من «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
حرف الميم فِي أسماء الحكماء (٢)
الصفحة ٢ من ٢
ومنه الفصل الخامس .. فِي مسائل مختلفة صادرة عن براهين صحيحة فِي مقدمات صادقة يلتمس أجوبتها بالطريقة البرهانية.
المسألة الأولى .. وهي تتعلق بالبلاد والأهوية يجري هكذا لم صار
الحبشة والصقالبة وبلادهم وطباعهم متضادة يغتذي كل سهم بالأغذية الحارة اليابسة ويشربون الخمر ويتفلفلون بالمسك والعنبر ووجب أن يجرى فيهم عَلَى خلاف هَذَا التدبير عَلَى أنه لَيْسَ للشيخ أن يقول أن الصقالبة يستعملونه دواء والحبشة غذاء ذَلِكَ للمضادة وهذا للمشابهة لئلا يلزمه أن يستعمل مثل ذَلِكَ فِي الصيف والشتاء فنسبة الصيف إِلَى بلاد الحبشة نسبة الشتاء إِلَى بلاد الصقالبة ونحن نرى أن الأمر يجري عَلَى خلاف هَذَا لأنا تستعمل فِي الصيف الأغذية الباردة وَفِي الشتاء الأغذية الحارة وَفِي هَذَا أيضاً شك عَلَى اغتذائها فِي الشتاء بالأغذية الحارة والحر كامن فينا وَفِي الصيف الأغذية الباردة والبرد فِي الباطن مستول علينا لانفشاش الحرارة من مسامنا وهذا ضد قانون الصناعة وأطرف من كون الغذاء حاراً مع كون أجوافنا فِي الشتاء حارة خروج البول أبيض وحدود الأمراض البلغمية وخروج البول نضحاً فِي الصيف وحدوث الأمراض الصفراوية مع برد أجوافنا فِي الصيف.
والمسألة الثانية .. لم صار الإنسان بما نام وهو حاقن فرأى كأنه يبول فلا يبول وانتبه وَقَدْ حضرته البولة للخروج فنهض فبال ثُمَّ أنه بري ذَلِكَ الإنسان فِي منامه أنه يجامع فلا يتملك حَتَّى ينزل فينتبه وَقَدْ أفرغ منيه فِي ثوبه ليت شعري مَا الَّذِي منع البول من الخروج عَلَى حدته وأمهله إِلَى الانتباه مع كثرته وأرسل المني عَلَى قلته وحضره فِي المنام فلم يمهله إِلَى الانتباه وهما جميعاً فضلتان وهذه المسألة وغن كَانَتْ حقيرة فهي نافعة فِي كشف منتحلي هَذِهِ الصناعة وَقَدْ ذكرناها فِي الدعوة الطبية.
المسألة الثالثة .. تتعلق بالسماع الطبيعي لأني عرفت أن الشيخ نشر هَذَا الكتاب وتجري هكذا أرسطوطاليس حد المكان بأنه نهاية الجسم الحاوي المقعرة المماسة لنهاية الجسم المحو المحدبة وهذا حد لا ريب فِيهِ إِلاَّ أنه يلزم منه إحدى ثلاث شناعات إما أن يكون خارج العالم مكاناً فيلزم المضي إِلَى مَا لا نهاية أَوْ يكون حركة فِي المكان لا فِي مكان فيلزم من ذَلِكَ اجتماع النقيضين معاً وإما أن يكون أرسطوطاليس ومعاذ الله غلط فِي حد المكان وإما كَيْفَ ذَلِكَ فيجري هكذا الفلك المحيط يتحرك بأجزائه الخارجة لأن كل جزء منه يأخذ من نقطة ويعود إليها ولنفرض جزءاً من أجزائه الخارجة متحركاً وتنظر هَذَا الجزء إِذَا تحرك فإنه لا يخلو إما أن يكون خارجه مكاناً
يتحرك فِيهِ كما يتحرك رجل فِي السطح الداخل فِي فلك الثابتة فيلزم أن يكون خارج العالم جسماً ويمضي هَذَا بلا نهاية وإما أن لا يكون خارجه جسماً أن يتحرك الجزء الخارج من الفلك المحيط حركة مكانية لا فِي مكان يجتمع النقيضان معاص وهذا محال وإما أن يتحرك الجزء الخارج من المحيط بمواصلته للأجزاء الداخلة منه فِي مقبب الفلك الَّذِي تحته فيلزم أن يكون المتمكن لا يماس المكان أَوْ تكون الأجزاء الخارجة هي الأجزاء الداخلة وبينهما من البعد مَا تشهد بِهِ التعاليم وينكسر الحد .. فنقول أن حد المكان هو نهاية الجسم المحوي المحدبة المماسة لنهاية الجسم الحاوي المقعرة فإن لَمْ ينكسر صار للمتمكن وهو جوهر المكان وهو عرض فيكون الجوهر والعرض فتبقى حائرين إِن أثيتنا الحركة المكانية لزم كون العالم فِي مكان وإن أبطلنا كون العالم فِي مكان لزم وجود حركة مكانية لا فِي مكان والخلاص من هَذِهِ الشبهة يكون بتغليط أرسطوطاليس فِي حد المكان والكفر بتأييد الله لَهُ وبقاء الحد بجعل الجوهر هو العرض من جهة عدم مناسبة حركة المتمكن فِي المكان.
المسألة الرابعة من كتاب النفس وهي من المسائل العظيم محلها العسر حلها وتجرى هكذا قَدْ بان فِي الكتب الإلهية أن النفس الناطقة باقية فلا تخلو بعد فساد الموضوع بالموت أن تقوم بنفسها أَوْ فِي موضوعها أَوْ فِي موضوع آخر فإن قامت بنفسها لزم أن تكون صورة غير الباري قائمة بنفسها وإن قامت فِي موضوعها الفاسد وَقَدْ انحل إِلَى الاسطقسات لزم أن تكون مفارقة معاً وغير مفارقة ويكون الميت هو الحي وهذا محال وإن انتقلت إِلَى موضوع آخر لا يخلو إما أن يكون مناسباً أَوْ غير مناسب فإن كَانَ مناسباً لزم أن تتحرك النفس إِلَيْهِ فِي المكان وليست جسماً والحركة من صفات الأجسام وإن كَانَ غير مناسب أن يحل أي صورة اتفقت فِي أي هيولى اتفقت وهذا شك من قبيل عدم مناسبة الهيولى لجوهر الصورة وإن صح والعياذ بالله بطل عنا بشفاء الفلسفة.
ومنه من الفصل السادس .. ذكروا أن فيلسوفاً أودع بعض أمناء قضاة أثينية ثوباً فضاع عنده فاغتم لَهُ الفيلسوف غماً شديداً فعير بذلك فقال بلغنا أن خطافة عششت فِي مجلس قاض فسرقت الحية فراخها فعزاها الطير فلم تتعز
فأنكر ذَلِكَ عَلَيْهَا فقالت والله مَا بكائي لتفردي دون الطير بهذه الرزية إنما بكائي لما يأتي علي من الجور فِي مجلس الحكم .. ومن هَذَا الفصل وَفِي هَذِهِ المقالة يأمرني الشيخ بتصفح تصانيفه لأهدي إِلَى الناس عيوبه وَمَا أجده من أغلوطاته ومعاذ الله فإن قدره يجل عن هَذَا غير أنني اتبعت غرضه والتمست منها فوجدتها لَمْ تنتشر بأيدي الناس بمصر فنسبت ذَلِكَ إِلَى ضنته بِهَا ثُمَّ أتحفني بعض أصدقائي برده عَلَى المؤيد أبي زيد حنين بن إسحاق فِي مسائله الَّتِي انتزعها لولده من كتب جالينوس فقرأت ترجمتها وإذا بِهِ قَدْ وسمها بأغلوطات حنين فعلمت أن الله يمهل عبده لخطائه إلي وقت يشاء تصفحتها فرأيت كلامه فِيهَا كلام من لَمْ يحط بشيء مما فِيهَا علماً لعدم قراءتها عَلَى معلمي الصناعة وَقَدْ سلك فِي بعضها ضد المعرفة فكان كمن رام إدراك الألورا بحاسة الذوق والأصوات بحاسة الشم فلم يدرك شيئاً وتطلبت فِي جميعها مَا لا يجوز أن يجاب عنه فلم أجد إِلاَّ مسألة واحدة عَلَى مَا حكى لي الثقة الأمين من جملة مَا وجدها بخط ابن بكش فأخذها الشيخ وادعاها .. والمسألة صفتها هَذِهِ الصفة قال المؤيد حنين فِي قسمة الصفراء أن المح يكون من مخالطة البلغم للمرار الأحمر ولهذا صار أبرد من الحمراء وقال جالينوس أن المحبة تحدث من غلبة الحمراء فهي أسخن وأجف منها وهذا يظن مضاداً لذلك ومخالفاً لَهُ وحل هَذِهِ الشبهة يأتي بأهون سعي ذَلِكَ أن المحبة اسم مشترك يقع عَلَى الحمراء إِذَا نضجت بنفسها وهذه حارة ويقع عَلَيْهَا إِذَا خالطها البلغم فيردها بمخالطته لَهَا ولهذا عين حنين عَلَى مخالطة البلغم لَهَا وجالينوس أفردها بنفسها ولهذا لا يكونان اختلفا والدليل عَلَى أن اسم المحية مشترك أنه لو أفردنا إحداهما لَمْ يكن للآخر اسم وإذا كَانَ الأمر عَلَى هَذَا فما تعاندا فِي المعنى لكن اختلفا فِي دلالة الأسماء وَفِي الحقيقة المحية مشتقة من مح البيضة والمح يقع عَلَى الصفرة وَعَلَى البياض والصفرة فمن سمى الجملة محا فقد أطلق حكم الجزء عَلَى الكل كما فعل حنين ومن سمى الصفرة مجا جاز كما فعل جالينوس ولو سئل حنين عما قاله جالينوس لقال بقوله ومثل ذَلِكَ كما يقال فِي كل صورة بقياس الهيولى عرضاً وبقياس المركب جوهراً ولا يصح هَذَا إِذَا كَانَ لَيْسَ إِلاَّ
من جهة واحدة وأنت تعلم أنهما يتضادان إِن لن يتضادا من نظرك إِلَى الموضوع فإن الموضوع إِن كَانَ واحداً واختلاف فِي الحكم فقد تضادا لأن الأضداد موضوعها واحد وإن لَمْ يكن الموضوع واحداً فما تضادا فِي الحقيقة وإن اختلفا بوجود البلغم وعدمه فِي حكمهما فقد بطل بكون عدم الموضوع واحداً أن يكونا تضادا ومثل ذَلِكَ يوجد فِي علوم كثيرة فإن أبا حنيفة وصاحبيه أبا يوسف ومحمد اختلفوا فِي نكاح الصابئة وأكل ذبائحهم فحرمها أبو حنيفة وأحلها صاحباه فقال أصحابهم أنه لَيْسَ بخلاف عَلَى الحقيقة وإنما هو خلاف فِي الفتوى لأن أبا حنيفة سئل عن الصابئين الحرانيين وهم معروفون بعبادة الكواكب فأجرهم مجرى عبدة الأوثان فِي تحريم المناكحة والذباحة وصاحباه سئلا عن الصابئين السكان بالبطيحة وهم فرقة من النصارى يؤمنون بالمسيح ﵇ فأجابا بجواز ذبائحهم ومناكحتهم ولو سئل أبو حنيفة عن هؤلاء لأفتى بفتوى صاحبيه ولو سئل صاحباه عن الفرقة لأولي لافنيا بمثل قوله وَفِي هَذِهِ الأشياء يظهر فضل التلبث والارتياء عَلَى الطيش والعجلة وإني لأعجب من الشيخ كَيْفَ أخذ عَلَى حنين هَذَا وَلَمْ يأخذ عَلَى جالينوس ثلاث سؤالات مبهمة الأول منها أنه سماها مرة ةهي حلوة فإن قلت أنه فعل ذَلِكَ مجازاً لَمْ يجوز ذَلِكَ لجالينوس ولا يجوز لحنين كون المحية مائلة إِلَى البرودة والثاني أنه سماها صفراء من القسم الخارج من الطبيعة وَلَمْ يسمها من الطبيعي حمراء الثالث أن عددها أربعة وأسقط الزنجاري منها فإن كَانَ عند الشيخ لجالينوس عذر فليعتذر بمثله لحنين فِي تقصيره قسمة البلغم إِلَى خمسة إِن كَانَ عَلَى قولك سبعة وهبها سبعة وليست
لأن جالينوس عددها خمسة فِي كتاب القوى وحنين اتبعه فِي هَذَا العدد نعوذ بالله من المضي مع لهوي المعتضى إِلَى طرق الردى فلنترك هَذَا الفن فإنه يخرجنا إِلَى الهذيان والإطالة ونأخذ فِي تصفح بقية المقالة. أن جالينوس عددها خمسة فِي كتاب القوى وحنين اتبعه فِي هَذَا العدد نعوذ بالله من المضي مع لهوي المعتضى إِلَى طرق الردى فلنترك هَذَا الفن فإنه يخرجنا إِلَى الهذيان والإطالة ونأخذ فِي تصفح بقية المقالة.
ومنه من الفصل السابع .. فِي تتبع مقالته فِي النقطة الطبيعية وكف مَا دخل عَلَيْهِ من الشبهة فِيهَا
أما الحد الَّذِي أورده عن إقليدس للنقطة فقال أن النقطة هي شيء مَا لا جزء لَهُ فأنا أحب أن أسأله فِي أول مصادرات إقليدس لما منحه الله من العلوم الَّتِي خصه بِهَا فأقول أن عَلَى فهمنا فِي هَذَا الاسم شكوك الأول منها لم حد إقليدس النقطة عَلَى جهة السلب والحدود والرسوم الصحيحة تكون عَلَى جهة الإيجاب ليكون الحد مطابقاً لما ابتنى عَلَيْهِ الأمر وإن رسم شيء عَلَى جهة السلب فإنما يكون ذَلِكَ لأمر لَهُ شركة مع أمور محصورة بالعدد قَدْ عرف جميعها فيجد سلبها كما فعل فرفوريوس فِي العرض والثاني لم رسم النقطة رسم لا يميزها مما سواها فإن رسمها يصلح للوحدة والآن وذلك أن كل واحد من هَذِهِ هو شيء مَا لا جزء لَهُ والثالث مَا العلة الَّتِي من أجلها ضم فِي حد النقطة الصورة إِلَى الهيولى وَفِي الخط ذكر الصورة فقط والرابع مَا الفائدة بدخول نقطة مَا فِي الحد وَمَا المضرة الَّتِي كَانَتْ تكون بإسقاطها مع إبهام المحدود وعموم الحد فِي الجميع والخامس فِي سؤاله حرسه الله مَا الفرق بَيْنَ التلفظ بالحد والقول الجازم فإن ظهر الحد أنه قول جازم محموله مركب فإنك تضع الإنسان وتحكم عَلَيْهِ بأنه حيوان ناطق فكذلك النقطة فهذا مَا التمس جوابه فِي حد النقطة فإن سامحني بهذه السؤالات تفضلاً منه وإلا فليحتسب بِهَا من جملة الألف مسألة الَّتِي فسح فِي تحديه بِهَا .. ومن هَذَا الفصل فأما اعتقاده أن جذب المغناطيس للحديد يكون بخطوط تخرج من الحجر فيلزم منه أن يكون كلما جذب الحجر الحديد نقصان الحجر وزيادة الحديد إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الخطوط لَهَا ميل طبيعي ولأنها أجسام طبيعية يلتزم تحركها إِلَى المكان لا فِي زمان وهذا محال وَقَدْ خطر ببالي سؤال يحتسب بِهِ الشيخ من جملة الألف مسألة وهو هل الحديد يطلب الحجر شوقاً إِلَيْهِ أم الحجر يجذبه إِلَيْهِ بقسر منه وقبيح بِنَا أن لا نعلم ذَلِكَ ضرورة ونحن نشاهده حساً وهذا سؤال إِن لَمْ نرجع فِيهِ إِلَى مَا قاله ذَلِكَ المؤيد حنين صاحب الأغلوطات بقينا حيارى نعوذ بالله من الميل مع الهوى والانخراط فِي سبيل الشيطان المغوى وعصيان القوة الناطقة .. ووجدت الشيخ فِي فصل من المقالة قَدْ حمى طبعه واحتد غضبه ونشف
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع