تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

علي بن يوسف بن محمد بن كماشة

القائد والوزير بين القتادة والخرط، يكنى أبا الحسن.

أوليته: كان جدّه من المنتزين ببعض حصون الأندلس، طلياطة، وخدم طاغية الروم ببعضها، وانخرط في جملته، يشهد بذلك مكتوبات تلقّاها بشماله ووراء ظهره، صانها حافده المترجم به في خرقة من السّرق لا يزال يعرضها في سبيل الفخر على من يصل إلى باب السلطان من رسل الرّوم. ولقد عرضها أيام سفارته إلى ملك قشتالة على وزيره شمويل اللبي اليهودي، وطلب تجديدها، فقال له: هذا يتضمن خدمة جدّك للسلطان مولاي جدّ مولاي السلطان بجملة من بلاد المسلمين، وفيها الشّكر له والرّعاية على ذلك، فاذهب أنت هذا المذهب الذي ذهبه جدّك، يتجدّد لك ذلك إن شاء الله، فلمّا هلك ووري بين مدافن الروم، بعد أن علّق زمانا من سور الحصن في وعاء، توفية لشرط لا أحقّقه الآن. ولحق ولده بباب السلطان، فتفيّأوا ظلّ كفالته، ونشأوا في عداد صبيته. ولمّا صلحوا للاستعمال، استخدم منهم عليّا كبيرهم في العمل، فاستظهر به على حفزه بحمى ألمرية وما إليها، فأثرى وراه استغنى، وطالت مدّة ولايته، واستعمل أخاه يوسف والد المترجم به، في القيادة، وكان رجلا مضعوفا، فاستمرّت حاله إلى أن فقد بصره، جنى عليه شؤم ولده الجلا شيخا زمنا.

ثم عاد إلى الأندلس فتوفي بها، حسبما يذكر في اسميهما. وكانوا يتبجّحون بنسبه إلى معن بن زائدة؛ طوّق جدّهم بتلك النسبة، بعض أولي التّنفق والكدية، فتعلّلوا منها بنسيج العناكب، وأكذبوها بالخلق الممقوت، والبخل بفتات القوت، والتعبّد لعبدة الطّاغوت إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ

حاله: هذا الرجل حسن الشكل، كثير الهشّة، جيّد الرّياش، كثير التعلّق والتّوسل، لصقت بشجرات الدول صمغته، وثبت بأسبابها قراده، شديد الملاطفة لحجبة الأبواب، والمداخلة لأذيال الأمراء، متصامم على أغراضهم، مكذّب لمحسوس جفوتهم، متنفّق بالسّعاية، متبذّل في أسواق الخدمة، يسبق في الطيالس، ويلفظ الزّبير، ويصرخ بالإطراء، ويولول بالدعاء، مدلّ في الأخونة، محكم في نفسه

للنّادرة التي تضحكهم، بذي مهذار، قليل التصنّع، بعيد عن التّسمت، أطمع خلق الله وأبخلهم بما لديه، وأبعدهم في مهاوي الخسّة. أما فلسه، فمخزون، وأمّا خوانه، فمحجوب، وأمّا زاده، فممنوع محجور، وأمّا رفده، فمعدوم العين والأثر. وأمّا ثوبه، فحبيس التّحت إلى يوم القيامة، قد جعل لكل فصل من فصول معاشه، ونفاضة مخاليه، وسور دوابه مؤنة ما. فالنّخالة بينة المصرف، وللسرجين معين الجهة، وفتات المنديل موقفة على فطور الغد، ودهن الاستصباح جار في التّجلة والادخار مجرى دهن البلسان.

أخباره: في هذا الباب مغربة، ولزمت كعبة المنحسة، وعلق في عنقه طائر الشّؤم، فلم تنجح له وجهة، ولا سعدت له حركة، واستقرّ عند الكائنة على الدولة، بباب السلطان بالمغرب، خاطبا في حبل الغادر، المتوثّب على الملك، ومعينا للدهر على الأحبّ الحقّ ووليّ النّعمة. ثم بدا له في المقام بالمغرب أمنا واضطرابا. ولمّا رحل السلطان أبو عبد الله بن نصر المذكور إلى طلب حقه، وقد أعتبه، سدّد به رسم الوزارة في طريقه، كما اضطرّ صياد إلى صحبة كلب مخابت آماله، ولحقت به المشأمة، وتبر الجدّ، واشتهر ذلك، فعلقت به الشّفقة، إلى أن خاطب السلطان بعض من يهمّه أمره بهذه الأبيات:

كماشكم من أجله انكمش السّعدإذا ما اطّرحتم شؤمه نجز الوعد
ومن لم تكن للسّعد في بدء أمرهمخيلة نجح، كيف ترجى له بعد؟
وتصريفه المشؤوم فلتتذكّرواوما قلت إلّا بالتي علمت سعد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «كماشيكم من أجله انكمش السعد»

واقتضى أمره تبرّما به أن صرف من رندة، وقد استقرّ أمره بها رسولا إلى باب ملك المغرب؛ لأمور منها استخلاص ولده وإيصاله إليه، فتعذّر القصد، وسدّت الأبواب، وأزفت بدار المغرب عهد بذّ الآزفة، وتراخى مخنّق مرسله لخلو دسته منه، فثاب الرّجاء وقرب الفتح، وساعد السّعد بما طال منه التّعجب. ولمّا بلغ خبر صنع الله، وإفاقة الأيام، وجبر الله السلطان بدخول مالقة في طاعته، لحق به، وقد قلقت به الجوانب، وتنكّرت الوجوه، وساءت لطيرته الظّنون، فتوفّر العزم على صرفه عن الأندلس في أوليات رمضان عام ثلاثة وستين وسبعمائة، فقبض عليه، وصرف إلى البلاد الشرقية، وقد شرع في إغراء سلطان قشتالة بالمسلمين، وكان آخر العهد به،

وذكروا أنه حجّ وقفل والعودة تتبعه، والنفوس لمتوقّع شؤمه مكرهة. ورجي أن يكون ماء زمزم وضوء النقع، أو أنّ مشاهدته الآثار الكريمة تصلح ما فسد من حاله، فآب شرّ إياب، وربما نبض له شريان من جدّه الذي تقدم في خدمة النصارى ذكره، فأجاز البحر إلى ملك برجلونة، فجعل تقبيل كفّه لاستلام الحجر الأسود وسيلة ثانية وقربة مزلفة، والقول بفضل وطنه حجّة صادقة، ثم قلق لخيبة قصده، وخلوّ يده من الزّقوم الذي كان قد احتجنه للمهمّ من أمره، واستيلاء النّحس على بيت سعده، فصرف وجهه المشؤوم إلى المغرب، فاحتلّ به، وجعل يطوق كل من أسلف له بداء الذّام، ويشيع عنه سوء القيلة، ويجهر في المجتمعات والدّكاكين بكل شنيع من القول، بالغا في ألفاظ السّغيلة أقصى مبالغ الفحش، لطف الله بنا أجمعين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.