من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن جزيّ الكلبي
من أهل غرناطة، ويعرف بابن جزيّ. أوليّته معروفة، وأصالته شهيرة، تنظر فيما مرّ من ذلك عند ذكر سلفه، وفيما يأتي في ذلك، بحول الله وقوته.
حاله: من أهل الفضل والنّزاهة، والهمّة، وحسن السّمة، واستقامة الطّريقة، غرب في الوقار، ومال إلى الانقباض، وترشّح إلى رتب سلفه. له مشاركة حسنة في فنون، من فقه وعربيّة، وأدب، وحفظ، وشعر، تسمو ببعضه الإجادة، إلى غاية بعيدة.
مشيخته: قرأ على والده الخطيب أبي القاسم، ولازمه، واستظهر ببعض موضوعاته، وتأدّب به؛ وقرأ على بعض معاصري أبيه، وروى، واستجلب له أبوه كثيرا من أهل صقعة وغيرهم.
نباهته: ثم أرسم في الكتابة السلطانية لأوّل دولة السابع من الملوك النّصريين، منفق سوق الحلية من أبناء جنسه، أبي الحجاج بن نصر، فورى زنده، ودرّت أحلاب قريحته، وصدر له في مدائحه شعر كثير. ثم تصرّف في الخطط الشّرعية، فولّي القضاء ببرجة، ثم بأندرش، وهو الآن قاضي مدينة وادي آش، مشكور السّيرة،
معروف النّزاهة، أعانه ذلك وسوّده، وبلغ به رتبة سلفه. وجرى ذكره في كتاب التّاج بما نصّه:
«فاضل تحلّى بالسكينة والوقار، فمدّت إليه رقاب سلفه يد الافتقار، ما شئت من هدوء وسكون، وجنوح إلى الخير وركون، عني بالمحافظة على سمته من لدن عقل، ولزم خدمة العلم فما عاد ولا انتقل، ووجد من أبيه ﵀ مرعى خصيبا فابتقل، وعمل على شاكلة سلفه في سلامة الجانب، وفضل المذاهب، وتحلّى بتلك المآثر وتوشّح، وتأهّل إلى الرّتب في سنّن الشّبيبة وترشّح؛ وله مع ذلك في لجّة الفقه سبح، وعلى بعض موضوعات أبيه شرح؛ وأدبه ساطع، وكلامه حسن المقاطع. فمن ذلك ما كتب به إليّ، وقد خاطبت ما أمكن من نظمه:
فديتك يا سيّدي مثلمافداك الزمان الذي زنته
وقوله في المقطوعات من ذلك في معنى التورية:
كم بكائي لبعدكم وأنينيمن ظهيري على الأسى من معيني
جرّح الخدّ دمع عيني ولكنعجب أن يجرّح ابن معين
وقال في الغنى:
أرى الناس يولون الغنيّ كرامةوإن لم يكن أهلا لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههموإن كان أهلا أن يلاقى بإكبار
بنو الدّهر جاءتهم أحاديث جمّةفما صحّحوا إلّا حديث ابن دينار
ومن بديع ما صدر عنه، قوله ينسج على منوال امرئ القيس في قصيدته الشهيرة:
أقول لحزمي أو لصالح أعماليألا عم صباحا أيها الطّلل البالي
أما واعظي شيب سما فوق لمّتيسموّ حباب الماء حالا على حال
أنار به ليل الشّباب كأنهمصابيح رهبان تشبّ لقفّال
نهاني عن غيّ وقال منبّهاألست ترى السّمّار والناس أحوالي)؟
يقولون غيّره لتنعم برهةوهل يعمن من كان في العصر الخالي)؟
أغالط دهري وهو يعلم أننيكبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
ومؤنس نار الشّيب يقبح لهوهبآنسة كأنّها خطّ تمثال
أشيخا وتأتي فعل من كان عمرهثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
وتشغفك الدّنيا وما إن شغفتهاكما شغف المهنوءة الرجل الطّالي
ألا إنّها الدنيا إذا ما اعتبرتهاديار لسلمى عافيات بذي خال
فأين الذين استأثروا قبلنا بهالناموا فما إن من حديث ولا صال
ذهلت بها غيّا فكيف الخلاص منلعوب تنسّيني إذا قمت سربالي
وقد علمت مني مواعيد توبتيبأنّ الفتى يهذي وليس بفعّال
ومذ وثقت نفسي بحبّ محمدهصرت بغصن ذي شماريخ ميّال
وأصبح شيطان الغواية خاسئاعليه قتام سيّء الظّنّ والبال
ألا ليت شعري هل تقول عزائميلخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فأنزل دارا للنّبيّ نزيلهاقليل هموم ما يبيت بأوجال
فطوبى لنفس جاورت خير مرسلبيثرب أدنى دارها نظر عالي
ومن ذكره عند القبول تعطّرتصبا وشمأل في منازل قفّال
جوار رسول الله مجد مؤثّلوقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
ومن ذا الذي يثني عنان السّرى وقدكفاني، ولم أطلب، قليلا من المال
ألم تر أنّ الظّبية استشفعت بهتميل عليه هونة غير مجفال
وقال لها عودي فقالت له نعمولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي
فعادت إليه والهوى قائل لهاوكان عداء الوحش مني على بالي
رثى لبعير قال أزمع مالكيليقتلني والمرء ليس بفعّال
وثور ذبيح بالرسالة شاهدطويل القرا والرّوق أخنس ذيّال
وحنّ إليه الجذع حنّة عاطشلغيث من الوسميّ رائده خالي
وأصلين من نخل قد التأما لهفما احتبسا من لين مسّ وتسهال
وقبضة ترب منه ذلّت لها الظّباومسنونة زرق كأنياب أغوال
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلاوليس بذي رمح وليس بنبّال
وحسبك من سيف الطّفيل إضاءةكمصباح زيت في قناديل ذبّال
وبذّت به العجفاء كلّ مطهّمله حجبات مشرفات على الفال
ويا خسف أرض تحت باغيه إذ علاعلى هيكل نهد الجزارة جوّال
وقد أخمدت نار لفارس طالماأصابت غضى جزلا وكفّت بأجزال
أبان سبيل الرّشد إذ سبل الهدىيقلن لأهل الحلم ضلّا بتضلال
لأحمد خير العالمين انتقيتهاورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال
وإنّ رجائي أن ألاقيه غداولست بمقليّ الخلال ولا قالي
فأدرك آمالي وما كلّ آملبمدرك أطراف الخطوب ولا والي
ولا خفاء ببراعة هذا النّظم، وإحكام هذا النّسج، وشدّة هذه العارضة. وله تقييد في الفقه على كتاب والده، المسمّى بالقوانين الفقهية، ورجز في الفرائض يتضمّن العمل. وإحسانه كثير. وتقدم قاضيا بحضرة غرناطة، وخطيبا بمسجد السلطان، ثامن شوّال من عام ستين وسبعمائة. ثم انصرف عنها، وأعيد إليها في عام ثلاثة وستين، موصوفا بالنّزاهة والمضاء.
مولده: في الخامس عشر من جمادى الأولى عام خمسة عشر وسبعمائة، وهو الآن بقيد الحياة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع