تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

المفضل بن سلمة بن عاصم أبو طالب اللغوى

ضبىّ، حدّث عن عمر بن شبة، ومحمد بن شدّاد المسمعىّ، ويعقوب بن إسحاق ابن أبى إسرائيل. وله كتاب ضياء القلوب فى تفسير القرآن العزيز وغيره من

الكتب فى الأدب، وكان فهما فاضلا، روى عنه محمد بن يحيى الصّولىّ، وزعم أنه سمع منه فى سنة تسعين ومائتين.

قال: وكان منزله بباب خراسان؛ وأبوه سلمة بن عاصم صاحب الفرّاء.

وابنه أبو الطيب بن المفضّل بن سلمة؛ كان أحد شيوخ الفقهاء الشافعيين، وكان المفضّل كوفىّ المذهب فى النحو، مليح الخط، وكان فى جملة الفتح بن خاقان أولا.

لقى ابن الأعرابىّ وغيره من العلماء، واستكثر من الرواية ونقل اللغة، واستدرك على الخليل فى كتاب العين، وحكاه فى كتاب كبير ألفه وسماه البارع.

ولما قرأ ابن مقلة هذا الكتاب على ابن دريد كان ابن دريد يقول فى بعض ماردّه:

صدق أبو طالب، وفى بعض الردّ يقول: كذب أبو طالب. ومات أبو طالب قبل إتمام هذا الكتاب.

والذى خرج منه: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء.

فمن تأليفه: كتاب البارع هذا. كتاب ضياء القلوب فى معانى القرآن، مفرد. كتاب معانى القرآن، مفرد. كتاب الاشتقاق. كتاب الفاخر فيما تلحن فيه العامة. كتاب البلاد والزرع والنبات كتاب خلق الإنسان. كتاب آلة الكاتب. كتاب المقصور والممدود. كتاب الملاهى. كتاب المدخل إلى علم النحو. كتاب جلاء الشّبه. كتاب الخط والقلم.

كتاب عمائر القبائل، لطيف.

وكان المفضّل بن سلمة متّصلا بإسماعيل بن بلبل الوزير، فبلّغه أبياتا كان هجاه بها ابن الرّومىّ، فحفظها إسماعيل على بن الرومىّ فى نفسه، وكانت سبب حرمانه إياه، على كثرة صلات إسماعيل الشعراء؛ فقال ابن الرومىّ فى المفضّل هذه الأبيات:

لو تلفّفت فى كساء الكسائىوتلبّست فروة الفرّاء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لو تلففت في كساء الكسائي»
وتخللت بالخليل وأضحىسيبويه لديك رهن سباء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لو تلففت في كساء الكسائي»
وتلوّنت من سواد أبى الأسود شخصا يكنى أبا السوداء
لأبى الله أن يعدّك أهل العلم إلّا من جملة الأغبياء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لو تلففت في كساء الكسائي»

وللمفضّل شعر كثير؛ منه ما كتب به إلى أبى الحسن علىّ بن يحيى المنجّم فى يوم نيروز:

يابن الجحاجحة الغرّ الميامينومن يزين به فعل الدهاقين
ومن تجود على العافين راحتهبنائل من عطاء غير ممنون
اسلم لنا كلّ نوروز يمتّعنافيه الإله بإعزاز وتمكين
واشرب عقارا كريح المسك ما نسبتإلى الكروم محاماة على الدين
صفراء كالذهب المسبوك إن مزجتأحالها المزج درّا غير مكنون
تجلو السرور إذا ذيقت وتكشف مايجنّ من حزن عن كلّ محزون
وانعم بأحمد أبقاه الإله لنافهو الأغرّ من الغرّ الميامين
وقرّ عينا بعبد الله إنّ لهمشابها منك تعليه على الهون
واسعد بثالثهم يحيى فإنّ لهفعال مقتبل الخيرات ميمون
وتمّم الله ما ترجو وتأملهعليك فى رابع السادات هارون

وكتب المفضل بن سلمة إلى عبد الله بن المعتز- وقد انصرف المفضّل من الحج:

أقول بثور واشتياقى مبرّحودمعى عنه مستهلّ وقاطر
ألا هل إلى أرض العراق ومائهسبيل وإخوانى الّذين أعاشر
إلى الله أشكو ما ألاقى من الجوىومن طول وجد تحتويه الضّمائر
وقد طال ليلى بعد بعد أحبّتىوما طوله إلا لأنى ساهر
إذا هبّت الرّيح الشّمال هفا لهافؤادى حنينا نحوهم فهو طائر
يجدّد لى شوقا إليهم وفرحةبقربى منهم أن تسير الأباعر

وهى طويلة مدح فيها وأحسن.

وقال أحمد بن أبى طاهر يهجو المفضّل بن سلمة بن عاصم:

إن المفضّل نقصه فى نفسهوفعاله قد حط فضل أبيه
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
ولو انّ كل مفوّه ومفهّهيهجوه ما بلغ الّذى هو فيه
ولقد أردت هجاءه وكفيتهباللؤم منه لو انه يكفيه
ومتى يقل شعرا علمت بأنهمن نتن رائحة تمرّ بفيه
فهو المخسّس لا المفضّل إنهبأبيه إن نسبوه غير شبيه
وكأن نكهته روائح عرضهفجليسه بالنتن فى مكروه
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وله فيه:

يا أبا طالب طلبت بشأوأنت فيه كقابض للماء
أين بطء الحمير من سابق الخيل وأرض موطوءة من سماء!
لى كفء سواك فارجع إلى قدرك ياغثّ لست من أكفائى
كنت أضحوكتى فأصبحت من مضغك للشعر ضحكة الغوغاء
وتعدّيت فوق قدرك لمّاقلت قد عدّنى من الأعداء
أبعرض يعافه الكلب نتنالم يزل عرضة لمس الهجاء
خلت أنى أراه كفئا لعرضىأو أجازى فعاله بجزاء
إن ذكرى سمّ بفيك وحىّوهو داء ما إن له من دواء
هبك أدرجت فى كساء الكسائىّ وألبست فروة الفرّاء
وبسلح الخليل حنّكت فى المهد فأصبحت أفصح الفصحاء
لست إلا غثّا غثيثا ثقيل الرّوح أعمى تعدّ فى البصراء

قال محمد بن عبد الواحد: بكرنا يوما إلى أبى العباس ثعلب، ولم يك بعد خرج، وكان فى المجلس حذّاق البصريين والكوفيين، فتذاكروا قبل خروج أبى العباس الجدّ والجدّ، ففرغوا منه، فقال أبو موسى الحامض: والجدّ، بالكسر: شطّ البحر وغيره، فتضاحك الجماعة؛ وقال له المعبدىّ: أكلت البيض بحتا، وقال

ابن كيسان، وضحك مع القوم، وضحك أبو طالب المفضّل بن سلمة بن عاصم وبرمة، ومن حضر مثل القاسم بن الأنبارىّ، وتضاحكوا واشتهروا وهو ساكت؛ كأنه حجر.

ثم خرج أبو العباس، فلما جلس قال له ابن كيسان: يا سيدى الجدّ: الشطّ! فما نطق حتى لبس نعليه، ورجع، وجاءنا ومعه كتاب من جلود، قد أتت عليه الدهور، فقال خذوا، فأملى: «أما الشّطّ فهو فيه الجدّ والجدّ والجدّ». ورفع بها صوته- فبلغ أبو موسى السماء، وصار هؤلاء فى الحضيض، ثم قال لهم: قليلا قليلا حتى ينصرف الشّيخ، فلما قام أبو العباس وخلا معهم التفت إلى المعبدىّ وقال:

أليس حدّثتنى أمس أنّك كنت فى الحمام فنمت، فجاء شيخ خضيب فعلاك! ثم التفت إلى ابن كيسان ثم قال له: أنت تتكلم مع الناس فى العلم! أليس كان بندار يعفجك! ثم التفت إلى أبى طالب المفضل بن سلمة وقال له: وأنت أيضا! قد كنت أظنّ أنك تفلح، وأنك تكون بعض ندماء الخلفاء، ولكن كيف أظنّ بك هذا وأبوك ما كان يحسن حرفا واحدا من النحو، فكيف تفلح أنت! والتفت إلى الأنبارىّ فقال له: يا أنبارىّ، حدّثنى فلان العسكرىّ أنه كان لك ميزان فى كمّك، فسنجة لك وسنجة للمستقبض، وأنك كنت تعبر إلى النّبط فتؤاجر فى بيوت الخمارين، ثم التفت إلى ابن الخضر ثم قال له: أنت أيضا، يا مسخ تصحب هذا السيد منذ خمسين سنة ما سألته قط إلا عن المؤنث!

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.