تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل

يكنى أبا يحيى.

حاله: شيخ حسن الشّيبة، شامل البياض، بعيد مدى الذّقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد الهوى إلى الصّوفية، والكلف بإطراء الخيريّة، سيما عند فقدان شكر الولاية، وجماح الحظوة، من بيت صون وحشمة، مبين عن نفسه في الأغراض، متقدّم في معرفة الأمور العملية، خائض مع الخائضين في غمار طريق التصوّف، وانتحال كيمياء السّعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التّوحيد، تكذّبها أحواله الرّاهنة جملة، ولا تسلم له منها نبذة، لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشّره، وغلب سلطان الشّهوة، فلم يجن من جعجاعه المبرم فيها إلّا استغراق الوقت في القواطع عن الحق، والأسف على ما رزته الأيام من متاع الزّور، وقنية الغرور، والمشاحة أيام الولاية، والشّباب الشاهد بالشّره، والحلف المتصل بياض اليوم، في ثمن الخردلة باليمين التي تجرّ فساد الأنكحة، والغضب الذي يقلب

العين، والبذا الذي يصاحب الشّين، مغلوب عليه في ذلك، ناله بسببه ضيق واعتقال، وتقويت جدة، وإطباق روع، وقيد للعذاب، فألقيت عليه ردائي، ونفّس الله عنه بسببي، محوا للسّيئة بالحسنة، وتوسّلا إلى الله بترك الحظوظ، والمنّة لله ﷻ على ذلك.

شعره: خاطبني بين يدي نكبته أو خلفها بما نصّه، ولم أكن أظنّ الشّعر مما تلوكه جحفلته، ولكن الرجل من أهل الكفاية:

رجوتك بعد الله يا خير منجدوأكرم مأمول وأعظم مرفد
وأفضل من أملت للحادث الذيفقدت به صبري وما ملكت يدي
وحاشا وكلّا أن يخيب مؤمّليوقد علقت بابن الخطيب محمد
وما أنا إلّا عبد أنعمه التيعهدت بها يمني وإنجاح مقصدي
وأشرف من حضّ الملوك على التّقىوأبدى لهم نصحا وصيّة مرشد
وساس الرّعايا الآن خير سياسةمباركة في كل غيب ومشهد
وأعرض عن دنياه زهدا وإنهالمظهرة طوعا له عن تودّد
وما هو إلّا اللّيث والغيث إن أتىله خائف أو جاء مغناه مجتدي
وبحر علوم درّه كلماتهإذا ردّدت في الحفل أيّ تردّد
صقيل مرائي الفكر ربّ لطائفمحاسنها تجلى بحسن تعبّد
بديع عروج النفس للملإ الذيتجلّت به الأسرار في كلّ مصعد
شفيق رقيق دائم الحلم راحموأيّ جميل للجميل معوّد
صفوح عن الجاني على حين قدرةيواصل تقوى الله في اليوم والغد
أيا سيدي يا عمدتي عند شدّتيويا مشربي متى ظمئت وموردي
حنانيك وألطف بي وكن لي راحماورفقا على شيخ ضعيف منكّد
رجاك رجاء للذي أنت أهلهووافاك يهدي للثّناء المجدّد
وأمّك مضطرّا لرحماك شاكيابحال كحرّ الجمر حين توقّد
وعندي افتقار لا يزال مواصلالأكرم مولى حاز أجرا وسيّد
ترفّق بأولاد صغار بكاؤهميزيد لوقع الحادث المتزيّد
وليس لهم إلّا إليك تطلّعإذا مسّهم ضرّ أليم التّعهّد
أنلهم أيا مولاي نظرة مشفقوجد بالرّضا وانظر لشمل مبدّد
وقابل أخا الكره الشّديد برحمةوأسعف بغفران الذّنوب وأبعد
ولا تنظرن إلّا لفضلك، لا إلىجريمة شيخ عن محلّك مبعد
وإن كنت قد أذنبت إني تائبفعاود لي الفعل الجميل وجدّد
بقيت بخير لا يزال وعزّةوعيش هنيء كيف شئت وأسعد
وسخّرك الرحمن للعبد، إنّهلمثن وداع للمحل المجدّد

وقد ولّي خططا نبيهة، منها خطة الاشتغال على عهد الغادر المكايد للدّولة، إذ كان من أولياء شيطانه وممدّيه في غيّه، وسماسير شعوذته، فلم يزل من مسيطري ديوان الأعمال، على تهوّر واقتحام كبرة، وخطّ لا غاية وراءه في الرّكاكة، كما قال المعرّي:

تمشّت فوقه حمر المناياولكن بعد ما مسخت نمالا

استحضرته يوما بين يدي السلطان، وهو غفل لفكّ ما أشكل من معمّياته في الأعمال عند المطالعة، فوصل بحال سيئة، ولما أعتب بسببه ونعيت عليه هجنته، أحسن الصّدر عن ذلك الورد، ونذر في نفسه وقال: حيّا الله رداءة الخطّ إذا كانت ذريعة إلى دخول هذا المجلس الكريم، فاستحسن ذلك، لطف الله بنا أجمعين.

وفاته: توفي عام سبعة وستين وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.