من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي
من أهل غرناطة وأعيانها، يكنى أبا عبد الله.
أوّليّته: تنظر في اسم أبيه في ترجمة المقرئين والعلماء.
حاله: من أعلام الشّهرة على الفتاوة، وانتشار الذكر على الحداثة، تبريزا في الأدب، واضطلاعا بمعاناة الشعر، وإتقان الخطّ، وإيضاحا للأحاجي والملغزات. نشأ بغرناطة في كنف والده، ﵀، مقصور التّدريب عليه، مشارا إليه في ثقوب الذهن، وسعة الحفظ، ينطوي على نبل لا يظهر أثره على التفاتة، وإدراك، تغطّي شعلته مخيّلة غير صادقة، من تغافله. ثم جاش طبعه، وفهق حوضه، وتفجّرت ينابيعه، وتوقّد إحسانه.
ولمّا فقد والده، ﵀، ارتسم في الكتابة، فبذّ جلّة الشعراء، إكثارا واقتدارا، ووفور مادة، مجيدا في الأمداح، عجيبا في الأوضاع، صدّيقا في النّسيب، مطبوعا في المقطوعات، معتدلا في الكتابة، نشيط البنان، جلدا على العمل، سيّال
المجاز، جموح عنان الدّعابة، غزلا، مؤثرا للفكاهة. انتقل إلى المغرب لشفوف خصله، على ما قد قسّم الحظوظ. سبحانه من رزقه بهذه البلاد، فاستقرّ بباب ملكه، مرعيّ الجناح، أثير الرتبة، مطلق الجراية، مقرّر السّهام، معتبا وطنه، راضيا عن جيرته، ديدن من يستند إلى قديم، ويتحيّز إلى أصالة.
تواليفه: أخبرني عند لقائه إياي بمدينة فاس في غرض الرسالة؛ عام خمسة وخمسين وسبعمائة، أنه شرع في تأليف تاريخ غرناطة، ذاهبا هذا المذهب الذي انتدبت إليه، ووقفت على أجزاء منه تشهد باضطلاعه، وقيّد بخطّه من الأجزاء الحديثة والفوائد والأشعار ما يفوت الوصف، ويفوق الحدّ. وجرى ذكره في «التاج» بما نصه:
«شمس في سماء البلاغة بازغة، وحجّة على بقاء الفطرة الغريزية في هذه البلاد المغربية بالغة، وفريدة وقت أصاب من فيها نادرة أو نابغة، من جذع بن علي القادح، وجرى من المعرفة كل بارح، لو تعلّقت الغوامض بالثريّا لنالها، وقال أنا لها. وربما غلبت الغفلة على ظاهره، وتنطبق أكمامها على أزاهره، حتى إذا قدح في الأدب زنده، تقدّم المواكب بنده، إلى خطّ بارع، يعنو طوال الطويل منه إلى سرّ وبراعة، كما ترضى المسك والكافور عن طرس وحبر.
شعره: فمن غرامياته وما في معناها قوله:
متى يتلاقى شائق ومشوقويصبح عاني الحبّ وهو طليق
أما أنها أمنيّة عزّ نيلهاومرمى لعمري في الرّجاء سحيق
ولكنني خدعت قلبي تعلّةأخاف انصداع القلب فهو رقيق
وقد يرزق الإنسان من بعد يأسهوروض الرّبى بعد الذبول يروق
تباعدت لما زادني القرب لوعةلعلّ فؤادي من جواه يفيق
ورمت شفاء الداء بالداء مثلهوإني بألّا أشتفي لحقيق
وتالله ما للصّبّ في الحبّ راحةعلى كلّ حال إنه لمشوق
ويا ربّ قد ضاقت عليّ مسالكيفها أنا في بحر الغرام غريق
ولا سلوة ترجى ولا صبر ممكنوليس إلى وصل الحبيب طريق
ولا الحبّ عن تعذيب قلبي ينثنيولا القلب للتّعذيب منه يطيق
شجون يضيق الصّدر عن زفراتهاوشوق نطاق الصبر عنه يضيق
نثرت عقود الدّمع ثم نظمتهاقريضا فذا درّ وذاك عقيق
بكيت أسى حتى بكى حاسدي معيكأنّ عذولي عاد وهو صديق
ولو أنّ عند الناس بعض محبّتيلما كان يلفى في الأنام مفيق
أيا عين كفّي الدمع ما بقي الكرىإذا منعوك النّوم سوف تذوق
ويا نائما عن ناظريّ أما ترىلشمسك من بعد الغروب شروق؟
رويدك رفقا بالفؤاد فإنهعليك وإن عاديته لشفيق
نقضت عهودي ظالما بعد عقدهاألا إنّ عهدي كيف كنت وثيق
كتمتك حبّي يعلم الله مدّةوبين ضلوعي من هواك حريق
فما زلت بي حتى فضحت فإن أكنصبرت فبعد اليوم لست أطيق
وقال:
ومورّد الوجنات معسول اللّمىفتّاك لحظ العين في عشّاقه
الخمر بين لثاته والزّهر فيوجناته والسّحر في أحداقه
ميّاد» غصن البان في أثوابهويلوح بدر التّمّ في أطواقه
من للهلال بثغره أو خدّههب أنه يحكيه في إشراقه
ولقد تشبّهت الظّباء بشبهةمن خلقه وعجزن عن أخلاقه
نادمته وسنا محيّا الشمس قدألقى على الآفاق فضل رواقه
في روضة ضحكت ثغور أقاحهاوأسال فيها المزن من آماقه
أسقيه كأس سلافة كالمسك فينفحاته والشهد عند مذاقه
صفراء لم يدر الفتى أكواسهاإلّا تداعى همّه لفراقه
ولقد تلين الصّخر من سطواتهفيعود للمعهود من إشفاقه
وأظلّ أرشف من سلافة ثغرهخمرا تداوي القلب من إحراقه
ولربما عطفته عندي نشوةتشفي الخبال بضمّه وعناقه
أرجو نداه إذا تبسّم ضاحكاوأخاف منه العتب في إطراقه
أشكو القساوة من هواي وقلبهوالضّعف من جلدي ومن ميثاقه
يا هل لعهد قد مضى من عودةأم لا سبيل بحالة للحاقه
يا ليت لو كانت لذلك حيلةأو كان يعطى المرء باستحقاقه
فلقد يروق الغصن بعد ذبولهويتمّ بدر التّمّ بعد محاقه
ومما اشتهر عنه في هذا الغرض:
ذهبت حشاشة قلبي المصدوعبين السّلام ووقفة التوديع
ما أنصف الأحباب يوم وداعهمصبّا يحدّث نفسه برجوع
أنجد بغيثك يا غمام فإننيلم أرض يوم البين فعل دموع
من كان يبكي الظاغنين بأدمعفأنا الذي أبكيهم بنجيع
إيه وبين الصّدر مني والحشاشجن طويت على شجاه ضلوعي
هات الحديث عن الذين تحمّلواواقدح بزند الذّكر نار ولوعي
عندي شجون في التي جنت النّوىأشكو الغداة وهنّ في توديع
من وصلي الموقوف أو من سهدي الموصول أو من نومي المقطوع
ليت الذي بيني وبين صبابتيبعد الذي بيني وبين هجوعي
يا قلب لا تجزع لما فعل النّوىفالحرّ ليس لحادث بجزوع
أفبعد ما غودرت في أشراكهتبغي النّزوع؟ ولات حين نزوع
ومهفهف مهما هبت ريح الصّباأبدت له عطفاه عطف مطيع
جمع المحاسن وهو منفرد بهافاعجب لحسن مفرد مجموع
والشمس لولا إذنه ما آذنتخجلا وإجلالا له بطلوع
ما زلت أسقي خدّه من أدمعيحتى تفتّح عن رياض ربيع
إن كان يرنو عن نواظر شادنفلربّ ضرغام بهنّ صريع
عجبا لذاك الشعر زاد بفرقهحسنا كحسن الشّعر بالتّصريع
منع الكرى ظلما وقد منع الضّنافشقيت بالممنوح والممنوع
جرّدت ثوب العزّ عني طائعاأتراه يعطفه عليّ خضوعي؟
لم أنتفع» لبسا من الملبوس فيحبّي ولا بعذاري المخلوع
بجماله استشفعت في إجمالهليحوز أجر منعّم وشفيع
يا خادعي عن سلوتي وتصبّريلولا الهوى ما كنت بالمخدوع
أوسعتني بعد الوصال تفرّقاوأثبتني سوءا لحسن صنيعي
أسرعت فيما ترتضي فجزيتنيبطويل هجران إليّ سريع
أشرعت رمحا من قوامك ذابلافمنعت من ماء الرّضاب شروعي
خذ من حديث تولّعي وتولّهيخبرا صحيحا ليس بالمصنوع
يرويه خدّي مسندا عن أدمعيعن مقلتي عن قلبي المصدوع
كم من ليال في هواك قطعتهاوأنا لذكراهنّ في تقطيع
لا والذي طبع الكرام على الهوىويعزّ سلوان الهوى المطبوع
ما غيّرتني الحادثات ولم أكنبمذيع سرّ للعهود مضيع
لا خير في الدنيا وساكنها معاإن كان قلبي منك غير جميع
وقال في غير ذلك في غرض يظهر من الأبيات:
وقالوا عداك البخت والحزم عندماغدوت غريب الدّار منزلك الفنت
ألم يعلموا أنّ اغترابي حرامةوأن ارتحالي عن دارهم هو البخت؟
نعم لست أرضى عن زماني أو أرىتهادي السفن المواخر والبخت
لقد سئمت نفسي المقام ببلدةبها العيشة النّكراء والمكسب السّحت
يذلّ بها الحرّ الشريف لعبدهويجفوه بين السّمت من سنة ستّ
إذا اصطافها المرء اشتكى من سمومهاأذى ويرى فيه أدّا يبتّ
ولست كقوم في تعصبّهم عتوايقولون بغداد لغرناطة أخت
رغبت بنفسي أن أساكن معشرامقالهم زور وودّهم مقت
يدسّون في لين الكلام دواهياهي السّمّ بالآل المشود لها لتّ
فلا درّ درّ القوم إلّا عصيبةإليّ بإخلاص المودّة قد متّوا
وآثرت أقواما حمدت جوارهممقالهم صدق وودّهم بحت
لهم عن عيان الفاحشات إذا بدتتعام وعن ما ليس يعينهم صمت
فما ألفوا لهوا ولا عرفوا خنىولا علموا أنّ الكروم لها بنت
به كل مرتاح إلى الضّيف والوغىإذا ما أتاه منهما النبأ البغت
وأشعث ذي طمرين أغناه زهدهفلم يتشوّف للذي ضمّه التّخت
صبور على الإيذاء بغيض على العدامعين على ما يتّقي جأشه الشّتّ
ولي صاحب مثلي يمان جعلتهجليسي نهارا أو ضجيعي إذا بتّ
وأجرد جرّار الأعنّة فارحكميت وخير الخيل قدّاحها الكمت
تسامت به الأعراق في آل أعوجولا عوج في الخلق منه ولا أمت
وحسبي لعضّات النوائب منجداعليها الكميت الهند والصّارم الصّلت
قطعت زماني خبرة وبلوتهفبالغدر والتّخفيف عندي له نعت
ومارست أبناء الزمان مباحثافأصبح حبلي منهم وهو منبتّ
وذي صلف يمشي الهوينا ترفّقاعلى نفسه كيلا يزايلها السّمت
إذا غبت فهو المروة القوم عندهمله الصّدر من ناديهم وله الدّست
وإن ضمّني يوما وإياه مشهدهو المعجم السّكيت والعمّة الشّخت
فحسبي عداتي أن طويت مآربيعلى عزمهم حتى صفا لهم الوقت
وقلت لدنياهم إذا شئت فاغربيوكنت متى أعزم فقلبي هو البتّ
وأغضيت عن زلّاتهم غير عاجزفماذا الذي يبغونه لهم الكبت؟
وقال:
لا تعد ضيفك إن ذهبت لصاحبتعتدّه لكن تخيّر وانتق
أو ما ترى الأشجار مهما ركّبتإن خولفت أصنافها لم تغلق
ومنه في المقطوعات:
وشادن تيّمني حبّهحظّي منه الدّهر هجرانه
مورّد الخدين حلو اللّمىأحمر مضني الطّرف وسنانه
لم تنطو الأغصان في الروض بلضلّت له تسجد أغصانه
يا أيها الظّبي الذي قلبهتضرّم في القلب نيرانه
هل عطفة ترجى لصبّ شبحليس يرجى عنك سلوانه؟
يودّ أن لو زرته في الكرىلو متّعت بالنوم أجفانه
قد رام أن يكتب ما نابهوالحبّ لا يمكن كتمانه
فأفضيت أسراره واستوىإسراره الآن وإعلانه
وقال:
نهار وجه وليل شعربينهما الشّوق يستثار
قد طلبا بالهوى فؤاديفأين لي عنهما الفرار؟
وكيف يبغي النجاة شيءيطلبه الليل والنهار؟
وقال في الدّوبيت:
زارت ليلا وأطلعت فجرهاصبحا فجمعت بين صبح وظلام
لما بصرت بالشمس قالت يا فتىجمع الإنسان بين الأختين حرام
وقال في غرض التّورية:
أبح لي يا روض المحاسن نظرةإلى ورد ذاك الخدّ أروي به الصّدى
وبالله لا تبخل عليّ بعطفةفإني رأيت الرّوض يوصف بالنّدى
وقال:
وعاشق صلّى ومحرابهوجه غزال ظلّ يهواه
قالوا تعبّدت؟ فقلت نعمتعبّدا يفهم معناه
وقال وهو مليح جدّا:
وصديق شكا بما حمّلوهمن قضاء يقضي بطول العناء
قلت فاردد ما حمّلوك عليهمقال من يستطيع ردّ القضاء؟
وقال:
لسانان هاجا من خاصماهلسان الفتى ولسان القضا
إذا لم تحز واحدا منهمافلست أرى لك أن تنطقا
وقال:
تلك الذّؤابة ذبت من شوقي لهاواللّحظ يحميها بأيّ سلاح
يا قلب فانجح » لا إخالك ناجيامن فتنة الجعديّ والسفّاح
وإحسانه كثير. ويدل بعض الشيء على كلّه، ويحجر طلّ الغيث على وبله.
وفاته: اتصل بنا خبر وفاته بفاس مبطونا في أوائل ثمانية وخمسين وسبعمائة.
ثم تحقّقت أن ذلك في آخر شوال من العام قبله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع