تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد ابن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان ابن عبد السلام بن جبير الكناني

الواصل إلى الأندلس.

أوّليّته: دخل جدّه عبد السلام بن جبير في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري في محرم ثلاث وعشرين ومائة. وكان نزوله بكورة شدونة. وهو من ولد ضمرة بن كنانة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. بلنسي الأصل، ثم غرناطي الاستيطان. شرّق، وغرّب، وعاد إلى غرناطة.

حاله: كان أديبا بارعا، شاعرا مجيدا، سنيّا فاضلا، نزيه المهمة، سريّ النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة في الخط. كتب بسبتة عن أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، وبغرناطة عن غيره من ذوي قرابته، وله فيهم أمداح كثيرة.

ثم نزع عن ذلك، وتوجّه إلى المشرق. وجرت بينه وبين طائفة من أدباء عصره، مخاطبات ظهرت فيها براعته وإجادته. ونظمه فائق، ونثره بديع. وكلامه المرسل، سهل حسن، وأغراضه جليلة، ومحاسنه ضخمة، وذكره شهير، ورحلته نسيجة وحدها، طارت كل مطار، ﵀.

رحلته: قال من عني بخبره: رحل ثلاثا من الأندلس إلى المشرق، وحجّ في كل واحدة منها. فصل عن غرناطة أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال، ثمان وسبعين وخمسمائة، صحبة أبي جعفر بن حسان، ثم عاد إلى وطنه

غرناطة لثمان بقين من محرم واحد وثمانين، ولقي بها أعلاما يأتي التعريف بهم في مشيخته، وصنّف الرحلة المشهورة، وذكر مناقله فيها وما شاهده من عجايب البلدان، وغرايب المشاهد، وبدايع الصّنايع، وهو كتاب مؤنس ممتع، مثير سواكن النفوس إلى الرّفادة على تلك المعالم المكرمة والمشاهد العظيمة.

ولما شاع الخبر المبهج بفتح بيت المقدس على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي، قوي عزمه على عمل الرحلة الثانية، فتحرك إليها من غرناطة، يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول من سنة خمس وثمانين وخمسمائة، ثم آب إلى غرناطة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من شعبان سبع وثمانين. وسكن غرناطة، ثم مالقة، ثم سبتة، ثم فاس، منقطعا إلى إسماع الحديث والتصوّف، وتروية ما عنده. وفضله بديع، وورعه يتحقق، وأعماله الصالحة تزكو. ثم رحل الثالثة من سبتة، بعد موت زوجته عاتكة أم المجد بنت الوزير أبي جعفر الوقّشي، وكان كلفا بها، فعظم وجده عليها. فوصل مكة، وجاور بها طويلا، ثم بيت المقدس، ثم تجوّل بمصر والإسكندرية، فأقام يحدّث، ويؤخذ عنه إلى أن لحق بربه.

مشيخته: روى بالأندلس عن أبيه، وأبي الحسن بن محمد بن أبي العيش، وأبي عبد الله بن أحمد بن عروس، وابن الأصيلي. وأخذ العربية عن أبي الحجاج بن يسعون. وبسبتة عن أبي عبد الله بن عيسى التميمي السّبتي. وأجاز له أبو الوليد بن سبكة، وإبراهيم بن إسحاق بن عبد الله الغسّاني التونسي، وأبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي الميّانجي، نزيلا مكة، وأبو جعفر أحمد بن علي القرطبي الفنكي، وأبو الحجاج يوسف بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد البغدادي، وصدر الدين أبو محمد عبد اللطيف الحجري رئيس الشّافعية بأصبهان.

وببغداد العالم الحافظ المتبحر نادرة الفلك أبو الفرج، وكناه أبو الفضل ابن الجوزي.

وحضر بعض مجالسه الوعظية وقال فيه: «فشاهدنا رجلا ليس بعمرو ولا زيد، وفي جوف الفرا كلّ الصّيد»، وبدمشق أبو الحسن أحمد بن حمزة بن علي بن عبد الله بن عباس السّلمي الجواري، وأبو سعيد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون، وأبو الطاهر

بركات الخشوعي، وسمع عليه، وعماد الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد الأصبهاني من أئمة الكتاب، وأخذ عنه بعض كلامه، وغيره، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الأخضر بن علي بن عساكر، وسمع عليه، وأبو الوليد إسماعيل بن علي بن إبراهيم والحسين بن هبة الله بن محفوظ بن نصر الرّبعي، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن أبي سعيد الصّوفي، وأجازوا له، وبحرّان الصّوفي العارف أبو البركات حيّان بن عبد العزيز، وابنه الحاذي حذوه.

من أخذ عنه: قال ابن عبد الملك: أخذ عنه أبو إسحاق بن مهيب، وابن الواعظ، وأبو تمام بن إسماعيل، وأبو الحسن بن نصر بن فاتح بن عبد الله البجّائي، وأبو الحسن بن علي الشّادي، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زكريا، وأبو بكر يحيى بن محمد بن أبي الغصن، وأبو عبد الله بن حسن بن مجبر، وأبو العباس بن عبد المؤمن البنّاني، وأبو محمد بن حسن اللّواتي، وابن تامتيت، وابن محمد الموروري، وأبو عمر بن سالم، وعثمان بن سفيان بن أشقر التّميمي التونسي.

وممّن أخذ عنه بالإسكندرية، رشيد الدين أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله، وبمصر رشيد الدين بن العطّار، وفخر القضاة ابن الجيّاب، وابنه جمال القضاة.

تصانيفه: منها نظمه. قال ابن عبد الملك: «وقفت منه على مجلد متوسط يكون على قدر ديوان أبي تمام حبيب بن أوس. ومنه جزء سماه «نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح» في مراثي زوجه أم المجد. ومنه جزء سماه «نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان». «وله ترسيل بديع، وحكم مستجادة»، وكتاب رحلته. «وكان أبو الحسن الشّادي يقول: إنها ليست من تصانيفه، وإنما قيّد معاني ما

تضمنته، فتولى ترتيبها، وتنضيد معانيها بعض الآخذين عنه، على ما تلقاه منه». والله أعلم.

شعره: من ذلك القصيدة الشهيرة التي نظمها، وقد شارف المدينة المكرّمة طيبة، على ساكنها من الله أفضل الصلوات، وأزكى التسليم:

أقول وآنست بالليل نارالعلّ سراج الهدى قد أنارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وإلّا فما بال أفق الدّجىكأنّ سنا البرق فيه استطارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
ونحن من الليل في حندسفما باله قد تجلّى نهارا؟
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وهذا النّسيم شذا المسك قدأعير أم المسك منه استعارا؟
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وكانت رواحلنا تشتكيوجاها فقد سابقتنا ابتدارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وكنّا شكونا عناء السّرىفعدنا نباري سراع المهارى
أظنّ النفوس قد استشعرتبلوغ هوى تخذته شعارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
بشائر صبح السّرى آذنتبأنّ الحبيب تدانى مزارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
جرى ذكر طيبة ما بيننافلا قلب في الركب إلّا وطارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
حنينا إلى أحمد المصطفىوشوقا يهيج الضلوع استعارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
ولاح لنا أحد مشرقابنور من الشّهداء استنارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
فمن أجل ذلك ظلّ الدّجىيحلّ عقود النجوم انتثارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
ومن طرب الرّكب حثّ الخطاإليها ونادى البدار البدارا
ولمّا حللنا فناء الرسولنزلنا بأكرم مجد جوارا
وحين دنونا لفرض السلامقصرنا الخطا ولزمنا الوقارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
فما نرسل اللّحظ إلّا اختلاساولا نرجع الطّرف إلّا انكسارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
ولا نظهر الوجد إلّا اكتتاماولا نلفظ القول إلّا سرارا
سوى أننا لم نطق أعينابأدمعها غلبتنا انفجارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وقفنا بروضة دار السلامنعيد السلام عليها مرارا
ولولا مهابته في النفوسلثمنا الثّرى والتزمنا الجدارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
قضينا بزورته حجّناوبالعمرتين ختمنا اعتمارا
إليك إليك نبيّ الهدىركبت البحار وجبت القفارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وفارقت أهلي ولا منّةوربّ كلام يجرّ اعتذارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وكيف نمنّ على من بهنؤمّل للسيّئات اغتفارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
دعاني إليك هوى كامنأثار من الشوق ما قد أثارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
فناديت لبّيك داعي الهوىوما كنت عنك أطيق اصطبارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
ووطّنت نفسي بحكم الهوىعليّ وقلت رضيت اختيارا
أخوض الدّجى وأروض السّرىولا أطعم النوم إلّا غرارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
ولو كنت لا أستطيع السبيللطرت ولو لم أصادف مطارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
وأجدر من نال منك الرضىمحبّ ثراك على البعد زارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
عسى لحظة منك لي في غدتمهّد لي في الجنان القرارا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «أقول وآنست بالليل نارا»
فما ضلّ من بمسراك اهتدىولا ذلّ من بذراك استجارا

وفي غبطة من منّ الله عليه لحجّ بيته، وزيارة قبره ﷺ يقول:

هنيئا لمن حجّ بيت الهدىوحطّ عن النّفس أوزارها
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «هنيئاً لمن حج بيت الهدى»
وإنّ السعادة مضمونةلمن حجّ طيبة أوزارها
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «هنيئاً لمن حج بيت الهدى»

وفي مثل ذلك يقول:

إذا بلغ المرء أرض الحجازفقد نال أفضل ما أمّ له
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «إذا بلغ المرء أرض الحجاز»
وإن زار قبر نبيّ الهدىفقد أكمل الله ما أمّله
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «إذا بلغ المرء أرض الحجاز»

وفي تفضيل المشرق:

لا يستوى شرق البلاد وغربهاالشرق حاز الفضل باستحقاق
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «لا يستوي شرق البلاد وغربها»
انظر جمال الشمس عند طلوعهازهراء تعجب بهجة الإشراق
وانظر إليها عند الغروب كئيبةصفراء تعقب ظلمة الآفاق
وكفى بيوم طلوعها من غربهاأن تؤذن الدنيا بعزم فراق

وقال في الوصايا:

عليك بكتمان المصائب واصطبرعليها فما أبقى الزمان شفيقا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «عليك بكتمان المصائب واصطبر»
كفاك من الشكوى إلى الناس أنهاتسرّ عدوّا أو تسيء صديقا
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «عليك بكتمان المصائب واصطبر»

وقال:

لصانع المعروف فلتة عاقلإن لم تضعها في محلّ عاقل
كالنفس في شهواتها إن لم تكنوقفا لها عادت بضرّ عاجل
للشاعر ابن جبير الشاطبي، من قصيدة «لصنائع المعروف فلتة غافل»

نثره: من حكمه قوله: إن شرف الإنسان فشرف وإحسان، وإن فاق فتفضّل وإرفاق، ينبغي أن يحفظ الإنسان لسانه، كما يحفظ الجفن إنسانه. فربّ كلمة تقال، تحدث عثرة لا تقال. كم كست فلتات الألسنة الحداد، من ورائها ملابس

حداد. نحن في زمن لا يحظى فيه بنفاق، إلّا من عامل بنفاق. شغل الناس عن طريق الآخرة بزخارف الأغراض، فلجّوا في الصّدود عنها والإعراض، آثروا دنيا هي أضغاث أحلام، وكم هفت في حبها من أحلام، أطالوا فيها آمالهم، وقصروا أعمالهم، ما بالهم، لم يتفرغ لغيرها بالهم، ما لهم في غير ميدانها استباق، ولا بسوى هواها اشتياق. تالله لو كشفت الأسرار، لما كان هذا الإصرار، ولسهرت العيون، وتفجّرت من شؤونها الجفون. فلو أن عين البصيرة من سنتها هابّة، لرأت جميع ما في الدنيا ريحا هابّة، ولكن استولى العمى على البصائر، ولا يعلم الإنسان ما إليه صائر. أسأل الله هداية سبيله، ورحمة تورد نسيم الفردوس وسلسبيله، إنه الحنّان المنّان لا ربّ سواه.

ومنها: فلتات الهبات، أشبه شيء بفلتات الشّهوات. منها نافع لا يعقب ندما، ومنها ضارّ يبقي في النفس ألما. فضرر الهبة وقوعها عند من لا يعتقد لحقّها أداء، وربما أثمرت عنده اعتداء. وضرر الشهوة أن لا توافق ابتداء، فتصير لمتبّعها داء، مثلها كمثل السّكر يلتذّ صاحبه بحلاوة جناه، فإذا صحا يعرف قدر ما جناه. عكس هذه القضية هي الحالة المرضية.

مولده: ببلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقيل: بشاطبة سنة أربعين وخمسمائة.

وفاته: توفي بالإسكندرية ليلة الأربعاء التاسع والعشرين لشعبان أربع عشرة وستمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.