تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

عبد البر بن فرسان بن إبراهيم بن عبد الله ابن عبد الرحمن الغساني

وادي آشي الأصل، يكنى أبا محمد.

حاله: كان من جلّة الأدباء، وفحول الشّعراء، وبرعة الكتّاب. كتب عن الأمير أبي زكريا يحيى بن إسحاق بن محمد بن علي المسّوفي الميورقي، الثائر على منصور بني عبد المؤمن، ثم على من بعده من ذرّيته إلى أيام الرّشيد منهم، وانقطع إليه وصحبه في حركاته، وكان آية في بعد الهمّة، والذهاب بنفسه،

والعناء، ومواقف الحرب، فإنه دهم في المثل، أشبه امرءا يعض برّه، فقد كان أليق الناس بصحبة الميورقي، وأنسبهم إلى خدمته.

مشيخته: روى عن أبي زيد بن السّهيلي.

بعض أخباره في البأو والصّرامة: حدّثنا شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب عمن حدّثه من أشياخه، قال: وجّهه الميورقي في عشيّة يوم من أيام حروبه إلى المأزق، وقد طال العراك، وكاد يكلّ الناس عن الحرب، إلى أن يباكروها من الغد، فنفذ لما أمر به. ولما بلغ الصّدر اشتدّ على الناس، وذعر أرباب الحفيظة، وأنهى إليهم العزم من أميرهم في الحملة، فانهزم عدوّهم شرّ هزيمة، ولم يعد أبو محمد إلّا في آخر الليل بالأسلاب والغنيمة، وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال له: الذي عملت هو شأني، وإذا أردت من يصرف الناس عن الحرب ويذهب ريحهم، فانظر غيري.

وحدّثني كذلك أنّ ولدا له صغيرا تشاجر مع ترب له من أولاد أميره أبي زكريا، فنال منه ولد الأمير، وقال: وما قدر أبيك؟ ولمّا بلغ ذلك أباه خرج مغضبا لحينه، ولقي ولد الأمير المخاطب لولده، فقال: حفظك الله! لست أشكّ في أنّي خديم أبيك، ولكني أحبّ أن أعرّفك بمقداري ومقداره، اعلم إنّ أباك وجّهني رسولا إلى الخليفة ببغداد بكتاب عن نفسه، فلمّا بلغت بغداد نزلت في دار اكتريت لي بسبعة دراهم في الشهر، وأجري عليّ سبعة دراهم في اليوم، وطولع بكتابي، وقيل: من الميورقي الذي وجّهه؟ فقال بعض الحاضرين: هو رجل مغربي ثائر على أستاذه. وأقمت شهرا، ثم استدعيت إلى الانصراف، ولمّا دخلت دار الخلافة وتكلّمت مع من بها من الفضلاء، أرباب المعارف والآداب، اعتذروا لي، وقالوا للخليفة: هذا رجل جهل مقداره، فأعدت إلى محلّ اكتري لي بسبعين درهما، وأجري عليّ مثلها في اليوم، ثم استدعيت، فودعت الخليفة، واقتضيت ما تيسّر من جوابه، وصدر لي شيء له حظّ من صلته. وانصرفت إلى أبيك.

والمعاملة الأولى كانت على قدر أبيك عند من يعرف الأقدار، والثانية كانت على قدري والمنّة لله. وأخبار ابن فرسان كثيرة.

شعره: وقد تعمّم الأمير بعمامة بيضاء، وليس غفارة حمراء على جبّة خضراء، فقال:

فديتك بالنّفس التي قد ملكتهابما أنت موليها من الكرم الغضّ
للشاعر عبد البر بن فرسان الغسّاني، اقرأ القصيدة
تودّدت للحسن الحقيقيّ بهجةفصار بها الكلّيّ في ذاك كالبعض
ولمّا تلالا نور غرّتك التيتقسّم في طول البلاد وفي العرض
للشاعر عبد البر بن فرسان الغسّاني، اقرأ القصيدة
تلقّفتها خضراء أحسن ناظرنبت عنك إجلالا وذاك من الفرض
وأسدلت حمر الملابس فوقهابمفرق تاج المجد والشّرف المحض
وأصبحت بدرا طالعا في غمامةعلى شفق دان إلى خضرة الأرض

ومن شعره، ولا خفاء ببراعته:

ندى مخضلا ذاك الجناح المنمنماوسقيا وإن لم تشك يا ساجعا ضما
للشاعر عبد البر بن فرسان الغسّاني، اقرأ القصيدة
أعدهنّ ألحانا على سمع معربيطارح مرتاحا على القضب معجما
للشاعر عبد البر بن فرسان الغسّاني، اقرأ القصيدة
وطر غير مقصوص الجناح مرفّهامسوّغ أشتات الحبوب منعّما
للشاعر عبد البر بن فرسان الغسّاني، اقرأ القصيدة

وقال أيضا ﵀:

كفى حزنا أنّ الرماح صقيلةوأنّ الشّبا رهن الصّدى بدمائه
للشاعر عبد البر بن فرسان الغسّاني، اقرأ القصيدة
وأنّ بياذيق الجوانب فرزنتولم يعد رخّ الدّست بيت بنائه
للشاعر عبد البر بن فرسان الغسّاني، اقرأ القصيدة

عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسّان الغسّاني

جلياني، من أهل وادي آش، وتردّد إلى غرناطة، يكنى أبا محمد، وأبا الفضل.

حاله: تجوّل ببلاد المشرق سائحا، وحجّ ونزل القاهرة، وكان أديبا، بارعا حكيما، ناظما ناثرا.

تواليفه: وله مصنّفات منها «جامع أنماط السائل، في العروض والخطب والرسائل»، أكثر كلامه فيه نظما ونثرا.

مشيخته ومن روى عنه: روى عنه أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحيم الخطيب بضريح الخليل، وأبو عبد الله بن يحيى المرسي.

شعره: قال من شعره:

ألا إنّما الدّنيا بحار تلاطمتفما أكثر الغرقى على الجنبات
وأكثر من لاقيت يغرق إلفهوقلّ فتى ينجي من الغمرات

وفاته: سنة ثلاث وستمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.