تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن أحمد بن قاسم الأمي

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالقطّان، الفقيه الأوّاب المتكلم المجتهد.

حاله: من «العائد»: كان هذا الرجل غريب المنزع، عجيب التّصوّف. قرأ وعقد الشروط، وتصدّر للعدالة، ثم تجرّد، وصدق في معاملته لله، وعوّل عليه،

واضطلع بشروط التّوبة، فتحلّل من أهل بلده، واستفاد واسترحم، واستغفر، ونفض يديه من الدّنيا، والتزم عبادة كبيرة، فأصبح يشار إليه في الزّهد والورع، لا تراه إلّا متبسّما، ملازما لذكر الله، متواضعا لأصاغر عباده، محبّا في الضّعفاء والمساكين، جميل التّخلّق، مغضيا عن الهنات، صابرا على الإفادة. وجلس للجمهور بمجلس مالقة، يتكلم في فنون من العلم، يعظ الناس، ويرشدهم، ويزهّدهم، ويحملهم على الإيثار، في أسلوب من الاستنفار والاسترسال والدلالة والفصاحة والحفظ، كثير التأثير في القلوب، يخبر بإلهام وإعانة، فمال الخلق إليه، وتزاحموا على مجلسه، وأعلنوا بالتّوبة، وبادر مترفوهم إلى الإقلاع عن إجابة الشهوات، والاستقالة من الزّلّات، ودهم الوباء، فبذلوا من الأموال في أبواب البرّ والصّدقة، ما لا يأخذه الحصر ولا يدركه الإحصاء، ولولا أن الأجل طرقه، لعظم صيته، وانتشر نفعه.

وفاته: توفي شهيد الطّاعون عصر يوم الأربعاء الرابع لصفر من عام خمسين وسبعمائة، ودفن بجبانة جبل فاره، ضحى يوم الخميس الثاني من يوم وفاته، وصلّى عليه خارج باب قنتنالة، وألحده في قبره الخطيب القاضي الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، رحم الله جميعهم.

وممّن رثاه الشيخ الأديب أبو الحسن الورّاد فقال:

أبعد وليّ الله دمعي يسجموغمار قلبي من كلوم تترجم؟
فؤادي مكلوم بحزني لفقدهلذاك جفوني دمعها كلّه دم
وماذا عسى يغني التفجّع والبكاوماذا عسى يجدي الأسى والتّبرّم؟
سأصبر للبلوى وإن جلّ خطبهافصبر الفتى عند الشّدائد يعلم
كذا العلم بالسيف الصّقيل لدى الوغىفويق الذي من حسنه لا يوسّم
على قدر صبر المرء تصغر عندهخطوب من الدنيا على الناس تعظم
ألا إنها الدّنيا تعلّة باطلومحمض أحلام لمن بات يحلم
تجنّبها أهل العقول فأقصرواوأغرق فيها الجاهلون وأشأموا
أعد نظرا فيها تجبك براحةوإنس بما تقضي عليك وتحكم
أعدّ لها درياق صبرك إنهامن البؤس والتّلوين والله أرقم
تلفّت إلى تعذيبها لمحبّهاوماذا بها يلقى كئيب ومغرم
يظنّ بها ريحانة وهي سدرةولا منتهى إلّا الرّدى والتّندم
عجبت لها تخفى علينا عيوبهاوذاك لأنّا في الحقيقة نوّم
أليس عجيبا أن يعوّل عاقلعلى عاجل من وصلها يتصرّم؟
وما وصلها معشار عشر صدورهاولكنه صرف وللدّهر أدوم
إذا ابتسمت يوما ترقّب عبوسهافما إن لنا منها يدوم التّبسّم
ضحى كان وجه الدّهر سبر بشرّهفلم يمس حتى بان منه التّجهّم
ذرينا بعقد من وليّ مكانهمكين لدى العلياء سام معظّم
هوى مثل ما هوى من الأفق كوكبفجلّلنا ليل من الخطب مظلم
تساوى لديه صيدها وعبيدهاوعالمها النّحرير والمتعلّم
هو الموت لا ينفكّ للخلق طالبايروح ويغدو كلّ حين عليهم
وما هو إلّا الدّاء عزّ دواؤهفليس لشيء في البسيطة يحسم
دها كل مخلوق فما منه سيّدله الجاه عند الله ينجو ويسلم
ولو كان ذا كان النّبيّ محمدتجنّبه، صلّوا عليه وسلّموا
تعنّى به موسى ويوسف قبلهونوح وإدريس وشيث وآدم
به باد بهرام وتبّر بهرموكسّر من كسرى سوار ومعصم
وكم من عظيم الشّأن حلّ بربعهفإن تختبره فهو ربّ وأعظم
ولكنّنا ننسى ونأبى حديثهوننجد في الإعراض عنه ونتهم
فحتّى إذا حلّ ساحة ماجدنطلّ بها من حسرة نتكلّم
نسينا حديث الموت جهلا بغدرهفألهمنا إذ هزّنا منه ملهم
وفاة ورميّ في التّراب موسّدوآثاره فوق السّماك تخيّم
خبا ضوء ناديّ فأقفر ربعهمن العلم والتّعليم ربع ومعلم
تردّى فأردى فقده أهل ريّةفما منهم إلّا كئيب ومغرم
غدا أهلها من فجعة بمصابهوعيشهم صاب قطيع وعلقم
وهل كان إلّا والد مات عنهم؟فيا من لقوم يتّموا حين أيّموا
قضى نحبه الأستاذ واحد عصرهفكاد الأسى يقضي إلى الكلّ منهم
قضى نحبه القطّان فالحزن قاطنمقيم بأحناء الضّلوع محكّم
وهل كان إلّا روضة رفّ ظلّهاأتيح له قيظ من الجون صيلم؟
وهل كان إلّا رحمة عاد فقدهاعلامة فقد العلم والله أعلم؟
سل التّائبين العاكفين على الهدىلكم منّة أسدى وأهدى إليهم
أفادهم من كلّ علم لبابهوفهّمهم أسراره فتفهّموا
جزى الله ربّ الناس خير جزائهدليلا بهم نحو الهدى حيث يمّموا
أبان لهم طرق الرّشاد فأقدمواوحذّرهم عن كل غيّ فأحجموا
وجاء من التّعليم للخير كلهبأبين من يأتي به من يعلّم
فصاحة ألفاظ وحسن عبارةمضيّ كما يمضي الحسام المصمّم
يصيب فلا يخطي إذا مقصداومن يجيب فلا يبطي ولا يتلعثم
يحدّث في الآفاق شرقا ومغربافأخباره أضحت تخطّ وترسم
سرى في الورى ذكر له ومدائحيكاد بها طير العلى يترنّم
لعمرك ما يأتي الزمان بمثلهوما ضرّني لو كنت بالله أقسم
فقيه نزيه زاهد متواضعرؤوف عطوف مشفق مترحّم
يودّ لو أنّ الناس أثرى جميعهمفلم يبق مسكين ولم يبق معدم
يودّ لو أنّ الله تاب على الورىفتابوا فما يبقى من الكلّ مجرم
عليه من الرّحمن أوسع رحمةفقد كان فينا الدّهر يحنو ويرحم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.