من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأزدي الإلبيري الغرناطي
من أهل قرية سكون، يكنى أبا القاسم، ويعرف بالأندلسي، وكأنها تفرقة بينه وبين الحكمي أبي نواس.
أوّليّته: قال غير واحد من المؤرخين: هو من ذرية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، وقيل: من ولد أخيه روح بن حاتم.
حاله: كان من فحول الشعراء، وأمثال النظم، وبرهان البلاغة، لا يدرك شأوه، ولا يشقّ غباره، مع المشاركة في العلوم، والنفوذ في فكّ المعمّى. خرج من الأندلس ابن سبع وعشرين سنة، فلقي جوهرا المعروف بالكاتب مولى المعزّ بن المنصور العبيدي، صاحب المغرب، وامتدحه، وكان لئيما، فأعطاه مائتي درهم، فوجد لذلك، وقال: أههنا كريم يقصد؟ فقيل: بلى، جعفر بن يحيى بن علي بن فلاح بن أبي مروان، وأبو علي بن حمدون، فامتدحهما، ثم اختصّ بجعفر بن يحيى وأبي علي، فبالغا في إكرامه، وأفاضا عليه من النعم والإحسان ما لم يمرّ بباله، وسارت أشعاره فيهما، حتى أنشدت للمعزّ العبيدي، فوجهه جعفر بن علي إليه في جملة طرف وتحف بعث بها إليه، كان أبو القاسم أفضلها عنده، فامتدح المعز لدين الله، وبلغ المعزّ من إكرامه الغاية. ثم عاد إلى إفريقية، ثم توجه إلى مصر، فتوفي ببرقة.
وجرى ذكره في «تخليص الذهب» من تأليفنا بما نصّه: «العقاب الكاسرة، والصّمصامة الباترة، والشّوارد التي تهادتها الآفاق، والغايات التي أعجز عنها السّباق».
وصمته: وذكره ابن شرف في مقاماته، قال: وأما ابن هاني محمد، فهو نجدي الكلام، سردي النظام، إلّا أنه إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق،
لا يؤثر في النّفيق. وله غزل معرّي، لا عذري، لا يقنع بالطّيف، ولا يصفع بغير السيف، وقد قدّه به الذات، وعظم شأنه فاحتمل الثواب، وكان يقف دولته في أعلى منزلته، ناهيك من رجل يستعين على صلاح دنياه، بفساد أخراه، لرداءة دينه، وضعف يقينه. ولو عقل ما ضاقت عليه معاني الشّعر، حتى يستعين عليه بالكفر.
شعره: كان أول ما مدح به جعفر بن علي قوله:
أحبب بتيّاك القباب قبابالا بالحداة ولا الرّكاب ركابا
فيها قلوب العاشقين تخالهاعنما بأيدي البيض والعنّابا
وقال يمدح جعفر بن علي من القصيدة الشهيرة:
أليلتنا إذا أرسلت واردا وحفاوبانت لنا الجوزاء في أذنها شنفا
وبات لنا ساق يقوم على الدّجىبشمعة صبح لا تقطّ ولا تطفا
أغنّ غضيض خفّف اللّين قدّهوأثقلت الصّهباء أجفانه الوطفا
ولم يبق إرعاش المدام له يداولم يبق إعنات التّثنّي له عطفا
نزيف قضاه السّكر إلّا ارتجاجةإذا كلّ عنها الخصر حمّلها الرّدفا
يقولون حقف فوقه خيزرانةأما يعرفون الخيزرانة والحقفا؟
جعلنا حشايانا ثياب مدامناوقدّت لنا الظّلماء من جلدها لحفا
فمن كبد تدني إلى كبد هوىومن شفة توحي إلى شفة رشفا
بعيشك نبّه كأسه وجفونهفقد نبّه الإبريق من بعد ما أغفا
وقد فكّت الظلماء بعض قيودناوقد قام جيش الليل للصبح فاصطفّا
وولّت نجوم للثّريّا كأنهاخواتيم تبدو في بنان يد تخفى
ومرّ على آثارها دبرانهاكصاحب ردء كمّنت خيله خلفا
وأقبلت الشّعرى العبور ملمّةبمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا
وقد قبّلتها أختها من ورائهالتخرق من ثنيي مجرّتها سجفا»
تخاف زئير الليث قدّم نثرةوبربر في الظّلماء ينسفها نسفا
كأنّ معلّى قطبها فارس لهلواءان مركوزان قد كره الزّحفا
كأن السّماكين اللذين تظاهراعلى لبّتيه ضامنان له الحتفا
فذا رامح يهوي إليه سنانهوذا أعزل قد عضّ أنمله لهفا
كأنّ قدامى النّسر والنّسر واقعقصصن فلم تسم الخوافي له ضعفا
كأن أخاه حين دوّم طائراأتى دون نصف البدر فاختطف النّصفا
كأن رقيب الليل أجدل مرقبيقلّب تحت الليل في ريشه طرفا
كأنّ بني نعش ونعش مطافلبوجرة قد أضللن في مهمه خشفا
كأنّ سهاها عاشق بين عوّدفآونة يبدو وآونة يخفى
كأنّ سهيلا في مطالع أفقهمفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأنّ الهزيع الآبنوسيّ موهناسرى بالنسيج الخسروانيّ ملتفّا
كأن ظلام الليل إذ مال ميلةصريع مدام بات يشربها صرفا
كأن نجوم الصّبح خاقان معشرمن التّرك نادى بالنّجاشيّ فاستخفى
كأن لواء الشمس غرّة جعفررأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا
وقد جاشت الظلماء بيضا صوارماومركوزة سمرا وفضفاضة زعفا
وجاءت عتاق الخيل تردي كأنهاتخطّ لنا أقلام آذانها صحفا
هنالك تلقى جعفرا خير جعفروقد بدّلت يمناه من لينها عنفا
وكائن تراه في الكريهة جاعلاعزيمته برقا وصولته خطفا
وشعره كثير مدوّن، ومقامه شهير. وفيما أوردناه كفاية. وهو من إلبيرة الأصيلة.
وفاته: قالوا: لمّا توجّه إلى مصر، شرب ببرقة وسكر ونام عريانا، وكان البرد شديدا فأفلج، وتوفي في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وهو ابن
اثنتين وأربعين سنة. ولما بلغت المعزّ وفاته، تأسّف عليه وقال: هذا رجل كنا نطمع أن نفاخر به أهل المشرق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع