من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
عبد الحق بن محمد بن عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة ابن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي
صاحبنا الكاتب للدولة الغادرة.
حاله: كان هذا الرجل في حال الدّعة التي استصحبها، وقبل أن تبعته أيدي الفضول، بعفاف وطهارة، إلى خصل خطّ، نشط البنان، جلد على العمل. ونظمه وسط، ونثره جمهوري عامي، مبين عن الأغراض. وولّي ببلده الخطابة والقضاء ... في الحداثة. ثم انتقل إلى غرناطة، فجأجأت به الكتابة السلطانية
باختياري، مستظهرة منه ببطل كفاية، وباذل حمل كلفة، فانتقل رئيسا في غرض إعانتي وانتشالي من الكلفة، على الضّعف وإلمام المرض، والتّرفّع عن الابتذال، والأنفة من الاستخدام، فرفع الكلّ، ولطف من الدولة محلّه. ثم لمّا حال الأمر، وحتم التّمحيص، وتسوّرت القلعة، وانتثر النّظم، واستأثر به الاصطناع، كشفت الخبرة منه عن سوءة لا توارى، وعورة لا يرتاب في أشنوعتها ولا يتمارى، فسبحان من علّم النفس فجورها وتقواها، إذ لصق بالدّائل الفاسق، فكان آلة انتقامه، وجارحة صيده، وأحبولة كيده، فسفك الدّماء، وهتك الأستار، ومزّق الأسباب، وبدّل الأرض غير الأرض، وهو يزقّه في أذنه، فيؤمّ النّصيحة، وينحله لقب الهداية، ويبلغ في شدّ أزره إلى الغاية: «عنوان عقل الفتى اختياره، يجري في جميل دعوته»، طوالا، أخرق، يسيء السمع، وينسى الإجابة، بدويّا، قحّا، جهوريّا، ذاهلا عن عواقب الدنيا والآخرة، طرفا في سوء العهد، وقلّة الوفاء، مردودا في الحافزة، منسلخا من آية السّعادة، تشهد عليه بالجهل يده، ويقيم عليه الحجج شرهه، وتبوّئه هفوات الندم جهالته. ثم أسلم المحروم مصطنعه، أحوج ما كان إليه، وتبرّأ منه، ولحقته بعده مطالبة ماليّة، لقي لأجلها ضغطا. وهو الآن بحال خزي، واحتقاب تبعات، خلّصنا الله من ورطات الدّنيا والآخرة.
أوليته وشيوخه: وبسط كثير من مجمل حاله حسبما نقلت من خطه.
قال يخاطبني بما نصّه:
يا سيّدا، فاق في مجد وفي شرفوفات سبقا بفضل الذات والسّلف
وفاضلا عن سبيل الذّمّ منحرفاوعن سبيل المعالي غير منحرف
وتحفة الزمن الآتي به فلقدأربى بما حازه منها على التّحف
ومعدنا لنفيس الدّرّ فهو لماحواه منه لدى التّشبيه كالصّدف
وبحر علم جميع الناس مغترفمنه، ونيل المعالي حظّ مغترف
وسابقا بذّ أهل العصر قاطبةفالكلّ في ذاك منهم غير مختلف
من ذا يخالف في نار على علمأو يجحد الشمس نورا وهو غير خفي؟
ما أنت إلّا وحيد العصر في شيموفي ذكاء وفي علم وفي ظرف
لله من منتم للمجد منتسببالفضل متّسم، بالعلم متّصف
لله من حسب عد ومن كرمقد شاده السّلف الأخيار للخلف
إيه أيا من به تبأى الوزارة إذكنت الأحقّ بها في الذّات والشرف
يا صاحب القلم الأعلى الذي جمعتفيه المعالي ببعض البعض لم أصف
يا من يقصّر وصفي في علاه ولوأنسى مديح حبيب في أبي دلف
شرّفتني عندما استدعيت من قبلينظما تدوّنه في أبدع الصّحف
وربما راق ثغر في مباسمهحتى إذا ناله إلمام مرتشف
أجلّ قدرك أن ترضى لمنتجعبسوء كيلته حظّا مع الحشف
هذا، ولو أنني فيما أتيت بهنافحت في الطّيب زهر الرّوضة الأنف
لكنت أفضي إلى التّقصير من خجلأخليت بالبعض ممّا تستحقّ أفي
فحسبي العجز عمّا قد أشرت بهوالعجز حتما قصارى كلّ معترف
لكن أجبت إلى المطلوب ممتثلاوإن غدوت بمرمى القوم كالهدف
فانظر إليها بعين الصّفح عن زللواجعل تصفّحها من جملة الكلف
بقيت للدهر تطويه وتنشرهتسمو من العزّ باسم غير منصرف
جئتك، أعزّك الله، ببضاعة مزجاة، وأعلقت رجائي من قبولك بأمنية مرتجاة، وما مثلك يعامل بسقط المتاع، ولا يرضى له بالحشف مع بخس المدّ والصّاع. لكن فضلك يغضي عن التّقصير ويسمح، ويتجاوز عن الخطإ ويصفح، وأنت في كل حال إلى الأدنى من الله أجنح. ولولا أنّ إشارتك واجبة الامتثال، والمسارعة إليها مقدّمة على سائر الأعمال، لما أتيت بها تمشي على استحياء، ولا عرّضت نفسي أن أقف
موقف حشمة وحياء، فما مثلي فيما أعرضه عليك، أو أقدّمه من هذا الهذر بين يديك، إلّا مثل من أهدى الخرز لجالب الدّرّ، أو عارض للوشل موج البحر، أو كاثر بالحصى عدد الأنجم الزّهر، على أني لو نظمت الشّعرى شعرا، وجئتك بالسّحر الحلال نظما ونثرا، ونافحتك بمثل تلك الرّوضة الأدبية التي تعبق أزاهرها نثرا، لما وصفتك ببعض البعض من نفائس حلاك، ولا وفّيت ما يجب من نشر مآثر علاك.
فما عسى أن أقول في تلك المآثر العلمية، والذّات الموسومة باسم التعريف والعلميّة، أو أعبّر عنه في وصف تلك المحاسن الأدبية، والمفاخر الحسبيّة. إن وصفت ما لك من شرف الذات، ملت إلى الاختصار وقلت: آية من الآيات، وإن ذهبت إلى ذكر مفاخرك الباهرة الآيات، بلغت في مدى الفخر والحسب إلى أبعد الغايات، وإن حلّيتك ببعض الحلى والصّفات، سلبت محاسن الرّوض الأريج النّفحات. فكم لك من التّصانيف الرائقة، والبدائع الفائقة، والآداب البارعة، والمحاسن الجامعة. فما شئت من حدائق ذات بهجة كأنما جادتها سحب نيسان، وجنّات ثمراتها صنوان وغير صنوان، تزري ببدائع بديع الزّمان، وتخجل الروض كما يخجل الورد ابتسام الأقحوان. نظم كما انتثر الدّرّ، ونثر تتمنّى الجوزاء أن تتقلّده والأنجم الزّهر، ومعان أرقّ منّ نسيم الأسحار، تهبّ على صفحات الأزهار. فأهلا بك يا روضة الآداب، وربّ البلاغة التي شمس آياتها لا تتوارى بالحجاب، فما أنت إلّا حسنة الزّمان، ومالك أزمّة البيان، وسبّاق غايات الحسن والإحسان. وقد وجدت مكان القول ذا سعة في أوصافك، وما في تحلّيك بالفضائل واتّصافك. لكنّي رأيت أني لو مددت في ذلك باع الإطناب، وأتيت فيه بالعجب العجاب، فليس لي إلّا تقصير عن المطاولة وإمساك، والعجز عن درك الإدراك إدراك. إيه أيها السّيّد الأعلى، والفاضل الذي له في قداح الفخر القدح المعلّى، فإنك أمرت أن أعرض عليك لتعريف بنفسي ومولدي، وذكر أشياخي الذين بأنوارهم أقتدي، فعلمت أن هذا إنما هو تهمّم منك بشاني، وجري على معتاد الفضل الذي يقصر عنه لساني، وفضل جميل لا أزال أجري في الثناء عليه ملء عناني. وإلّا فمن أنا في الناس حتى أنسب، أو من يذهب إلّا أنت هذا المذهب؟
أما التّعريف بنفسي، فأبدأ فيه باسم أبي: هو أبو القاسم محمد بن عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي. وجدّي عطية هو الدّاخل إلى الأندلس عام الفتح، نزل بإلبيرة، وبها تفرّع من تفرّع من عقبه، إلى أن انتقلوا إلى غرناطة، فتأثّل بها حالهم، واستمرّ بها
استيطانهم، إلى حدود المائة السابعة، فتسبّب في الانتقال من بقي منهم، وهو جدّي الأقرب الأنساب، وقضى ارتحاله إلى مدينة وادي آش، ولكل أجل كتاب، وذلك أنه استقضي بنظر ما في دولة أمير المسلمين الغالب بالله، أول ملوك هذه الدولة النصرية، نصر الله خلفها، ورحم سلفها، فاتخذ فيها صهرا ونسبا، وكان ذلك لاستيطانه بها سببا، واستمرّ مقامه بها إلى أن ارتحل إلى المشرق لأداء الفريضة فكان إلى أشرف الحالات مرتحله، وقضى في إيابه من الحج أمله. واستمرّت به الاستيطان، وتعذّرت بعوده إلى غرناطة بعدما نبت فيها الأوطان. على أنه لم يعدم من الله السّتر الجميل، ولا حظّ من عنايته بإيصال النّعمة كفيل، فإنه سبحانه حفظ من سلف فيمن خلف، وجعلهم في حال الاغتراب فيمن اشتهر بنباهة الحال واتّصف، وقيّض لمصاهرتهم من خيار المجد والشرف، وبذلك حفظ الله بيتهم، وشمل باتصال النّعمة حيّهم وميتهم. فالحمد لله، بجميع محامده، على جميل عوائده. وتخلّف بوادي آش أبي وأعمامي، تغمّدهم الله وإياي برحمته، وجمع شملنا في جنّته.
وأمّا التعريف بهم، فأنت أبقاك الله، بمن سلف قديما منهم أعلم، وسبيلك في معرفتهم أجدى وأقوم، بما وهبكم الله من عوارف المعارف، وجعل لكم من الإحاطة بالتالد منها والطّارف. وأمّا من لم يقع به تعريف، ممن بعدهم، فمن اقتفى رسمهم في الطريقة العلمية، ولم يتجاوز جدّهم، وهو جدّي أبو بكر عبد الله بن طلحة ورابع أجدادي. كان، ﵀، ممن جرى على سنن آبائه، وقام بالعلم أحسن قيام ونهض بأعبائه. ألّف كتابا في «الرقائق»، ففات في شأوه سبق السابق، وتصدّر ببلده للفتيا، وانتفع به الناس، وكان شيخهم المقدّم. ولم أقف على تاريخ مولده ولا وفاته، غير أنه توفي في حدود المائة الخامسة، ﵀. وأمّا من بيني وبينه من الآباء، كجدّي الأقرب وأبيه ومن خلفه من بنيه، فما منهم من بلغ رتبة السّابق، ولا قصر أيضا عن درجة اللّاحق، وإنما أخذ في الطلب بنصيب، ورمى فيه بسهم مصيب.
وأما مولدي، فبوادي آش، في أواخر عام تسعة وسبعمائة. وفي عام ثلاثة وعشرين، ابتدأت القراءة على الأستاذ أبي عبد الله الطّرسوني وغيره ممن يأتي ذكره.
ثم كتبت بعد ستة أعوام على من وليها من القضاة، أولي العدالة والسّير المرتضاة،
ولم يطل العهد حتى تقدّمت في جامعها الأعظم خطيبا وإماما، وارتسمت في هذه الخطّة التي ما زالت على من أحسن تماما، وذلك في أواخر عام ثمانية وثلاثين. ثم ولّيت القضاء بها، وبما يرجع إليها من النّظر، في شهر ربيع الأول من عام ثلاثة وأربعين، واستمرّت الولاية إلى حين انتقالي للحضرة، آخر رجب من عام ستة وخمسين، أسأل الله الإقالة والصّفح عما اقترفت من خطإ أو زلل، أو ارتكبته من عمد وسهو، في قول أو عمل، بمنّه.
وأمّا أشياخي، فإني قرأت بالحضرة على الأستاذ الخطيب أبي الحسن القيجاطي، والأستاذ الخطيب أبي القاسم بن جزي. وبمالقة على الأستاذ القاضي أبي عمرو بن منظور. وبألمريّة على الأستاذ القاضي أبي الحسن بن أبي العيش، وسيّدي القاضي أبي البركات ابن الحاج، والأستاذ أبي عثمان بن ليون، وبوادي آش على الأستاذ القاضي أبي عبد الله بن غالب، والأستاذ أبي عامر بن عبد العظيم. على كل هؤلاء قرأت قراءة تفقّه، وعرضت على أكثرهم جملة كتب في النحو والفقه والأدب، أكبرها كتاب المقامات للحريري، وأمّا من لقيته من المشايخ واستفدت، منهم أبو الحسن بن الجيّاب بالحضرة، وبمالقة القاضي أبو عبد الله بن بكر، والقاضي أبو عبد الله بن عيّاش، والأستاذ أبو عبد الله بن حفيد الأمين. ومن لقيته لقاء بترك، سيدي أبو جعفر بن الزيات ببلّش. وبمالقة الخطيب أبو عبد الله السّاحلي، والصّوفي أبو الطاهر بن صفوان، والمقرئ أبو القاسم بن درهم. وبألمرية الخطيب أبو القاسم بن شعيب، والخطيب ابن فرحون. ولقيت أيضا القاضي أبا جعفر بن فركون القرشي، والقاضي الخطيب أبا محمد بن الصايغ. وممن رأيته بوادي آش، وأنا إذ ذاك في المكتب، وأخذت بحظّ من التبرّك به، سيدي أبو عبد الله الطّنجالي نفع الله به. والحمد لله ربّ العالمين.
شعره: من مطولاته قوله: ومن خطّه نقلت:
ألا أيّها اللّيل البطيء الكواكبمتى ينجلي صبح بنيل المآرب؟
وحتى متى أرعى النجوم مراقبافمن طالع منها على إثر غارب
أحدّث نفسي أن أرى الرّكب سائراوذنبي يقصيني بأقصى المغارب
فلا فزت من نيل الأماني بطائلولا قمت في حقّ الحبيب بواجب
وكم حدّثتني النفس أن أبلغ المنىوكم علّلتني بالأماني الكواذب
وما قصّرت بي عن زيارة قبرهمعاهد أنس من وصال الكواعب
ولا حبّ أوطان نبت بي ربوعهاولا ذكر خلّ حلّ فيها وصاحب
ولكن ذنوب أثقلتني فها أنامن الوجد قد ضاقت عليّ مذاهبي
إليك، رسول الله، شوقي مجدّدا»فيا ليتني يمّمت صدر الركائب
وأعملت في تلك الأباطح والرّبىسراي مجدّا بين تلك السباسب
وقضيت من لثم البقيع لبانتيوجبت الفلا ما بين ماش وراكب
وروّيت من ماء زمزم غلّتيفلله ما أشهاه يوما لشارب!
حبيبي شفيعي منتهى غايتي التيأرجّي ومن يرجوه ليس بخائب
محمد المختار والحاشر الذيبأحمد حاز الحمد من كل جانب
رؤوف رحيم خصّه الله باسمهوأعظم لاج في الثّناء وعاقب
رسول كريم رفّع الله قدرهوأعلى له قدرا رفيع الجوانب
وشرّفه أصلا وفرعا ومحتدايزاحم آفاق السّهى بالمناكب
سراج الهدى ذو الجاه والمجد والعلاوخير الورى الهادي الكريم المناسب
هو المصطفى المختار من آل هاشموذو الحسب العدل الرفيع المناصب
هو الأمد الأقصى هو الملجأ الذيينال به مرغوبه كلّ راغب
إمام النّبيّين الكرام، وإنهلكالبدر فيهم بين تلك المواكب
بشير نذير مفضل متطوّلسراج منير بذّ نور الكواكب
شريف منيف باهر الفضل كاملنفيس المعالي والحلى والمناقب
عظيم المزايا ما له من تماثلكريم السّجايا ما له من مناسب
ملاذ منيع ملجأ عاصم لمنيلوذ به من بين آت وذاهب
حليم جميل الخلق والخلق ما لهنظير، ووصف الله حجّة غالب
وناهيك من فرع نمته أصولهإلى خير مجد من لؤيّ بن غالب
أولي الحسب العدّ الرفيع جنابهبدور الدّياجي أو بدور الركائب
له معجزات ما لها من معارضوآيات صدق ما لها من مغالب
تحدّى بهنّ الخلق شرقا ومغرباوما ذاك عمّن حاد عنها بغائب
فدونكها كالأنجم الزّهر عدّةونور سنا لا يختفي للمراقب
فإحصارها مهما تتبّعت معوزوهل بعد نور الشمس نور لطالب؟
لقد شرّف الله الوجود بمرسلله في مقام الرّسل أعلى المراتب
وشرّف شهرا فيه مولده الذيجلا نوره الأسنى دياجي الغياهب
فشهر ربيع في الشهور مقدّمفلا غرو أنّ الفخر ضربة لازب
فلله منه ليلة قد تلألأتبنور شهاب نيّر الأفق ثاقب
ليهن أمير المسلمين بها المنىوأن نال من مولاه أسنى الرّغائب
على حين أحياها بذكر حبيبهوذكر الكرام الطاهرين الأطايب
وألّف شملا للمحبّين فيهمفسار على نهج من الرشد لاحب
فسوف يجازى عن كريم صنيعهبتخليد سلطان وحسن عواقب
وسوف يريه الله في لهم دينهغرائب صنع فوق كلّ الغرائب
فيحمي حمى الإسلام عمّن يرومهبسمر العوالي أو ببيض القواضب
ويعتزّ دين الله شرقا ومغربابما سوف يبقى ذكره في العجائب
إلهي، ما لي بعد رحماك مطلبأراه بعين الرّشد أسنى المطالب
سوى زورة القبر الشريف وإنهالموهبة فاتت جميع المواهب
عليه سلام الله ما لاح كوكبوما فارق الأظعان حادي الرّكائب
وقال في غرض المدح والتّهنئة بعرض الجيش، وتضمّن ذلك وصف حاله في انتقاله إلى الحضرة:
يا قاطع البيد يطوي السّهل والجبلاومنضيا في الفيافي الخيل والإبلا
يبكي بآفاق أرض لا يؤانسهإلّا تذكّر عهد للحبيب خلا
أو ظبية أذكرت عهد التواصل تحكي للّحاظ التي عاهدت والمقلا
أستغفر الله في تلك اللّحاظ فقدأربى بها الحسن عن ضرب المها مثلا
أو هادل فوق غصن البان تحسبهصبا لفقد حبيب بان قد ثكلا
أو لامع البرق إذ تحكي إنارتهكفّا خضيبا مشيرا بالذي عذلا
ماذا عسى أن تقضّي من زمانك فيقطع المهامه ترجو أن تنال علا؟
وكم معالم أرض أو مجاهلهاقطعتها لا تملّ الرّيث والعجلا
إن كنت تأمل عزّا لا نظير لهوتبتغي السّؤل فيما شئت والأملا
فالعزّ مرسى بعيد لا ينال سوىبعزم من شدّ عزم البين وارتحلا
والدّرّ في صدف قلّت نفاستهولم يبن فخره إلّا إذا انتقلا
فاربأ بنفسك عن أهل وعن وطن................
وانس الدّيار التي منها نأى وطنيوعهد أنس به قلب المحبّ سلا
وعدّ عن ذكر محبوب شغفت بهولا تلمّ» به مدحا ولا غزلا
واقصد إلى الحضرة العليا وحطّ بهارحلا ولا تبغ عن أرجائها حولا
غرناطة لا عفا رسم بها أبداولا سلا قلب من يبغي بها بدلا
فهي التي شرّف الله الأنام بمنفي مقعد الملك من حمرائها نزلا
خليفة الله مولانا وموئلناوخير من أمّن الأرجاء والسّبلا
محمد بن أبي الحجاج أفضل منقد قام فينا بحقّ الله إذ عدلا
من آل نصر أولى الملك الذي بهرتعلاه كالشمس لمّا حلّت الحملا
هو الذي شرّف الله البلاد ومنفيها بدولته إذ فاقت الدّولا
أقام عدلا ورفقا في رعيّتهوكان أرحم من آوى ومن كفلا
فهو المجار به من لا مجير لهلم يخش إحن الليالي فادحا جللا
إنّ المدائح طرّا لا تفي أبداببعض ما قد تحلّا من نفيس علا
بالحزم والفهم والإقدام شيمتهوالجود ممّا على أوصافه اشتملا
إن قال أجمل في قول وأبدعهوالفعل أجمل منه كلّما فعلا
يولي الجميل ويعطي عزّ نائلهمن قد رجاه ولا استجدى ولا سألا
من سائلي عن بني نصر فما أحدمنهم بأبلغ منهم كلّما سئلا
هم الذين إذا ما استمنحوا منحواأسنى العطاء وأبدوا بعده الخجلا
هم الألى مهّدوا أرجاء أندلسإذ حكّموا في الأعادي البيض والأملا
فإن تسل عنهم يوم الرّهان فلميعدل بأحدثهم في سنّه بطلا
من ذا يجاريهم في كل مكرمةأيشبه البحر في تمثيله الوشلا؟
مولاي، يا خير من للنّصر قد رفعتراياته ولواء الفخر قد حملا
لله عيني لمّا أبصرتك وقدأعددت بين يديك الخيل والخولا
وأنت في قبّة يسمو بها عمدأقام منّا لأمر الدّين فاعتدلا
والجيش يعشى عيون الخلق منظرهلما اكتسى منك نور الحقّ مكتملا
لا غرو أنّ شعاع الشمس يشمل ماأضحى عليه إذا ما لاح منسدلا
وراية النصر والتأييد خافقةقد أسبل الله منها النّصر فانسدلا
والخيل قد كسيت أثواب زينتهافمن براقعها قد ألبست حللا
ترى الحماة عليها يوم عرضهميمشون من فرط زهو مشية الخيلا
فمن رماة قسيّ العرب عدّتهاتحكي الأهلّة مهما نورها اكتملا
ومن كماة شداد البأس شأنهمأن يعملوا البيض والخطّيّة الذّبلا
بسعدك انتظمت تلك الجيوش لأنأسهمت في نظمها أسلافك الأولا
وخلّد الله ملكا أنت ناصرهما عاقبت بكر من دهرنا الأصلا
لا زلت تزداد بي نعمى مضاعفةلتملأ الأرض منها السّهل والجبلا
ومن ذلك قوله:
يا عاذلي في الهوى، أقصر عن العذلوعن حديثي مع المحبوب لا تسل
فكيف أصغي إلى عذل العذول وقدتقلّص القلب مني صائد المقل؟
تملّكته كما شاءت بنظرتهافتّانة الطّرف والألحاظ تنهدل
معبرة عن نفيس الدّرّ فاضحةبقدّها الغضّ الميّاس في الميل
من نور غرّتها شمس تروق سنىتحتلّ منها محلّ الشمس في الحمل
يا حبّذا عهدنا والشّمل منتظمبجانب الغور في أيّامنا الأول
أيام أعين هذا الدهر نائمةعنّا وأحداثه منّا على وجل
وحبّذا أربع قد طال ما نظمتعقد التّواصل في عيش بها خضل
قضيت منها أماني النّفس في دعةمن الزمان موفّى الأنس والجذل
سطا الغمام رباها كلّ منهمروكم سطتها دموعي كلّ منهمل
وجادها من سماء الجود صوب حيابالعارض الهطل ابن العارض الهطل
خليفة الله والماحي بسيرتهرسم الضّلال ومحيي واضح السّبل
محمد بن أبي الحجاج أفضل منسارت أحاديث علياه سرى المثل
والباعث الجيش في سهل وفي جبلحتى تغصّ نواحي السّهل والجبل
من آل نصر أولي الفخر الذين لهممزيّة أورثت من خاتم الرسل
مهما أردت غناء في الأمور بهشاهدت منه جميع الخلق في رجل
لن يستظلّ بعلياه أخو أملإلّا غدا تحت ظلّ منه منسدل
ولا استجار به من لا مجير لهإلّا كفاه انتياب الحادث الجلل
ينمى إلى معشر شاد الإله لهمملكا على سالف الأعصار لم يزل
بملكهم قد تحلّى الدهر فهو بهوالله واليه لا يخشى من العطل
هم الألى نصروا أرجاء أندلسبالمشرفيّات والخطيّة الذّبل
هم الألى مهّدوا دين الهدى فسمتفي الخلق ملّته العليا على الملل
من أمّهم صادي الآمال نال بهمجودا كفيلا له بالمعل والنّهل
أو أمّهم ضاحيا أضحى يجرّر منفضل النّوال ذيول الوشي والحلل
إنّ الفضائل أضحت لاسمه تبعاكالنّعت والعطف والتأكيد والبدل
مولاي، خذها تروق السّامعين لهابما أجادته من مدح ومن غزل
لكنني باعتبار عظم ملكك لمأجد لعمري في مدحي ولم أطل
فإن خبرت كذاك الخلق أجمعهمسيّان محتفل أو غير محتفل
لا زلت فخر ملوك الأرض كلّهمتسمو بك الدولة العلياء على الدول
ودمت للدهر تطويه وتنشرهمبلّغا كلّما تبغي من الأمل
ومن ذلك ما نظمه لينقش في بعض المباني التي أنشأتها:
أنا مصنع قد فاق كل المصانعفما منزل يزهى بمثل بدائعي
فرسمي، إذا حقّقته واعتبرتهلكل المعاني، جامع أيّ جامع
فقد جمع الله المحاسن كلّهالديّ، فيا لله إبداع صانع!
كما جمعت كلّ الفضائل في الذيبسكناي قد وافاه أيمن طالع
وزير أمير المسلمين وحسبهمزيّة فخر ما لها من مدافع
وذو القلم الأعلى الذي فعله لمنيؤمّله مثل السّيوف القواطع
ومطلع آيات البيان لمبصركشمس الضّحى حلّت بأسنى المطالع
وإنسان عين الدهر قرّت لنا بهعيون وطابت منه ذكرى المسامع
هو ابن الخطيب السّيّد المنتمي إلىكرام سموا ما بين كهل ويافع
لقد كنت لولا عطفة من حنانهأعدّ زمانا في الرّسوم البلاقع
فصيّرني مغنى كريما ومربعالشمل بأنس من حبيبي جامع
فها أنا ذو روض يروق نسيمهكما رقّ طبعا ما له من منازع
وقد جمعتنا نسبة الطّبع عندماوقعت لمرآه بأسنى المواقع
فأشبه إزهاري بطيب ثنائهوفضل هوائي باعتدال الطبائع
فلا زلت معمورا به في مسرّةمعدّا لأفراح وسعد مطالع
ولا زال من قد حلّني أو يحلّنيموفّى الأماني من جميل الصّنائع
ودام لمولانا المؤيّد سعدهفمن نوره يبدو لنا كلّ ساطع
وفي التهنئة بإبلال من مرض:
الآن قد قامت الدّنيا على قدملما استقلّ رئيس السيف والقلم
والآن قد عادت الدنيا لبهجتهامذ أنست برءه من طارق الألم
والآن قد عمت البشرى براحتهفلم تزل للورى من أعظم النعم
لا سيّما عند مثلي ممن اتّضحتمنه دلائل صدق غير متهم
فكيف لي وأيادي فضله ملكترقّي بما أجزلت من وافر القسم
وصيّرتني في أهلي وفي وطنيوبين أهل النّهى نارا على علم
وأحسبت أملي الأقصى لغايتهإذ صرت من جاهه المأمول في حرم
ماذا عسى أن أوفّي من ثنائي أوأنهي إلى مجده من فاضل الشّيم
ولو ملكت زمام الفضل طوع يديقصّرت في ضمن منثور ومنتظم
يهنيك بشرى قد استبشرت مذ وردتبها لعمرك وهو البرّ في الضّيم
ومذ دعت هذه البشرى بتهنئةفنحن أولى ومحض العهد والكرم
لا زلت للعزّة القعساء ممتطيامستصحبا لعلاء غير منصرم
ودمت بدر سنى تهدي إنارتهفي حيث يعضل خطب أو يحار عم
ولا عدمت بفضل الله عافيةتستصحب النّعم المنهلّة الديم
وليس لهذا العهد للرجل انتحال لغير الشّعر والكتابة. وغير هذا للشعر فراره، فقلّ أن ينتهي الشّعر في الضّعة والاسترذال إلى ما دون هذا النّمط، فهو بعير ثان، شعرا وشكلا وبلدا، لطف الله به. وهو لهذا العهد، على ما تقدّم من النكبة، واتّصال السّخط من الدولة، تغمّدنا الله وإياه بلطفه، ولا نكص عنّا ظلّ عنايته وستره.
مولده: حسبما تقدّم من بسط حاله مما قيّده بخطّه في عام تسعة وسبعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع