تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)

فيثاغورس

ثمَّ سقراط ثمَّ أفلاطون ثمَّ أرسطوطاليس ابْن نيقوماخس

أَقُول وَسَنذكر جملا من أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة وَغَيرهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى

بندقليس

قَالَ القَاضِي صاعد أَن بندقليس كَانَ فِي زمن دَاوُد النَّبِي ﵇ على مَا ذكره الْعلمَاء بتواريخ الْأُمَم وَكَانَ أَخذ الْحِكْمَة عَن لُقْمَان الْحَكِيم بِالشَّام ثمَّ انْصَرف إِلَى بِلَاد اليونانيين فَتكلم فِي خلق الْعَالم بأَشْيَاء يقْدَح ظَاهرهَا فِي أَمر الْمعَاد فهجره لذَلِك بَعضهم وَطَائِفَة من الباطنية تنتمي إِلَى حكمته وتزعم أَن لَهُ رموزا قَلما يُوقف عَلَيْهَا

قَالَ وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مرّة الْجبلي الباطني من أهل قرطبة كلفا بفلسفته دؤوبا على دراستها

قَالَ وبندقليس أول من ذهب إِلَى الْجمع بَين مَعَاني صِفَات الله تَعَالَى وَإِنَّهَا كلهَا تُؤدِّي إِلَى شَيْء وَاحِد وَإنَّهُ وَإِن وصف بِالْعلمِ والجود وَالْقُدْرَة فَلَيْسَ هُوَ ذَا معَان متميزة تخْتَص بِهَذِهِ الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة بل الْوَاحِد بِالْحَقِيقَةِ الَّذِي لَا يتكثر بِوَجْه مَا أصلا بِخِلَاف سَائِر الموجودات فَإِن الوحدانيات العالمية معرضة للتكثير إِمَّا بإجزائها وَإِمَّا بمعانيها وَإِمَّا بنظائرها وَذَات الْبَارِي متعالية عَن هَذَا كُله

قَالَ وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَب فِي الصِّفَات ذهب أَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْهُذيْل العلاف الْبَصْرِيّ

ولبندقليس من الْكتب كتاب فِيمَا بعد الطبيعة كتاب الميامر

فيثاغورس

وَيُقَال فوثاغوراس وفوثاغوريا وَقَالَ القَاضِي صاعد فِي كتاب طَبَقَات الْأُمَم إِن فيثاغورس كَانَ

بعد بندقليس بِزَمَان وَأخذ الْحِكْمَة عَن أَصْحَاب سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ بِمصْر حِين دخلُوا إِلَيْهَا من بِلَاد الشَّام وَكَانَ قد أَخذ الهندسة قبلهم عَن المصريين ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاد اليونان وَأدْخل عِنْدهم علم الهندسة وَعلم الطبيعة وَعلم الدّين واستخرج بذكائه علم الألحان وتأليف النغم وأوقعها تَحت النّسَب العددية وَادّعى أَنه اسْتَفَادَ ذَلِك من مشكاة النُّبُوَّة

وَله فِي نضد الْعَالم وترتيبه على خَواص الْعدَد ومراتبه رموز عَجِيبَة وأغراض بعيدَة

وَله فِي شَأْن الْمعَاد مَذَاهِب قَارب فِيهَا بندقليس من أَن فَوق عَالم الطبيعة عَالما روحانيا نورانيا لَا يدْرك الْعقل حسنه وبهاءه وَإِن الْأَنْفس الزكية تشتاق إِلَيْهِ وَإِن كل إِنْسَان أحسن تَقْوِيم نَفسه بالتبري من الْعجب والتجبر والرياء والحسد وَغَيرهَا من الشَّهَوَات الجسدانية فقد صَار أَهلا أَن يلْحق بالعالم الروحاني ويطلع على مَا يَشَاء من جواهره من الْحِكْمَة الإلهية

وَإِن الْأَشْيَاء الملذذة للنَّفس تَأتيه حِينَئِذٍ إرْسَالًا كالألحان الموسيقية الْآتِيَة إِلَى حاسة السّمع فَلَا يحْتَاج أَن يتَكَلَّف لَهَا طلبا

ولفيثاغورس تآليف شَرِيعَة الأرتماطيقي والموسيقي وَغير ذَلِك هَذَا آخر قَوْله

وَذكر غَيره عَن الْحَكِيم فيثاغورس أَنه كَانَ يرى السياحة وَاجْتنَاب مماسة الْقَاتِل والمقتول

وَأَنه أَمر بتقديس الْحَواس وَتعلم الْعَمَل بِالْعَدْلِ وَجَمِيع الْفَضَائِل والكف عَن الْخَطَايَا والبحث عَن الْعَطِيَّة الإنسية ليعرف طبيعة كل شَيْء وَأمر بالتحابب والتأدب بشرح الْعُلُوم العلوية ومجاهدة الْمعاصِي وعصمة النُّفُوس وَتعلم الْجِهَاد وإكثار الصّيام وَالْقعُود على الكراسي والمواظبة على قِرَاءَة الْكتب وَأَن يعلم الرِّجَال الرِّجَال وَتعلم النِّسَاء وَالنِّسَاء وَأمر بجودة الْمنطق ومواعظ الْمُلُوك وَكَانَ يَقُول بِبَقَاء النَّفس وَكَونهَا فِيمَا بعد فِي ثَوَاب أَو عِقَاب على رَأْي الْحُكَمَاء الإلهيين وَلما رَأس الْحَكِيم فيثاغورس على الهياكل وَصَارَ رَئِيس الكهنة جعل يغتذي بالأغذية غير المجوعة وَغير المعطشة

أما الْغذَاء غير المجوع فَكَانَ يهيئه من بزر ميقونيون وسمسم وقشر أسقال مغسول غسلا مستقصى حَتَّى ينبأ قلبه وأنتاريقون وأسفودالن وألفيطون وحمص وشعير من كل وَاحِد جُزْء بالتحرير كَانَ يسحقها ويعجنها بِجِنْس من الْعَسَل يُسمى أميطيو

وَأما غير المعطش فَكَانَ يهيئه من بزر القثاء وزبيب سمين منزوع الْعَجم وزهر قوريون وبزر ملوخيا وبزر أسوفا وأندراخين وَنَوع من الْخبز يدعى فيلطاموس ودقيق أواليس وَكَانَ يعجنها بِعَسَل حابوق

وَذكر الْحَكِيم أَن هرقلس تعلم هَاتين الصفتين من ديميطر وَكَانَ فيثاغورس قد ألزم نَفسه عَادَة موزونة فَلم يكن مرّة صَحِيحا وَمرَّة سقيما وَلَا كَانَ مرّة يسمن وَمرَّة يهزل

وَكَانَت نَفسه لَطِيفَة جدا وَلم يكن يفرح بإفراط وَلَا يحزن بإفراط وَلَا رَآهُ أحد قطّ ضَاحِكا وَلَا باكيا وَكَانَ يقدم إخوانه على نَفسه

ويحكى أَنه أول من قَالَ إِن أَمْوَال الأخلاء مشاعة غير مقسومة وَكَانَ يحافظ على صِحَة الأصحاء وَيُبرئ المسقومي الْأَبدَان وَكَانَ يُبرئ النُّفُوس الآلمة مِنْهَا بالتكهن وَمِنْهَا بالألحان الآلهية الَّتِي كَانَ يحيي بهَا آلام الْبدن

وَكَانَ يَأْمر بأَدَاء الْأَمَانَة فِي الْوَدِيعَة لَا المَال فَقَط والكلمة المستودعة المحقة وَصدق الْوَعْد

وَذكر فرفوريوس فِي الْمقَالة الأولى من كِتَابه فِي أَخْبَار الفلاسفة وقصصهم وآرائهم حكايات عَجِيبَة ظَهرت عَن فيثاغورس مِمَّا تكهن بِهِ وَمن أخباره بمغيبات سَمِعت مِنْهُ وشوهدت كَمَا قَالَه

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.