تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد ابن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الحضرمي

يكنى أبا محمد، شيخنا الرئيس، صاحب القلم الأعلى بالمغرب.

حاله: من «عائد الصلة»: كان، ﵀، خاتمة الصّدور، ذاتا وسلفا وتربية وجلالة. له القدح المعلّى في علم العربية، والمشاركة الحسنة في الأصلين، والإمامة في الحديث، والتّبريز في الأدب والتاريخ واللغة، والعروض والمماسة في غير ذلك.

نشأ فارس الحلبة، وعروس الوليمة، وصدر المجلس، وبيت القصيد، إلى طيب الأبوّة، وقدم الأصالة، وفضل الطّعمة، ووفور الجاه، والإغراق في النّعمة، كثير الاجتهاد والملازمة، والتفنّن والمطالعة، مقصور الأوقات على الإفادة والاستفادة، إلى أن دعته الدولة المرينيّة بالمغرب إلى كتابة الإنشاء، فاشتملت عليه اشتمالا، لم يفضل عنه من أوقاته ما يلتمس فيه ما لديه. واستمرت حاله، موصوفا بالنّزاهة والصّدق، رفيع الرّتبة، مشيد الحظوة، مشاركا للضيف فاضلا، مختصر الطّعمة والحلية، يغلب عليه ضجر يكاد يخلّ به، متصل الاجتهاد والتّقييد، لا يفتر له قلم، إلى أن مضى بسبيله.

وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» من تأليفنا بما نصّه: تاج المفرق، وفخر المغرب على المشرق، أطلع منه نورا أضاءت الآفاق، وأثرى منه بذخيرة حملت أحاديثها الرّفاق. ما شئت من مجد سامي المصاعد والمراقب، عزيز عن لحاق المجد الثاقب، وسلف زيّنت سماؤه بنجوم المناقب. نشأ بسبتة بين علم يفيده، وفخر يشيده، وطهارة يلتحف مطارفها، ورياسة يتفيّأ وارفها، وأبوه ﵀ قطب مدارها، ومقام حجّها واعتمارها، فسلك الوعوث من المعارف والسّهول، وبذّ على حداثة سنّه الكهول، فلمّا تحلّى من الفوائد العلمية بما تحلّى، واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلّى، تنافست فيه همم الملوك الأخاير، واستأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذّخائر، فاستقلّت بالسياسة ذراعه، وأخدم الذوابل والسيوف يراعه، وكان عين الملك التي بها يبصر، ولسانه الذي به يسهب أو يختصر. وقد تقدّمت له إلى هذه البلاد الوفادة، وجلّت به عليها الإفادة، وكتب عن بعض ملوكها، وانتظم في عقودها الرّفيعة وسلوكها، وله في الأدب الرّاية الخافقة، والعقود المتناسقة.

مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ الإمام أبي إسحاق الغافقي المديوني، وعلى الأستاذ المقرئ أبي القاسم محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن الطيّب، والأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، وعلى الأستاذ العارف أبي عبد الله محمد بن عمر بن الدّراج التلمساني، وعلى ابن خال أبيه الأمير الصالح أبي حاتم العزفي، والعدل الرّضا أبي فارس عبد الرحمن بن إبراهيم الجزيري.

وقرأ بغرناطة على الشيخ العلّامة أبي جعفر بن الزبير، وروى عن الوزير الراوية أبي محمد عبد الله المرادي ابن المؤذن، وعلى الأستاذ أبي بكر القللوسي، وأخذ عن الشيخ الوزير أبي الوليد الحضرمي القرطبي. وبمالقة عن الإمام الولي أبي عبد الله الطّنجالي. وببلّش عن الخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، وعن الخطيب أبي عبد الله بن شعيب المروي، والعلّامة أبي الحسين بن أبي الربيع، وأبي الحكم بن منظور، وابن الشّاط، وابن رشيد، وابن خميس، وابن برطال، وابن ربيع، وابن البنّاء، وسميّه ابن البنّاء المالقي، وابن خميس النحوي، وأبي أمية بن سعد السّعود بن عفير الأمدي. هؤلاء كلهم لقيهم وسمع منهم، وأجازوا له ما عندهم. وممن أجاز له مشافهة أو مكاتبة من أهل المغرب، الأستاذ أبو عبد الله محمد بن عمر الأنصاري التّلمساني ابن الدراج، والكاتب أبو علي الحسين بن عتيق، وتناول تواليفه، والأديب

الشهير أبو الحكم مالك بن المرحّل، والشريف أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي الشرف الحسيني، وأبو بكر بن خليل السّكوني، وأبو العباس المطري، والجزّاري، وشرف الدين بن معطي، وابن الغمّاز، وابن عبد الرفيع القاضي، وأبو الشمل جماعة بن مهيب، وأبو عبد الله محمد بن أحمد التجاني وأبناء عمّه عمر وعلي، وابن عجلان، ومحمد بن إبراهيم القيسي السلولي، ومحمد بن حماد اللبيدي، وابن سيد الناس، وابنه أبو الفتح، وابن عبد النور، والمومناني، والخطيب ابن صالح الكتّاني، وابن عياش المالقي، والمشدالي، وابن هارون، والخلاسي، والدبّاغ، وابن سماك، وابن أبي السّداد، وابن رزين، وابن مستقور، وأبو الحسن بن فضيلة، وأبو بكر بن محزز. وكتب له من أهل المشرق جماعة منهم: الأبرقيشي، وابن أبي الفتح الشيباني، وابن حمادة، وابن الطاهري، وابن الصابوني، وابن تيمية، وابن عبد المنعم المفسر، وابن شيبان، وابن عساكر، والرضي الطبري، وابن المخزومي، وابن النحاس. قلت: من أراد استيفاءهم ينظر الأصل، فقد طال على استيفاء ما ذكره الشيخ ﵀. وقد ذكر جماعة من النساء، ثم قال بعد تمام ذلك: ولو قصدنا الاستقصاء لضاق عن مجاله المتبع.

شعره: وشعره متخلّ عن محلّه من العلم والشهرة، وإن كان داخلا تحت طور الإجادة.

فمن ذلك قوله:

تراءى سحيرا والنسيم عليلوللنجم طرف بالصباح كليل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وللفجر بحر خاضه الليل فاعتلتشوى أدهم الظلماء منه حجول
بريق بأعلى الرّقمتين كأنهطلائع شهب في السواد تجول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فمزّق ساجي الليل منه شرارةوخرّق ستر الغيم منه نصول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
تبسّم ثغر الروض عند ابتسامهوفاضت عيون للغمام همول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ومالت غصون البان نشوى كأنهايدار عليها من صباه شمول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وغنّت على تلك الغصون حمائملهنّ حفيف فوقها وهديل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
إذا سجعت في لحنها ثم قرقرتيطيح خفيف دونها وثقيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
سقى الله ربعا لا تزال تشوقنيإليه رسوم دونه وطلول
جاد رباه كلما ذرّ شارقمن الودق هتّان أجشّ هطول
وما لي أستسقي الغمام ومدمعيسفوح على تلك العراص همول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وعاذلة ظلّت تلوم على السّرىوتكثر من تعذالها وتطيل
تقول: إلى كم ذا فراق وغربةونأي على ما خيّلت ورحيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ذريني أسعى للتي تكسب العلاسناء وتبقي الذّكر وهو جميل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فإمّا تريني من ممارسة الهوىنحيلا فحدّ المشرفيّ نحيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فوق أنابيب اليراعة صفرةتزين، وفي قدّ القناة ذبول
ولولا السّرى لم يجتل البدر كاملاولا بات منه للسّعود نزيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ولولا اغتراب المرء في طلب العلالما كان نحو المجد منه وصول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ولولا نوال ابن الحكيم محمدلأصبح ربع المجد وهو محيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وزير سما فوق السّماك جلالةوليس له إلّا النجوم قبيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
من القوم، أمّا في النّديّ فإنهمهضاب وأمّا في النّدى فسيول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
حووا شرف العلياء إرثا ومكسباوطابت فروع منهم وأصول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وما جونة هطّالة ذات هيدبمرتها شمال مرجف وقبول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
لها زجل من رعدها ولوامعمن البرق عنها للعيون كلول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
كما هدرت وسط القلاص وأرسلتشقاشقها عند الهياج فحول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
بأجود من كفّ الوزير محمدإذا ما توالت للسّنين محول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ولا روضة بالحسن طيبة الشّذاينمّ عليها إذخر وجليل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وقد أذكيت للزهر فيها مجامرتعطّر منها للنسيم ذيول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وفي مقل النّوار للطلّ عبرةتردّدها أجفانها وتحيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
بأطيب من أخلاقه الغرّ كلّماتفاقم خطب للزمان يهول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
حويت أبا عبد الإله مناقباتفوت يدي من رامها وتطول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فغرناطة مصر وأنت خصيبهاونائل يمناك الكريمة نيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فداك رجال حاولوا درك العلاببخل، وهل نال العلاء بخيل؟
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
تخيّرك المولى وزيرا وناصحافكان له ممّا أراد حصول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وألقى مقاليد الأمور مفوّضاإليك فلم يعدم يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيّدنهوض بما أعيا سواك كفيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وساس الرعايا منك أروع باسلمبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقّاد الجبين كأنماعلى وجنتيه للنّضار مسيل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
تهيم به العلياء حتى كأنهابثينته في الحبّ وهو جميل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
له عزمات لو أعير مضاءهاحسام لما نالت ظباه فلول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
سرى ذكره في الخافقين فأصبحتإليه قلوب العالمين تميل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وأعدى قريضي جوده وثناؤهفأصبح في أقصى البلاد يجول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
إليك أيا فخر الوزارة أرقلتبرحلي هو جاء النّجاء ذلول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فليت إلى لقياك ناصية الفلابأيدي ركاب سيرهنّ ذميل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
تسدّدني سهما لكلّ ثنيّةضوامر أشباه القسيّ نحول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلىذراك برحلي هوجل وهجول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فقيّدت أفراسي به وركائبيولذّ مقام لي به وحلول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمّةعليها لأحداث الزمان ذحول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ويهوى العلا حظّي ويغرى بضدّهلذاك اعترته رقّة ونحول
وتأبى لي الأيام إلّا إدالةفصونك لي إنّ الزمان مديل
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
فكلّ خضوع في جنابك عزّةوكلّ اعتزاز قد عداك خمول
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة

وهي طويلة. ومن شعره:

سقى ثرى سبتة بين البلادوعهدها المحبوب صوب العهاد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وجاد منهل الحيا ربعهابوبله تلك الرّبى والوهاد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وكم لنا في طور سينائهامن رائح للأنس في إثر غاد
وعينها البيضاء كم ليلةبيضاء فيها قد خلت لو تعاد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وبالمنارة التي نورهالكلّ من ضلّ دليل وهاد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
نروح منها مثلما نغتديللأنس والأفراح ذات ازدياد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
في فتية مثل نجوم الدّجىما منهم إلّا كريم جواد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ارتشفوا كأس الصفا بينهموارتضعوا أخلاف محض الوداد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ويالأيام ببنيولشلقد عدت عنها صروف العوادي
أدركت من لبنى بها كلّمالبانة وساعدتني سعاد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
ونلت من لذّات دهري الذيقد شئته وللأماني انقياد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
منازل ما إن على مبدلهاء مكان اللام فيها انتقاد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
سلوتها مذ ضمّني بعدهانادي الوزير ابن الحكيم الجواد
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة

ومن المقطوعات قوله:

أبت همّتي أن يراني امرؤعلى الدهر يوما له ذا خضوع
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
وما ذاك إلّا لأني اتّقيتبعزّ القناعة ذلّ القنوع
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة

ومن ذلك في المشط والنشفة من آلات الحمّام:

إني حسدت المشط والنّشف الذيلهما مزايا القرب دوني مخلصه
فأنامل من ذا تباشر صدغهومراشف من ذا تقبّل أخمصه
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة

نثره: وقع هنا بياض مقدار وجهة في أصل الشيخ.

مولده: ولد ببلده سبتة في عام ستة وسبعين وستمائة.

وفاته: وتوفي بتونس في الثاني عشر لشوال من عام تسعة وأربعين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، بعد أن أصابته نبوة من مخدومه السلطان أبي الحسن، ثم استعتبه وتلطف له. وكانت جنازته مشهورة، ودفن بالزّلاج من جبانات خارج تونس، ﵀.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.