من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري الساحلي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف ببلده مالقة بالمعمّم.
حاله: كان طبقة من طبقات الكفاة، ظرفا ورواء وعارضة وترتيبا، تجلّل بفضل شهرة أبيه، وجعل بعض المترفين من وزراء الدّول بالمغرب أيام وجّهته إليه صحبة الشيخ الصالح أبيه في غرض السفارة، مالا عريضا لينفقه في سبيل البرّ، فبنى المدرسة غربي المسجد الأعظم، ووقف عليها الرّباع، وابتنى غيرها من المساجد، فحصلت الشهرة، ونبه الذّكر وتطوّر، ورام العروج في مدارج السّلوك، وانقطع إلى الخلوة، فنصلت الصّبغة، وغلبت الطّبيعة، وتأثّل له مال جمّ اختلف في سبب اقتنائه، وأظهر التجر المرهف الجوانب بالجاه العريض، والحرص الشّديد، والمسامحة في باب الورع، فتبنّك به نعيما من ملبس ومطعم وطيب وترفّه، طارد به اللّذة ما شاء في باب النّكاح استمتاعا وذواقا يتبع رائد الطّرف، ويقلّد شاهد السّمع، حتى نعي عليه، وولّي الخطابة بالمسجد الأعظم بعد أبيه، فأقام الرسم، وأوسع المنبر ما شاء من جهوريّة وعارضة، وتسوّر على أعراض، وألفاظ في أسلوب ناب عن الخشوع، عريق في نسب القحة. ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية، وكرّ إلى بلده، مليح الشّيبة، بادي الوقار، نبيه الرّتبة، فتولّى الخطابة إلى حين وفاته.
مشيخته: حسبما قيّدته من خطّ ولده أبي الحسن، وارثه في كثير من خلاله، وأغلبها الكفاية. فمنهم والده، ﵀، قرأ عليه وتأدّب به، ودوّن في طريقه، حسبما يتقرر ذلك، ومنهم الأستاذ أبو محمد بن أبي السداد الباهلي، ومنهم الشيخ الرّاوية أبو عبد الله بن عيّاش، والخطيب الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، والأستاذ ابن الفخار الأركشي، والقاضي أبو عمرو بن منظور، والأستاذ ابن الزبير وغيرهم، كابن رشيد، وابن خميس، وابن برطال، وابن مسعدة، وابن ربيع، وبالمشرق جماعة اختصرتهم لطولهم.
تواليفه: وتسوّر على التأليف، بفرط كفايته، فمما ينسب إليه كتاب: «التجر الرّبيح، في شرح الجامع الصحيح». قال: منه ما جرّده من المبيّضة، ومنه ما لم يسمح الدهر بإتمامه، وكتاب «بهجة الأنوار»، وكتاب «الأسرار»، وكتاب «إرشاد السّائل، لنهج الوسائل»، وكتاب «بغية السّالك، في أشرف المسالك» في التّصوف، وكتاب «أشعة الأنوار، في الكشف عن ثمرات الأذكار». وكتاب «النّفحة القدسيّة»، وكتاب «غنية الخطيب، بالاختصار والتّقريب» في خطب الجمع والأعياد، وكتاب «غرائب النّجب، في رغايب الشّعب»، شعب الإيمان، وكتاب «في مناسك الحج»، وكتاب «نظم سلك الجواهر، في جيّد معارف الصّدور والأكابر»، فهرسة تحتوي على فوائد من العلم وما يتعلق بالرواية، وتسمية الشيوخ وتحرير الأسانيد.
دخوله غرناطة: دخلها مرات تشذّ عن الإحصاء. ولد عام ثمانية وسبعين وستمائة، وتوفي بمالقة في صبيحة ليلة النصف من شعبان عام أربعة وخمسين وسبعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع