من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد الملزوزي
من أهل العدوة الغربية، يكنى أبا فارس، ويعرف بعزّوز.
حاله: كان شاعرا مكثرا سيّال القريحة، منحطّ الطبقة، متجنّدا، عظيم الكفاية والجرأة، جسورا على الأمراء، علق بخدمة الملوك من آل عبد الحق وأبنائهم، ووقف أشعاره عليهم، وأكثر النظم في وقائعهم وحروبهم، وخلط المعرّب باللّسان الزناتي في مخاطباتهم، فعرف بهم، ونال عريضا من دنياهم، وجمّا من تقريبهم. واحتلّ بظاهر غرناطة في جملة السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب، وأمير المسلمين أبيه، واستحقّ الذكر بذلك.
شعره: من ذلك أرجوزة نظمها بالخضراء في شوال سنة أربع وثمانين وستمائة، ورفعها إلى السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، سماها ب «نظم السلوك، في الأنبياء والخلفاء والملوك» لم يقصر فيها عن إجادة.
ومن شعره، قال مخبرا عن الأمير أبي مالك عبد الواحد ابن أمير المسلمين أبي يوسف:
دعاني يوما والسما قد ارتدت بالسحائبوالغيث يبكي بالدموع السّواكب
كأنه عاشق صدّ عنه حبيبهففاضت دموعه عليه وكثر نحيبه
ولم يرق له مدمعكأنه لم يبق له فيه مطمع
فكان الوعد حسرتهوالبرق لو عته وزفرته
فقال لي: ما أحسن هذا اليوملو كان في غير شهر الصوم
فاقترح غاية الاقتراح عليّوقال: قل فيه شعرا بين يديّ
فأنشدته هذه الأبيات:
اليوم يوم نزهة وعقاروتقرّب الآمال والأوطار
أو ما ترى شمس النهار قد اختفتوتستّرت عن أعين النظّار
والغيث سحّ غمامه فكأنّهدنف بكى من شدّة التذكار
والبرق لاح من السماء كأنهسيف تألّق في سماء غبار
لا شيء أحسن فيه من نيل المنىبمدامة تبدو كشعلة نار
لولا صيام عاقني عن شربهالخلعت في هذا النهار عذاري
لو كان يمكن أن يعار أعرتهوأصوم شهرا في مكان نهار
لكن تركت سروره ومدامهحتى أكون لديه ذا أفكار
ونديرها في الكأس بين نواهدتجلو الهموم بنغمة الأوتار
فجفونها تغنيك عن أكواسهاوخدودها تغنيك عن أزهار
فشكره لمّا سمعه غاية الشكر، وقال: أسكرتنا بشعرك من غير سكر. قال:
وأتيته بهذه الأبيات:
أعلمت بعدك زفرتي وأنينيوصبابتي يوم النّوى وشجوني؟
أودعت إذ ودّعت وجدا في الحشاما إن تزال سهامه تصميني
ورقيب شوقك حاضر مترقّبإن رمت صبرا بالأسى يغريني
من بعد بعدك ما ركنت لراحةيوما ولا غاضت عليك شؤوني
قد كنت أبكي الدمع أبيض ناصعافاليوم تبكي بالدّماء جفوني
قل للذين قد ادّعوا فرط الهوىإن شئتم علم الهوى فسلوني
إنّي أخذت كثيره عن عروةورويت سائره عن المجنون
هذي روايتنا عن اشياخ الهوىفإن ادّعيتم غيرها فأروني
يا ساكني أكناف رملة عالجظفرت بظبيكم الغرير يميني
كم بات في جنح الظلام معانقيومجنت في صفر إلى مجنون
في روضة نمّ النسيم بعرفهاوكذاك عرف الرّوض غير مصون
والورق من فوق الغصون ترنّمتفتريك بالألحان أيّ فنون
تصغي الغصون لما تقول فتنثنيطربا لها فاعجب لميل غصون
والأرض قد لبست غلائل سندسقد كلّلت باللؤلؤ المكنون
تاهت على زهر السماء بزهرهاوعلى البدور بوجهها الميمون
قال أبو فارس: وكان أمير المسلمين أبو يوسف سار إلى مدينة سلا، فبويع بها ولده أبو يعقوب، وذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام أحد وسبعين وستمائة، يوم مولد النبيّ ﷺ، فأنشدته يوم بيعته هذه القصيدة ورفعتها إليه:
يا ظبية الوعساء، قد برح الخفاإنّي صبرت على غرامك ما كفى
كم قد عصيت على هواك عواذليوأناب بالتّبعيد منك وبالجفا
حمّلتني ما لا أطيق من الهوىوسقيتني من غنج لحظك قرقفا
وكسوتني ثوب النحول فمنظريللناظرين عن البيان قد اختفى
هذا قتيلك فارحميه فإنهقد صار من فرط النحول على شفا
لهفي على زمن تقضّى بالحمىوعلى محلّ بالأجيرع قد عفا
أترى يعود الشّمل كيف عهدتهويصير بعد فراقه متألّقا؟
لله درّك يا سلا من بلدةمن لم يعاين مثل حسنك ما اشتفا
قد حزت برّا ثم بحرا طامياوبذاك زدت ملاحة وتزخرفا
فإذا رأيت بها القطائع خلتهاطيرا يحوم على الورود مرفرفا
والجاذفين على الرّكيم كأنهمقوم قد اتخذوا إماما مسرفا
جعل الصّلاة لهم ركوعا كلهاوأتى ليشرع في السجود مخفّفا
والموج يأتي كالجبال عبابهفتظنّه فوق المنازل مشرفا
حتى إذا ما الموج أبصر حدّهغضّ العنان عن السّرى وتوقّفا
فكأنّه جيش تعاظم كثرةقد جاء مزدحما يبايع يوسفا
ملك به ترضى الخلافة والعلاوبه تجدّد في الرّئاسة ما عفا
من لم يزل يسبي الفوارس في الوغىإن سلّ في يوم الكريهة مرهفا
ألفت محبّته القلوب لأنهملك لنا بالجود أضحى متحفا
ألقى إليه الأمر والده الذيعن كل خطب في الورى ما استنكفا
يعقوب الملك الهمام المجتبىالماجد الأوفى الرحيم الأرأفا
يهواه من دون البنين كأنمايعقوب يعقوب ويوسف يوسفا
طوبى لمن في الناس قبّل كفّهوالويل منه لمن غدا متوقّفا
أعطاك ربّك وارتضاك لخلقهفاقتل بسيفك من أبى وتخلّفا
وامدد يمينك للوفود فكلهملليوم عاد مؤمّلا متشوّفا
فاليوم لا تخشى النّعاج ذئابهاويعود من يسطو بها متعطّفا
صلح الزمان فلا عدوّ يتّقىلم يخش خلق في علاك تخوّفا
لم لا وعدلك للبريّة شامل؟طبعا وغيرك لا يزال تكلّفا
يا من سررت بملكه وعلائهاليوم أعلم أنّ دهري أنصفا
فإذا ملكت فكن وفيّا حازماواعلم بأنّ الملك يصلح بالوفا
وأفض بذلك للوجود وكن لهمكهفا وكن ببعيدهم مستعطفا
فالجود يصلح ما تعلّم في العلاوسواه يفسد في الخلافة ما صفا
إنّ البريّة في يديك زمامهافاحذر فديتك أن تكون معنّفا
يا من تسربل بالمكارم والعلاما زال حاسدكم يزيد تأسّفا
خذها إليك قصيدة من شاعرفي نظم فخرك كيف شاء تصرّفا
خضع الكلام له فصار كعبدهما شاء يصنع ناظما ومؤلّفا
لا زالت الأمجاد تخدم مجدكمما زارت الحجّاج مروة والصّفا
ومن شعره في رثاء الأمير أبي مالك:
سهم المنيّة أين منه فرارمن في البريّة من رجاه يجار
حكم الزمان على الخلائق بالفنافالدار لا يبقى بها ديّار
عش ما تشاء فإنّ غايتك الرّدىيبلى الزمان وتذهب الأعمار
فاحذر مسالمة الزمان وأمنهإنّ الزمان بأهله غدّار
وانظر إلى الأمراء قد سكنوا الثرىوعليهم كأس المنون تدار
تركوا القصور لغيرهم وترحّلواومن اللّحود عليهم أستار
قد وسّدوا بعد الحرير جنادلاومن اللحود عليهم أستار
منعوا القباب وأسكنوا بطن الثّرىحكمت بذاك عليهم الأقدار
لم تنفع الجرد الجياد ولا القنايوم الرّدى والعسكر الجرّار
في موت عبد الواحد الملك الرّضالجميع أملاك الورى إنذار
أن ليس يبقى في الملوك مملّكإلّا أتته منيّة وبوار
ناديته والحزن خامر مهجتيوالقلب فيه لوعة وأوار
يا من ببطن الأرض أصبح آفلاأتغيب في بطن الثّرى الأقمار؟
أين الذين عهدت صفو ودادهمهل فيهم بعد الرّدى لك جار؟
تركوك في بطن الثّرى وتشاغلوابعلا سواك فهجرهم إنكار
لما وقفت بقبره مترحّماحان العزاء وهاجني استعبار
فبكيت دمعا لو بكت بمثالهغرّ السّحائب لم تكن أمطار
يا زائريه استغفروا لمليككمملك الملوك فإنه غفّار
وفاته: توفي خنقا بسجن فاس بسعاية سعيت به، جناها تهوّره في وسط عام سبعة وتسعين وستمائة، وقد كان جعل له النّظر في أمور الحسبة ببلاد المغرب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع