تجاوز إلى المحتوى

من «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

حرف الميم فِي أسماء الحكماء (٢)

الصفحة ١ من ٢

محمد بن علي الطيب أبو الحسين المتكلم البصري كَانَ إماماً عالماً بعلم كلام الأوائل قَدْ أحكم قواعده وقيد أوابده وتصيد شوارده

وَكَانَ يتقي أهل زمانه فِي التظاهر بِهِ فأخرج مَا عنده فِي صورة متكلمي الملة الإسلامية وأحكم مَا أتى بع من ذَلِكَ ومن وقف عَلَى تصانيفه تحقق مَا أشرت إِلَيْهِ من أمره وَلَمْ يزل عَلَى التصدر والتصنيف والإملاء والإفادة لمذهب الاعتزال والتحقيق لما انفرد بِهِ من الأقوال حَتَّى أتاه أجله فِي يوم الثلاث الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وأربعمائة وَكَانَ متميزاً بالقناعة والكفاف طول مدته.

المختار بن الحسن بن عبدون الحكيم أبو الحسن الطبيب البغدادي المعروف بابن بطلان طبيب منطقي نصراني من أهل بغداد قرأ عَلَى علماء زمانه من نصارى الكرخ وَكَانَ مشوه الخلقة غير صبيحها كما شاء الله فه وفضل فِي علم الأوائل يرتزق بصناعة الطب وخرج عن بغداد إِلَى الجزيرة والموصل وديار بكر ودخل حلب وأقام بِهَا مدة وَمَا حمدها وخرج عنها إِلَى مصر وأقام بِهَا مدة قريبة واجتمع فِيهَا بابن رضوان المصري الفيلسوف فِي وقته وجرت بينهما منافرة أحدثتها المغالبة فِي المناظرة وخرج ابن بطلان عن مصر مغضباً عَلَى ابن رضوان وورد أنطاكية راجعاً عن مصر فأقام بِهَا وَقَدْ سئم كثرة الأسفار وضاق خطته عن معاشرة الأغمار فغلب عَلَى خاطره الانقطاع فنزل بعض ديرة أنطاكية وترهب وانقطع إِلَى العبادة إِلَى أن توفي بِهَا فِي شهور سنة أربع وأربعين وأربعمائة شاهدت فِي كتاب الربيع لمحمد بن هلال بن المحسن نسخة سفرته إِلَى الرئيس هلال بن المحسن بن إبراهيم نسخته.

" بسم الله الرحمن الرحيم "

أنا لما أعتقده من خدمة سيدنا الأجل أطال الله بقاه وكبت أعداءه دانياً وقاصياً وافترضه من طاعته مقيماً وظاعناً أضمرت عند وداعي حضرته العالية وَقَدْ ودعت منها الفضل السؤدد والمجد والفخر والمحتد أن أتقرب إليها وأجدد ذكري عندها بالمطالعة مما استطرفه من أخبار البلاد التي أطرقها واستغر بِهِ من غرائب الأصقاع الَّتِي أسلكها خدمة للكتاب الذي هو تاريخ

المحاسن وديوان المعاني والمآثر ليودعه أدام الله تمكينه منها مَا يراه ويلحق مَا يستوقفه ويرضاه وَعَلَى ذكره فما رأيت أحداً بمصر وهذه الأعمال أكثر من الراغب فِيهِ وكل رئيس فِي هَذِهِ الديار متشوق إِلَيْهِ متشوف لوصوله مترقب متوقع ولو وصلت منه نسخة بلغ الجالب لَهَا أمنيته فِي ريحها ونفعها وإلى الله تعالى أرغب فِي نشر فضيلته الباهرة ومحاسنه الزاهرة بجوده وكنت خرجت من بغداد وبدأت بلقاء مشايخ البلاد وخواصها واستملاء مَا عندهم من آثارها وعجائبها فذكر لي أخبار مستطرقة وعجائب غريبة وأقطاع من الشعر رائفة ولضيق الوقت وسرعة الرسول أضربت عن أكثره واقتصرت عن أقله وكنت خرجت عَلَى اسم الله تعالى وبركته مستهل شهر رمضان سنة أربعين وأربعمائة مصعداً فِي نهر عيسى عَلَى الأنبار ووصلت إِلَى الرحبة بعد تسع عشرة رحلة وهي مدينة طيبة وفيها من أنواع الفواكه مَا لا يحصى وبها تسعة عشر نوعاً من الأعناب وهي متوسطة بَيْنَ الأنبار وحلب وتكريت والموصل وسنجار والجزيرة وبينها وبين قصر الرصافة مسيرة أربعة أيام ورحلنا من الرصافة إِلَى حلب فِي أربع رحلات وهي بلد بالحجر الأبيض فِيهِ ستة أبواب وَفِي جانب السور قلعة فِي أعلاها مسجد وكنيستان وَفِي إحداهما مكان المذبح الَّذِي كَانَ قرب عَلَيْهِ إبراهيم ﵇ وَفِي أسفل القلعة مغارة كَانَ يخبأ فِيهَا غنمه وإذا حليها أضاف بلبتها الناس فكانوا يقولون حلب أم لا ويسأل بعضهم بعضاً عن ذَلِكَ فسميت حلب وَفِي البلد جامع وست بيع وبيمارستان صغير والفقهاء يفننون عَلَى مذهب الإمامية وشرب أهل البلد من صهاريج وَعَلَى بابه نهر يعرف بقويق يمد فِي الشتاء وينضب فِي الصيف وَفِي وسط البلد دار علوة صاحبة البحتري وهو قليل الفاكهة والبقول والنبيذ إِلاَّ مَا يأتيه من الروم وَمَا بحلب موضع خراب ومنه خرجنا من حلب طالبين أنطاكية وبين حلب وبينها يوم وليلة فبتنا فِي بلدة للروم تعرف بعم فِيهَا عين جارية يصاد منها السمك ويدور عَلَيْهَا رحا وفيها من الخنازير والنساء العواهر والزنا والخمور أمر عظيم وفيها أربع كنائس وجامع يؤذن فِيهَا سراً والمسافة الَّتِي بَيْنَ حلب وأنطاكية أرض مَا فِيهَا خراب أصلاً إِلاَّ أرض زرع للحنطة والشعير بجنب شجر الزيتون وقراها متصلة ورياضها مزهرة ومياهها متفجرة وأنطاكية بلد عظيم ذو سور وفصيل ولسوره ثلاثمائة وستون برجاً يطوف عَلَيْهَا بنوبة أربعة آلاف حارس ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك فيضمنون حراسة

البلد سنة ويستبدلهم بهم فِي الثانية وشكل البلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل والسور يصعد الجبل إِلَى قلته ويستتم دائرة وَفِي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين تبعدها من البلد صغيرة وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عَلَيْهَا إِلاَّ فِي الساعة الثانية وللسور المحيط بِهَا دون الجبل خمسة أبواب وَفِي وسطها قلعة القسياني وَكَانَتْ دار قسيان الملك الَّذِي أحيا ولده بطرس رئيس الحواريين وهو هيكل طوله مائة خطوة وعرضه ثمانون وعليه كنيسة عَلَى أساطين ودائر الهيكل أروقة يجلس فِيهَا القضاة للحكومة ومعلمو النحو واللغة وَعَلَى أحد أبواب هَذِهِ الكنيسة فنجان الساعات يعمل ليلاً ونهاراً دائماً اثني عشر وهو من عجائب الدنيا وَفِي أعلاه خمس طبقات فِي الخامسة منها حمامات وبساتين ومقاصير حسنة وتخر منها المياه وهناك من الكنائس مَا لا يجد كثرة كلها معمولة بالفص المذهب والزجاج الملون والبلاط المجزع وَفِي البلد بيمارستان يراعي البطريك المرضي فِيهِ بنفسه وَفِي المدينة من الحمامات مَا لا يوجد مثله فِي مدينة من اللذاذة والطيبة فاز وقودها من الآس وماؤها سيح وَفِي ظاهر البلد نهر يعرف بالمقلوب يأخذ من الجنوب إِلَى الشمال وهو مثل نهر عيسى وخارج البلد دير سمعان وهو مثل نصف دار الخليفة يضاف فِيهَا المجتازون يقال إِن دخله فِي

السنة أربعمائة ألف دينار ومنه يصعد إِلَى جبل اللكام وَفِي هَذَا الجبل من الديارات والصوامع والبساتين والمياه المتفجرة والأنهار الجارية والزهاد والسياح وضرب النواقيس فِي الأسحار وألحان الصلوات مَا يتصور معه الإنسان أنه فِي الجنة وَفِي أنطاكية شيخ يعرف بأبي نصر بن العطار قاضي القضاة فِيهَا لَهُ يد فِي العلوم مليح الحديث والإفهام وخرجت من أنطاكية إِلَى اللاذقية وهي مدينة يونانية ولها ميناء وملعب وميدان للخيل مدور وبها بيت كَانَ للأصنام وهو اليوم كنيسة وَكَانَ فِي أول الإسلام مسجداً وهي راكبة البحر وفيها قاض للمسلمين وجامع يصلون فِيهِ وأذان فِي أوقات الصلوات الخمس وعادة الروم إِذَا سمعوا الآذان أن يضربوا الناقوس وقاضي المسلمين الَّذِي بِهَا من قبل الروم ومن عجائب هَذَا البلد أن المحتسب يجمع القحاب والغرباء المؤثرين للفساد من الروم فِي حلقة وينادي عَلَى كل واحدة منهن ويزايد الفسقة فيهن لليلتها تِلْكَ ويؤخذون إِلَى الفنادق الَّتِي هي الخانات لسكنى الغرباء بعد أن تأخذ كل واحدة منهن خاتماً هو خاتم المطران حجة بيدها من تعقب الوالي لَهَا فإنه متى وجد خاطباً مع خاطبة بغير ختم المطران ألزمه جناية وَفِي البلد من الحبساء والزهاد فِي الصوامع والجبال كل فاضل يضيق الوقت عن ذكر أحوالهم والألفاظ الصادرة عن صفاء عقولهم وأذهانهم ومن مشاهير تصانيف ابن بطلان كتاب تقويم الصحة فِي قوى الأغذية ودفع مضارها مجدول. كتاب دعوة الأطباء مقامة ظريفة. رسالة اشتراء الرقيق. ة أربعمائة ألف دينار ومنه يصعد إِلَى جبل اللكام وَفِي هَذَا الجبل من الديارات والصوامع والبساتين والمياه المتفجرة والأنهار الجارية والزهاد والسياح وضرب النواقيس فِي الأسحار وألحان الصلوات مَا يتصور معه الإنسان أنه فِي الجنة وَفِي أنطاكية شيخ يعرف بأبي نصر بن العطار قاضي القضاة فِيهَا لَهُ يد فِي العلوم مليح الحديث والإفهام وخرجت من أنطاكية إِلَى اللاذقية وهي مدينة يونانية ولها ميناء وملعب وميدان للخيل مدور وبها بيت كَانَ للأصنام وهو اليوم كنيسة وَكَانَ فِي أول الإسلام مسجداً وهي راكبة البحر وفيها قاض للمسلمين وجامع يصلون فِيهِ وأذان فِي أوقات الصلوات الخمس وعادة الروم إِذَا سمعوا الآذان أن يضربوا الناقوس وقاضي المسلمين الَّذِي بِهَا من قبل الروم ومن عجائب هَذَا البلد أن المحتسب يجمع القحاب والغرباء المؤثرين للفساد من الروم فِي حلقة وينادي عَلَى كل واحدة منهن ويزايد الفسقة فيهن لليلتها تِلْكَ ويؤخذون إِلَى الفنادق الَّتِي هي الخانات لسكنى الغرباء بعد أن تأخذ كل واحدة منهن خاتماً هو خاتم المطران حجة بيدها من تعقب الوالي لَهَا فإنه متى وجد خاطباً مع خاطبة بغير

ختم المطران ألزمه جناية وَفِي البلد من الحبساء والزهاد فِي الصوامع والجبال كل فاضل يضيق الوقت عن ذكر أحوالهم والألفاظ الصادرة عن صفاء عقولهم وأذهانهم ومن مشاهير تصانيف ابن بطلان كتاب تقويم الصحة فِي قوى الأغذية ودفع مضارها مجدول. كتاب دعوة الأطباء مقامة ظريفة. رسالة اشتراء الرقيق.

ولما جرى لابن بطلان بمصر مع ابن رضوان مَا جرى كتب إِلَيْهِ ابن بطلان رسالة يفظعه فِيهَا ويذكر معائبه ويشير إِلَى جهله بما يدعيه من علم علوم الأوائل وصدرها بهذه الديباجة بسم الله الرحمن الرحيم الانتساب إِلَى الصنائع والاشتراك فِي البضائع موخاة وذمم وحرمات وعصم أدنى حقوقها بذل الإنصاف وأحد فروضها اجتناب الحيف والإسراف ويتصل بي عن الشيخ أدام الله توفيقه وأوضح إِلَى الحق طريقه بلاغات إِذَا قايستها بِنَا ألفيته من حدة طباعه بِهَا وأن عزوته إِلَى مَا خصه الله بِهِ من العلم قطعت بكذبها وَفِي كلا الحالين فإنني أرى الإغضاء هما أمض من كلامه وأرمض من فعاله من الفعال الواجب والمفروض اللازب إذ كنت أثق برجوعه إِلَى الحق وإن مال فِي شعب الباطل لا سيما أني لَمْ أوجده سبيلاً إِلَى المباينة ولا سعيت إِلاَّ فيما أكد أسباب المودة والمحافظة وَلَمْ أتخذه بمسألة سهلة ولا صعبة وهو أدام الله توفيقه جهينتي فِي هَذِهِ الدعوى وَقَدْ كَانَتْ وردت منه إِلَى مسائل وأحبت فِي الحال عنها وتراخيت إِلَى هَذِهِ الغاية عن إنفاذها إبقاء عَلَى هَذِهِ المودة وبلغني بعد ذَلِكَ أنه قال عَلَى سبيل المباهلة يسألني عن ألف مسألة وأسئلة واحدة ولو شئت أن أفصح وأوضح لفعلت ولكن

قومي هم قتلوا أميم أخيفإذا رميت يصيبني سهمي
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة

لأني أعتقده والجماعة يجرون مني مجرى الأعضاء تمرض تارة وتصح أخرى وَلَمْ أزل عَلَى هَذِهِ المشاكلة إِلَى أن أوعز إليّ من بعض الجهات الجليلة بما لَمْ يسعني خلافه ولا أمكنني الاجتناب عنه فِي عمل هَذِهِ المقالة وعي سبعة فصول الأول فِي فِي فضل من لقي الرجال من درس فِي الكتاب الثاني فِي أن الَّذِي علم المطالب من الكتب علماً ردياً شكوكه بحسب علمه يعسر حلها الثالث فِي أن إثبات الحق فِي عقيل لَمْ يثبت فِيهِ المحال أسهل من إثباته عند

من ثبت فِي عقله المحال الرابع فِي أن من عادات الفضلاء عند قراءتهم كتب القدماء أن لا تعلموا فِي علمائها يظن إذَا رأوا فِي المطلب تباينها وتناقضاً لكن يخلدون إِلَى البحث والتطلب الخامس فِي مسائل مختلفة صادرة عن براهين صحيحة فِي المقدمات صادقة تلتمس أجوبتها بالطريقة البرهانية السادس فِي تصفح مقالته فِي المباهلة الَّتِي ضمن فِيهَا أنني أسأله ألف مسألة ويسألني مسألة واحدة السابع فِي تتبع مقالته فِي النقطة الطبيعية والتعيين عَلَى موضع الشبهة فِي هَذِهِ التسمية فامتثلت المرسوم معتذراً إِلَيْهِ غير أنني أسأله بإله السماء وتوحيد الفلاسفة إذَا هو طلق عنان القلم واستخدم فِي بيانه برهان الهمم وأبرز النتيجة كالبدر من حندس الظلم أعفى عبده من السفه الَّذِي حظه فِي سماعه أكثر من حظ الشيخ فِي مقاله وعدل بِهِ إِلَى الجواب عن نفس السؤال يما يبين بِهِ الصواب بقلب طاهر تقي خال من دون الغضب فثامسطيوس يقول قلوب الحكماء هياكل الرب فيجب أن تنظف بيوت عبادته وفيثاغورس يقول أن العوام تظن أن الباري تعالى فِي الهياكل فقد فتحسن سيرتها فِيهَا كذلك يجب عَلَى من علم الله فِي كل مكان أن تكون سيرته فِي كل مكان كسيرة العامة العاملة والله يعينه عَلَى كسر العصبية ويرشدنا إِلَى المضي بموجب الناطقة ويعينه عَلَى الملتمس ومن هَذِهِ الرسالة المذكورة الفصل الثاني فِي أن الَّذِي علم المطالب من الكتب علماً ردياً شكوكه بحسب علمه يعسر حلها فِي أن العالم بالمطالب علماً ردياً شكوكه لا تنحل أن الشك أتى من تقصيره بالعلم وكلما فسد العلم قوي الشك وكلما قوي الشك فسد العلم فضعف العلم يؤدي إِلَى قوة الشك وقوة الشك تؤدي إِلَى ضعف العلم وهما شيئان كل واحد منهما علة لصاحبه كالسوداء الَّتِي هي سبب لرداءة الفكر ورداءة الفكر سبب لاحتراق الأخلاط وانقلابها إِلَى السوداء والسوداء كلما قويت أفسدت الفكر والفكر كلما فسد قويت السوداء ولأن الفاسد الفكر لا يتصور فساد فكره فلا يسرع فِي زوال مرضه كالذي بِهِ عضة كلب كلب يعتقد أن الماء يقتله وفيه حياته وكلما امتنع منه أدى إِلَى هلاكه وهذا هو الداء العياء الَّذِي يعجز عن طبه وبرئه الأطباء كذلك المعتقد فِي الآراء الماحلة أنها صحيحة لا يشعر برداءتها فيلتمس علتها عَلَى الحقيقة ولعدم علمه بالتقصير لا يزيل شكه العالمون ولا يرجي لنفسه برء منه إِلاَّ بلطف من رب العالمين ومن ههنا تتولد الآراء الفاسدة السقيمة ويثقلها

الضعيف الطباع عن مطلب الحقائق ويتقلدها محبو الكسل والرفاهة فتتخيل لهم كأنها طباع وغريزة فيألفونها وينشئون عَلَيْهَا ويكرهون مفارقتها للعادة ويسابقون عَلَيْهَا ويتعصمون هالتها العلوم الصحيحة فيحدث فِي العقول وباء عن ميل النفس مع الهوى فتموت القرائح الذكية عَلَى مثال مَا تموت الأجسام عن فساد جوهر الهواء ولهذا قال أرسطوطاليس الإنسان الجاهل ميت والمتجهل عليل والعالم حي صحيح فهذا مقنع لمن حاد عن طباع العقل وفيه كفاية لمحبي الحق وبيان الدعوى أن الَّذِي علم من الكتب علماً ردياً شكوكه بحسب علمه يعسر حلها وهو مَا أردنا أن نبين.

ومنه الفصل الرابع أن من عادات الفضلاء إِذَا قرؤوا كتب القدماء أَن لا يقطعوا فِي علمائها يظن دون معرفة الأمر عَلَى الحقيقة إذ من عادات القدماء إِذَا وقفت عليهم المطالب ولاح فِيهَا تباين وتناقض أن يعودوا إِلَى التطلب ولا يتسرعوا إلى إفساد المطالب فإن أرسطوطاليس بقي يرصد القوس الكائن عن القمر أكثر عمره غما رآه إِلاَّ دفعتين وجالينوس واظب عَلَى السكون الَّذِي بعد الانقباض فِي النبض سنين كثيرة حَتَّى أدركه وأبو الخير بن الخمار وأبو علي بن زرعة ماتا بحسرة مقالة يحيى بن عدي فِي المخرسات المبطلة لكتاب القياس وشيخنا أبو الفرج عبد الله بن الطيب بقي عشرين سنة فِي تفسير مَا بعد الطبيعة ومرض من الفكر فِيهِ مرضة كاد يلفظ فِيهَا وَمَا فيهم ﵏ إِلاَّ من أنفق عمره فِي العلم طلباً لإدراك الحق هَذَا والي فِي عقولهم مما بالفعل أكثر مما بالقوة ونحن وَمَا بالقوة فينا أكثر مما بالفعل أخلدنا إِلَى الطعن عليهم ضحك الحق منا وخسرنا أشرف مَا فينا ولهذا يجب عَلَى كل نسمة عالمة دونهم فِي الرتبة إِذَا رأت أقاويلهم متباينة أن لا تقطع بقول فيهم إِلاَّ بعد الثقة ولا ترتب إِذَا رأيت أرسطوطاليس يعتقد أن القلب منشأ الأعصاب والعروق والشرايين والعظام وجميع القوى ثُمَّ رأيت جالينوس ينسب مبدأ كل واحد من القوى إِلَى واحد واحد من الأعضاء الثلاثة أعني الدماغ والقلب والكبد ويقول كل واحد منها ينشأ ينظر خوادمها ولا تقطع بصواب أحدهما لأن أرسطوطاليس ينظر فِي القوى من جهة طباعها وجالينوس ينظر فِيهَا من جهة استقراء الفعل المحسوس فِي العضو الخاص لَهَا وإذا رأينا جالينوس يقسم الأعضاء إِلَى المتشابهة والآلية وليست هَذِهِ الطريقة تعديداً ولا قسمة صحيحة لأن المتشابهة أيضاً آلية إِذَا كَانَ العصب آلة لجريان الروح النفساني والحركة

الإرادية والشرايين آلة لجريان الروح والقوى الحيوانية والأوردة آلة لجريان الدم والقوى الطبيعية والتعديد والقسمة الصحيحة هي الَّتِي قسمها أرسطوطاليس إِلَى البسيطة والمركبة والمتشابهة وغير المتشابهة لَمْ يجز لَنَا أن نتسرع إِلَى الرد عَلَيْهِ لأنا إِذَا نظرنا أدانا النظر إِلَى أنه فعل ذَلِكَ لأن شأنه أن يشتق للأمراض أسماء منها لأن الأعضاء المتشابهة تمرض أمراضاً بسيطة ومركبة والدليل عَلَى أنه لَمْ يخف عَلَيْهِ أن العرق آلة لجريان الدم عدد السدة فِي الأمراض الآلية وإذا رأينا أرسطوطاليس يبين فِي كتاب السماء أن طبيعة الكواكب خامسة وأنها غير كائنة ولا فاسدة ورأيناه فِي كتاب الحيوان يظهر من قوله أن طبيعة المر من الاسطقسات الأربعة لَمْ يجز أن تتسرع وتقول أنه ناقض نفسه أَوْ نسي رأيه ومذهبه وكذلك إِذَا رأيناه يتكلم فِي بقاء العقل الهيولاني كلاماً يناقض كلامه فيما بعد الطبيعة وجب علينا أن نعلم أن فعله بوجهين اثنين لا ينظر واحد لأنه هو الَّذِي علمنا شروط النقيض وإذا رأينا أرسطوطاليس يعتقد فِي الريح أنها حارة يابسة ثُمَّ يأخذ فِي قسمتها إِلَى الحارة والباردة وجب علينا أن نعلم أن قسمته بحسب الجهات والنواحي وإن كَانَتْ مادتها حارة يابسة إِلاَّ أنها إِذَا هبت من الطريقة المحترقة وأوردت هَذَا لأنه بلغني أن فِي نفسه من هَذِهِ المسألة شبهة فآثرت زوالها وَمَا يجب لَنَا ولا يبلغ قدرتنا إِذَا رأينا أرسطوطاليس يعطينا قانوناً فِي النتيجة ويقول أنها تتبع فِي الكم الصغرى وَفِي الكيف الكبرى ثُمَّ نراه ينتج الضرب الَّذِي من كبرى ضرورية وصغرى ممكنة نتيجة ممكنة أن نسيء الظن بِهِ ونقول أنه نقض قانونه وخالف رأيه وجعل النتيجة غير المطلب وأوردها تتبع فِي الكيف الصغرى لكنا تبحث فإنا نعلم حسن هَذَا الفعل منه ومن هَذَا الفصل فيما ظن الشيخ بأناس يجرون فِي العالم مجرى الأنجم الزهر أبصارنا عند بصائرهم تجري مجرى الخفاش عند عيون العقبان فِي ضوء النهار لا سيما المؤيد حنين بن إسحاق الَّذِي منح الله البشر علوم القدماء عَلَى يده فالعقول فِي ضيافته إِلَى اليوم يمتارون من فضله ويعيشون فِي بره ويحسب هَذَا لَمْ أوثر للشيخ أن يدفع العيان ويخرق ويكذب بما شهدت بِهِ الأذهان وصدق بِهِ البرهان من فضله ونور مطارح شعاعه ففي فعله هَذَا نخاز كثيرة منها نقض ميثاق بقراط صاحب الصناعة الَّذِي عهده إِلَى الأطباء ووصى

فِيهِ بإكرام العلماء ومنها التظاهر بكفر النعمة وجحود الصنيعة لمن لولاه لما فهم أحد ولا فهم الشيخ من الطب لفظة واحدة ومنها أن المعلم أب روحاني وما كنت

أحب للشيخ التظاهر بعقوق الآباء بل أن يجريه أقل الأجسام مجرى سيده عَلَيْهِ رحمة الله ومنها أنه قل من تعرض لمن قدمه الله تعالى إِلاَّ وحرم التوفيق ووقع من التعذير فِي بحر عريض عميق ولهذا قال أفلاطون لا تعادوا الدول المقبلة فتدبروا بإقبالها وهذا القسم إِذَا تفطن الشيخ فِيهِ علم نصحي لَهُ فلا يثقل عَلَيْهِ إِذَا كَانَ الدواء إِذَا لنحت غايته عذبت مرارته والعرب تقول مبكياتك ولا مضحكاتك وأخوك من نصحك وكثير مَا ينتفع الإنسان بأعدائه وبحسب هَذِهِ المعددة يجب عَلَى الشيخ الرجوع عما ثلب بِهِ أئمة الصناعة ولا يصر عَلَى الفكر بهذه الطريقة يل يستغفر الله تعالى مما جنى ويسأله الإقالة ليلقى الحق مبيض الوجه فِي القيامة فلا يكون سبباً لضلال إحداث الأطباء بما يودع نفوسهم من مثالب القدماء فيثبتهم عن قراءة كتب الصناعة فيؤدي ذَلِكَ إِلَى هلاك المرضى ومن هَذَا الفصل أنني حضرت مع تلميذ من تلاميذه الشيخ ظاهر التجمل بادي الذكاء إن صدقت الفراسة فِيهِ بحضرة الأمير الأجل أبي علي بن جلال الدولة بن عضد الدولة فناخسرو أطال الله بقاه ورحم أسلافه وإياه فِي خامس مرضة عرضت لَهُ من حمى نائبة أخذت أربعة أيام ولاء تبدأ ببرد وتقشع بنداوة وَقَدْ سقاه ذَلِكَ الطبيب دواء مسهلاً وهو عازم عَلَى فصده من بعد عَلَى عادة المصريين فِي تأخير الفصد بعد الدواء وإطعام المريض القطائف بجلاب فِي نوب الحمى فسألت الطبيب مستخبراً عن الحمى فقال بلفظة المصريين نعم سيدي عرضت لَهُ حمى يوم مركبة من دم وصفراء نائبة أربعة أيام فلما سقيناه الدواء تحلل الدم وبقيت الصفراء ونحن عَلَى فصده لَنَا من الصفراء بمشيئة الله فذهبت ولا أعلم مم أعجب أمن كون حمي يوم تنوب أربعة أيام بعلامات المواظبة أم من كونها من أخلاط مركبة أم من الدواء الَّذِي حلل الدم الغليظ وترك الصفراء اللطيفة وَمَا أشبه تِلْكَ الحكاية إِلاَّ بما حدثني بِهِ الشيخ أبو النصر بن العطار بأنطاكية فإنه ذكر أن طبيباً رومياً شارط مريضاً بِهِ غب خالصة عَلَى برئه دراهم معلومة وأخذ فِي تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد مَا كَانَتْ خالصة فأنكرنا ذَلِكَ عَلَيْهِ ورمنا صرفه فقال إني أستحق عليكم نصف الكراء لأن الحمى قَدْ ذهب نصفها وظن من جهة التسمية أن الشطر قَدْ ذهب من الحمى ولا زال يسألنا عما كَانَتْ فنقول غباً وعما هي الآن فنقول شطراً فيظلم ويقول ولم منعتموني نصف القبالةِ. بإكرام العلماء ومنها التظاهر بكفر النعمة وجحود الصنيعة لمن لولاه لما فهم أحد ولا فهم الشيخ من الطب لفظة واحدة ومنها أن المعلم أب روحاني وما كنت أحب للشيخ التظاهر بعقوق الآباء بل أن يجريه أقل الأجسام مجرى سيده عَلَيْهِ رحمة الله ومنها أنه قل من تعرض لمن قدمه الله تعالى إِلاَّ وحرم التوفيق ووقع من التعذير فِي بحر عريض عميق ولهذا قال أفلاطون لا تعادوا الدول المقبلة فتدبروا بإقبالها وهذا القسم إِذَا تفطن الشيخ فِيهِ علم نصحي لَهُ فلا يثقل عَلَيْهِ إِذَا كَانَ الدواء إِذَا لنحت غايته عذبت مرارته والعرب تقول مبكياتك ولا مضحكاتك وأخوك من نصحك وكثير مَا ينتفع الإنسان بأعدائه وبحسب هَذِهِ المعددة يجب عَلَى الشيخ الرجوع عما ثلب بِهِ أئمة الصناعة ولا يصر عَلَى الفكر بهذه الطريقة يل يستغفر الله تعالى مما جنى ويسأله الإقالة ليلقى الحق مبيض الوجه فِي القيامة فلا يكون سبباً لضلال إحداث الأطباء بما يودع نفوسهم من مثالب القدماء فيثبتهم عن قراءة كتب الصناعة فيؤدي ذَلِكَ إِلَى هلاك المرضى ومن هَذَا الفصل أنني حضرت مع تلميذ من تلاميذه الشيخ ظاهر التجمل بادي الذكاء إن صدقت الفراسة فِيهِ بحضرة الأمير الأجل أبي علي بن جلال الدولة بن عضد الدولة فناخسرو أطال الله بقاه ورحم أسلافه وإياه فِي خامس مرضة عرضت لَهُ من حمى نائبة أخذت أربعة أيام ولاء تبدأ ببرد وتقشع بنداوة وَقَدْ سقاه ذَلِكَ الطبيب دواء مسهلاً وهو عازم عَلَى فصده من بعد عَلَى عادة المصريين فِي تأخير الفصد بعد الدواء وإطعام المريض القطائف بجلاب فِي نوب الحمى فسألت الطبيب مستخبراً عن الحمى فقال بلفظة المصريين نعم سيدي عرضت لَهُ حمى يوم مركبة من دم وصفراء نائبة أربعة أيام فلما سقيناه الدواء تحلل الدم وبقيت الصفراء ونحن عَلَى فصده لَنَا من الصفراء بمشيئة الله فذهبت ولا أعلم مم أعجب أمن كون حمي يوم تنوب أربعة أيام بعلامات المواظبة أم من كونها من أخلاط مركبة أم من الدواء الَّذِي حلل الدم الغليظ وترك الصفراء اللطيفة وَمَا أشبه تِلْكَ الحكاية إِلاَّ بما حدثني بِهِ الشيخ أبو النصر بن العطار بأنطاكية فإنه ذكر أن طبيباً رومياً شارط مريضاً بِهِ غب خالصة عَلَى برئه دراهم معلومة وأخذ فِي تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد مَا كَانَتْ خالصة فأنكرنا ذَلِكَ عَلَيْهِ ورمنا صرفه فقال إني أستحق عليكم نصف الكراء لأن الحمى قَدْ ذهب نصفها وظن من جهة التسمية أن الشطر قَدْ ذهب من الحمى ولا زال يسألنا عما كَانَتْ فنقول غباً وعما هي الآن فنقول شطراً فيظلم ويقول ولم منعتموني نصف القبالة.

ومن هَذَا الفصل فِي آخره فقد بان مَا رمنا بيانه وهو أن الواجب عَلَى كل نسمة يقف بِهَا مطلب من كتب القدماء أن لا يتسرع إِلَى رد مذهب بل يعود إِلَى البحث والطلب ولهذا نرى المفسرين الجلة إِذَا وردوا هَذِهِ الموارد ورأوا فِيهَا تبايناً لائحاً وتناقضاً واضحاً قالوا عن صاحب الصناعة أنه أورده مجازاً عَلَى مذهب آخرين كأنابو المصري فِي مقالته فِي العناية واجتمعوا أنه ن غلط الناسخ أَوْ سهو الناقل أَوْ جوازه فِي اللغة المنقول عنها دون المنقول إليها كالاسم الَّذِي لَيْسَ بمذكر ولا مؤنث فِي لغة اليونانيين أَوْ أنه وجد فِي الحاشية عَلَى جهة التعليق وَلَيْسَ من الكتاب وربما كَانَ زائداً عَلَى مَا ينبغي قالوا أورده مبالغة كقول بقراط فقار الظهر وكما يقول الشعراء لبناً أبيض ودهناً رطباً أَوْ عَلَى جهة الجدل والخطابة كما فعل يحيى النحوي فِي نقائضه وإن تكرر لفظ مَا قالوا أورده للتأكيد احتجوا فِيهِ بعادة اليونانيين فِي الأسماء كعادتهم فِي تسمية كل مرض حار فكفموتي أَوْ نمط الكتاب فإن كَانَ فِي التصنيف مثال لا يطابق الممثل لَهُ كما يوجد فِي كتاب القياس قالوا أن من عادته الاستهانة فِي الأمثلة وإن رأوا فِي قضية تناقضاً جعلوا محمولها اسماً مشتركاً أَوْ منعوه أحد شروط النقيض ليبطل التناقض وجعلوه بوجهين اثنين لا من جهة واحدة وإن رأوا المصنف تكلم فِي أحد الضدين كما فعل أرسطوطاليس فِي الأسماء قالوا ترك الآخر ليفهم من ضده وأن قسم شيئاً وَلَمْ يستوفِ أقسامه قالوا ذكر منها مَا احتاج إِلَيْهِ فِي المكان وإن سمى صاحب الصناعة أسماء غير دالة عَلَيْهَا كما سمى الأطباء فم المعدة فؤاداً والقولنج فِي جميع المعاء وإن لَمْ يكن فِي القولون قولنجاً ومفاصل الورك عرق النسا قالوا هَذِهِ للقدماء أن يسموا بعض الأشياء من أسماء أمور بينها شركة واتصال أَوْ مشابهة وإن كرر المصنف كلاماً فِي أول الكتاب قالوا لما أطال الشيخ إعادة ليتصل الكلام كما يوجد فِي ايساغوجي وإن كَانَ فِي آخر الكتاب قالوا أورده عَلَى جهة النتيجة والتمرة مل هَذَا لعلم العقل الناقص البريء من الهوى أنه غير كامل لَمْ يبلغ عقل المصنف الواضع للصناعة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع