من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
مهذب الدّين أَبُو سعيد مُحَمَّد أبي حليقة
أوحد الْعلمَاء وأكمل الْحُكَمَاء
مولده فِي الْقَاهِرَة فِي سنة عشْرين وسِتمِائَة وَسمي مُحَمَّدًا لما أسلم فِي أَيَّام الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس الملكي الصَّالِحِي وَهُوَ فقد منحه الله من الْعقل أكمله وَمن الْأَدَب أفضله وَمن الذكاء أغزره وَمن الْعلم أَكْثَره قد أتقن الصِّنَاعَة الطبية وَعرف الْعُلُوم الْحكمِيَّة فَلَا أحد يدانيه فِيمَا يعانيه وَلَا يصل إِلَى الْخَلَائق الجميلة الَّتِي اجْتمعت فِيهِ
لطيف الْكَلَام جزيل الإنعام
إحسانه إِلَى الصّديق والنسيب والبعيد والقريب
وصلني كِتَابه وَهُوَ فِي المعسكر الْمَنْصُور الظَّاهِرِيّ فِي شهر شَوَّال سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَهُوَ يعرب عَن فضل باهر وَعلم وافر وفطنة أصمعية وشنشنة أخزمية وتودد عَظِيم وإحسان جسيم
وَيَقُول فِيهِ أَنه وجد بِمصْر نُسْخَة من هَذَا الْكتاب الَّذِي ألفته فِي طَبَقَات الْأَطِبَّاء وَقد اقتناها وَصَارَت فِي جملَة كتبه الَّتِي حواها وَبَالغ فِي الْوَصْف الَّذِي يدل على كرم أخلاقه وَطيب أعراقه
وَكَانَ فِي أول كِتَابه الْوَاصِل إِلَيّ
وَإِنِّي امْرُؤ أجبتكم لمحاسنسَمِعت بهَا وَالْأُذن كَالْعَيْنِ تعشق
فَقلت على الْوَزْن والروي وكتبت إِلَيْهِ الْجَواب
أَتَانِي كتاب وَهُوَ بالنقش مونقوَفِيه الْمعَانِي وَهِي كَالشَّمْسِ تشرق
كتاب كريم أريحي ممجدصبيح الْمحيا نوره يتألق
هُوَ السَّيِّد الْمولى الْمُهَذّب وَالَّذِيبِهِ قد زها فِي الْعلم غرب ومشرق
حَكِيم حوى كل الْعُلُوم بأسرهاوَمَا عَنهُ بَاب للمكارم يغلق
كريم لأنواع المحامد جَامعوَلكنه لِلْمَالِ جودا مفرق
إِذا ذكرت أَوْصَافه فِي محافلفَمن طيبها نشر من الْمسك يعبق
حوى قصبات السَّبق فِي طلب الْعلَاوَمن رام تَشْبِيها بِهِ لَيْسَ يلْحق
إِذا قَالَ بذ الْقَائِلين بلاغةويصمت قس عِنْده حِين ينْطق
وَلَو أَن جالينوس كَانَ لوقتهلقَالَ بِهَذَا فِي التطبب يوثق
فَمَا أحد يحكيه فِي حفظ صِحَةوَلَا مثله فِي الْجِسْم للداء يحدق
إِذا قلت مدحا فِي معالي مُحَمَّدفَكل امْرِئ فِيمَا أَقُول يصدق
وَلَو رمت أحصي مَا حواه من الْعلَاعجزت وَلَو أَنِّي البليغ الفرزدق
وَلَا غرو فِي ابْنا حليقة أننيبِصدق الولا فِي قَبْضَة الرّقّ موثق
لوالدهم عِنْدِي أياد قديمَةفشكري لَهُم طول الزَّمَان مُحَقّق
وكل فَفِي العلياء سَام وسيمالمن قَالَ لي إِذْ جد فِيهِ التشوق
وَإِنِّي امْرُؤ أحببتكم لمحاسنسَمِعت بهَا وَالْأُذن كَالْعَيْنِ تعشق
فَلَا برحوا فِي نعْمَة وسلامةمُؤَبّدَة مَا دَامَت الدوح تورق
وَلم يزل مهذب الدّين أَبُو سعيد مُحَمَّد ملازما للاشتغال مَحْمُود السِّيرَة فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال
وَقَرَأَ على أَبِيه الصِّنَاعَة الطبية وحرر أقسامها الْكُلية والجزئية وَحصل مَعَانِيهَا العلمية والعملية
وخدم السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس الملكي الصَّالِحِي بصناعة الطِّبّ وَله مِنْهُ غَايَة الاحترام وأوفر الإنعام والمنزلة الجميلة والعطايا الجزيلة
ولمهذب الدّين الْمَذْكُور إخْوَان أَحدهمَا موفق الدّين أَبُو الْخَيْر متميز فِي صناعَة الْكحل غزير الْعلم وَالْفضل وَكَانَ قد صنف للْملك الصَّالح نجم الدّين كتابا فِي الْكحل من قبل أَن يصير لَهُ من الْعُمر عشرُون سنة
وَالْأَخ الآخر علم الدّين أَبُو نصر وَهُوَ الْأَصْغَر مفرط الذكاء مَعْدُود من جملَة الْعلمَاء متميز فِي صناعَة الطِّبّ وافر الْعلم واللب
ولمهذب الدّين مُحَمَّد بن أبي حليقة من الْكتب كتاب فِي الطِّبّ
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع