من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
مهذب الدّين بن النقاش
هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي عبد الله عِيسَى بن هبة الله النقاش مولده ومنشؤه بِبَغْدَاد
عَالم بِعلم الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وَكَانَ يتَكَلَّم الْفَارِسِي
واشتغل بصناعة الطِّبّ على الْأَجَل أَمِين الدولة هبة الله بن صاعد بن التلميذ ولازمه مُدَّة واشتغل بِعلم الحَدِيث
سمع بِبَغْدَاد من أبي الْقَاسِم عمر بن الْحصين وَحدث عَنهُ
سمع مِنْهُ القَاضِي عمربن الْقرشِي وروى عَنهُ حَدِيثا فِي مُعْجَمه
وَكَانَ أَبُو عبد الله عِيسَى بن هبة الله بن النقاش بزازا أديبا
قَالَ عماد الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن حَامِد الْأَصْبَهَانِيّ الْكَاتِب فِي كتاب الخريذة أَنْشدني مهذب الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن النقاش لوالده
إِذا وجد الشَّيْخ فِي نَفسهنشاطا فَذَلِك موت خَفِي
أَلَسْت ترى أَن ضوء السراجلَهُ لَهب قبل أَن ينطفي) المتقارب
قَالَ وَأَنا لقِيت أَبَا عبد الله بن النقاش بِبَغْدَاد وَتُوفِّي ﵀ فِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة بهَا بعد مسيري إِلَى أَصْبَهَان قَالَ وقرأت بِخَط السَّمْعَانِيّ أَنْشدني أَبُو عبد الله النقاش لنَفسِهِ
رزقت يسارا فوافيت منقدرت بِهِ حِين لم يرْزق
وأملقت من بعده فاعتذرتإِلَيْهِ اعتذار أَخ مملق
وَإِن كَانَ يشْكر فِيمَا مضىبذا فسيعذر فِيمَا بَقِي) المتقارب
قَالَ قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا من قِطْعَة
وَكَذَا الرئيس فَإِنَّهُ عِنْدِيكمجرى الرّوح يجْرِي
أنْكرت فِي دلف عَلَيْهِتهتكا من بعد ستر
كَيفَ السلو وَقد تملكمهجتي من غير أَمْرِي
قمر ترَاهُ إِذا اسْتمرّكَمثل أَرْبَعَة وَعشر
يرفو بنجلاوين يسقممن سقامهما ويبري
وَإِذا تَبَسم فِي دجاليل شهِدت لَهُ بفجر
وبورد وجنته وَحسنعذاره قد قَامَ عُذْري) الْكَامِل
أَقُول وَلما وصل مهذب الدّين بن النقاش إِلَى دمشق بَقِي بهَا يطب وَكَانَ أوحد زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ وَله مجْلِس عَام للمشتغلين عَلَيْهِ
ثمَّ توجه إِلَى الديار المصرية وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ مُدَّة
ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق وَلم يزل مُقيما إِلَى حِين وَفَاته
وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود ابْن زنكي وَكَانَ يعاني أَيْضا كِتَابَة الْإِنْشَاء وَكتب كثيرا لنُور الدّين المراسلات والكتب إِلَى سَائِر النواحي وَكَانَ مكينا عِنْده
وخدم أَيْضا فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بِدِمَشْق وَبَقِي بِهِ سِنِين
وَكتب الْأَمِير مؤيد الدولة أَبُو المظفر أُسَامَة بن منقذ إِلَى مهذب الدّين ابْن النقاش يستهدي دهن بِلِسَان
ركبتي تخْدم الْمُهَذّب فِي الْعلموَفِي كل حِكْمَة وَبَيَان
وَهِي تَشْكُو إِلَيْهِ تَأْثِير طول الْعُمرفِي ضعفها وَطول الزَّمَان
فلهَا فاقة إِلَى مَا يقويهاعلى مشيها من البلسان
كل هَذَا علالة مَا لمن جَازَالثَّمَانِينَ بالنهوض يدان
رَغْبَة فِي الْحَيَاة من بعد طول الْعُمروَالْمَوْت غَايَة الْإِنْسَان) الْخَفِيف
فَبعث إِلَيْهِ مَا أَرَادَ من ذَلِك وَلم يزل فِي خدمَة نور الدّين إِلَى أَن توفّي ﵀
وَكَانَت وَفَاة نور الدّين فِي شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بِدِمَشْق
وخدم مهذب الدّين بن النقاش أَيْضا بصناعة الطِّبّ بعد ذَلِك للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب
لما ملك دمشق
وحظي عِنْده
وَكَانَ مهذب الدّين بن النقاش كثير الْإِحْسَان محبا للجميل يُؤثر التخصص
وَلم يتَّخذ امْرَأَة وَلَا خلف ولدا وَكَانَت وَفَاته ﵀ بِدِمَشْق فِي يَوْم السبت ثَانِي عشر محرم سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَدفن بهَا فِي جبل قاسيون
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع