تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)

أَبُو الْفضل بن عبد الْكَرِيم المهندس

هُوَ مؤيد الدّين أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ مولده ومنشؤه بِدِمَشْق

وَكَانَ يعرف بالمهندس لجودة مَعْرفَته بالهندسة وشهرته بهَا قبل أَن يتحلى بِمَعْرِِفَة صناعَة الطِّبّ

وَكَانَ

فِي أول أمره نجارا وينحت الْحِجَارَة أَيْضا وَكَانَ تكسبه بصناعة النجارة وَله يَد طولى فِيهَا وَالنَّاس كثيرا مَا يرغبون إِلَى أَعماله

وَأكْثر أَبْوَاب البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين ابْن زنكي ﵀ من نجارته وصنعته أَخْبرنِي سديد الدّين بن رقيقَة عَنهُ أَنه أخبرهُ بذلك

وحَدثني شمس الدّين بن المطواع الكحال عَنهُ وَكَانَ صديقا لَهُ أَن أول اشْتِغَاله بِالْعلمِ أَنه قصد إِلَى أَن يتَعَلَّم أوقليدس لِيَزْدَادَ فِي صناعَة النجارة جودة ويطلع على دقائقها ويتصرف فِي أَعمالهَا

قَالَ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام يعْمل فِي مَسْجِد خاتون الَّذِي تَحت المنيبع غربي دمشق فَكَانَ فِي كل غَدَاة لَا يصل إِلَى ذَلِك الْموضع إِلَّا وَقد حفظ شَيْئا من أوقليدس وَيحل أَيْضا مِنْهُ فِي طَرِيقه وَعند فَرَاغه من الْعَمَل إِلَى أَن حل كتاب أوقليدس بأسره وفهمه فهما جيدا وَقَوي فِيهِ

ثمَّ نظر أَيْضا فِي كتاب المجسطي وَشرع فِي قِرَاءَته وحله وَانْصَرف بكليته إِلَى صناعَة الهندسة وَعرف بهَا

أَقُول واشتغل أَيْضا بصناعة النُّجُوم وَعمل الزيجات

وَكَانَ قد ورد إِلَى دمشق ذَلِك الْوَقْت الشّرف الطوسي وَكَانَ فَاضلا فِي الهندسة والعلوم الرياضية لَيْسَ فِي زَمَانه مثله فَاجْتمع بِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَأخذ عَنهُ شَيْئا كثيرا من معارفه وَقَرَأَ أَيْضا صناعَة الطِّبّ على أبي الْمجد مُحَمَّد بن أبي الحكم ولازمه حق الْمُلَازمَة وَنسخ بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَفِي صناعَة الطِّبّ

وَوجدت بِخَطِّهِ الْكتب السِّتَّة عشر لِجَالِينُوسَ وَقد قَرَأَهَا على أبي الْمجد مُحَمَّد بن أبي الحكم وَعَلَيْهَا خطّ ابْن أبي الحكم لَهُ بِالْقِرَاءَةِ

وَهُوَ الَّذِي أصلح السَّاعَات الَّتِي للجامع بِدِمَشْق

وَكَانَ لَهُ على مراعاتها وتفقدها جامكية مستمرة يَأْخُذهَا

وَكَانَت لَهُ أَيْضا جامكية لطبه فِي البيمارستان الْكَبِير وَبَقِي سنينا كَثِيرَة يطب فِي البيمارستان إِلَى حِين وَفَاته

وَكَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ جيد الْمُبَاشرَة لأعمالها مَحْمُود الطَّرِيقَة

وَكَانَ قد سَافر إِلَى ديار مصر وَسمع شَيْئا من الحَدِيث بالإسكندرية فِي سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة من رشيد الدّين أبي الثَّنَاء حَمَّاد بن هبة الله بن حَمَّاد بن الفضيل الْحَرَّانِي وَمن أبي طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم السلَفِي الْأَصْفَهَانِي

واشتغل أَيْضا بالأدب وَعلم النَّحْو وَكَانَ يشْعر وَله قطع جَيِّدَة

وَتُوفِّي ﵀ فِي سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بِدِمَشْق بإسهال عرض لَهُ وعاش نَحْو السّبْعين سنة

وَمن شعر أبي الْفضل بن عبد الْكَرِيم المهندس نقلت من خطه فِي مقَالَته فِي رُؤْيَة الْهلَال ألفها للْقَاضِي محيي الدّين بن القَاضِي زكي الدّين وَيَقُول فِيهَا يمدحه

خصصت بِالْأَبِ لما أَن رَأَيْتهمْدعوا بنعتك أشخاصا من الْبشر
ضد النعوت تراهم أَن بلوتهموَقد يُسمى بَصيرًا غير ذِي بصر
والنعت مَا لم تَكُ الْأَفْعَال تعضدهاسْم على صُورَة خطت من الصُّور
وَمَا الْحقيق بِهِ لفظ يطابقه الْمَعْنىكنجل الْقُضَاة الصَّيْد من مُضر
فالدين وَالْملك وَالْإِسْلَام قاطبةبِرَأْيهِ فِي أَمَان من يَد الْغَيْر
كم سنّ سنة خير فِي ولَايَتهوَقَامَ لله فِيهَا غير معتذر
يَرْجُو بِذَاكَ نعيما لَا نفاد لَهُجوَار ملك عَزِيز جلّ مقتدر
فَالله يكلؤه من كل حَادِثَةمَا غردت هاتفات الْوَرق فِي الشّجر) الْبَسِيط

وَلأبي الْفضل بن عبد الْكَرِيم المهندس من الْكتب رِسَالَة فِي معرفَة رمز التَّقْوِيم

مقَالَة فِي رُؤْيَة الْهلَال

اخْتِصَار كتاب الأغاني الْكَبِير لأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ

وَكتب من تصنيفه هَذَا نُسْخَة بِخَطِّهِ فِي عشر مجلدات ووقفها بِدِمَشْق فِي الْجَامِع مُضَافا إِلَى الْكتب الْمَوْقُوفَة فِي مَقْصُورَة ابْن عُرْوَة

كتاب فِي الحروب والسياسة

كتاب فِي الْأَدْوِيَة المفردة على تَرْتِيب حُرُوف أبجد

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.