجاء مستغلق الألفاظ على ما تحتها من المعانى الواضحة.
وكان الزمخشرىّ أعلم فضلاء العجم بالعربية فى زمانه، وأكثرهم أنسا واطّلاعا على كتبها، وبه ختم فضلاؤهم. وكان متحققا بالاعتزال؛ قدم علينا بغداذ سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، رأيته عند شيخنا أبى منصور ابن الجواليقىّ ﵀ مرتين، قارئا عليه بعض كتب اللغة من فواتحها، ومستجيزا لها؛ لأنه لم يكن له على ما عنده من العلم لقاء ولا رواية؛ عفا الله عنه وعنا.
وكتب أبو اليمن الكندىّ فى أواخر رجب من سنة ثمان وستمائة.
ونقلت من كتاب محمد بن محمد بن حامد قال: «كان مولده- يعنى الزمخشرىّ- فى سابع عشر شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة».
وكتب الأمير شبل الدولة أبو الهيجاء مقبل بن عطية البكرىّ ختن نظام الملك الحسن بن إسحاق إلى الزمخشرىّ:
هذا أديب فاضلمثل الدرارى درره
زمخشرىّ فاضلأنجبه زمخشره
كالبحر إن لم أرهفقد أتانى خبره
فأجابه الزمخشرىّ:
شعره أمطر شعبى شرفافاعتلى منه نبات الجسد
كيف لا يستأسد النبت إذابات مسقيا بنوء الأسد
وكتب إليه منتجب الملك أبو جعفر محمد أحد كبراء دولة السلطان سنجر رسالة وقصيدة، وسيّرهما إليه إلى مكة عند مقامه بها:
«كتابى إلى جار الله العلّامة عن سلامة كمّل الله أسبابها، ونعمة أوطف بالرغائب سحابها، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على نبيه محمد وآله الطاهرين.
بعد الملتقى وشطّ المزاروتمادى لوصلك الإنتظار
يثنى فيها على أهل البيت، ويذكر له اجتماعه بالشريف على بن عيسى بن وهاس الحسينىّ من أهل مكة، وكان علّامة، وقال: قد قلت فيه كلمة طويلة؛ منها:
أولئك أعضاد النبوّة رشّحوالقمع عتاة الشرك بالذّبّل السّمر
إذا صفنت فى المأزق الضّنك خيلهمرأيت المنايا يزدحمن على البتر
هم ملجأ للخائفين وعدّةلثأر منيم أو مخوف من الثغر
مفاتيح أسداد الخطوب إذا عرتمساميح بالمعروف فى اليسر والعسر
من النّفر البيض الذين نوالهميفيض بلا منّ ويأتى مع العذر
ويلقاك بالبشرى ويأتيك بالمنىتحايا وجوه مشرقات من البشر
وذكر فصولا كثيرة فى الثناء على الشريف وعلى مصنّفاته، والتماس شىء من فوائد ابن وهاس ومؤلّفاته.
أما القصيدة فهى:
إليك يهزّنى الحبّ المطاعويسكرنى لرؤيتك النّزاع
فهل لك يا شقيق النفس علمبما أنبأت عنه واطّلاع
[ولو أنّى قدرت لطرت شوقابحرف خطوها خطو زماع]
وكنت بحيث يوصلنى إليكمغدوّى أو رواحى لا أراع
وفى عدواء دارك عن ديارىأراقب زورة لا تستطاع
يطيل الشوق أمّا ذا الليالىإليك فهل لفرقتنا اجتماع
وأنت لكل منقبة معانومن درّ العلوم لك ارتضاع
ولما كنت جار الله صارتتسير بك الأماكن والبقاع
تضىء بعلمك الدنيا فيضحىله فى كل ناحية شعاع
أبنت لنا كتاب الله فاعمدلتنفعنا فنعم الانتفاع
أعيذك من أناس نحن فيهموحقّ الأفضلين بهم مضاع
ترى قوما كأنك ما تراهموحسبك من لقائهم السماع
كأنهم وما عرفوا بخيربهائم فى مجاهلها رتاع
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع