من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي النّباهي المالقي
صاحبنا أبو الحسن.
أوليته: تنظر فيما تقدم من أهل بيته والمذكورين فيه من سلفه.
حاله: هذا الرجل، ولّي قضاء الحضرة، وخطابة جامع السلطان، وعرض له تقزّز فيما يقف عليه من منتخب وصفه، وعدم رضا بما يجتهد فيه من تحليته، فوكلنا التعريف بخصائصه، إلى ما اشتهر من حميدها، تحرّجا مما يجرّ عتبه، أو يثير عدم رضاه.
مشيخته: ذكر أنه أخذ عن الشيخ الخطيب أبي بكر الطّنجالي، قريب أبيه، والناظر عليه بعده بوصاته. وكان من أهل الدّراية والرواية، وعن الشيخ الفقيه أبي القاسم محمد بن أحمد الغساني، شهر بابن حفيد الأمين، وقرأ عليه الفقه والقرآن، وسمع عليه، وتلا على الشيخ الأستاذ المقرئ أبي محمد بن أيوب، وسمع عليه الكثير. وهو آخر من حدّث عن أبي بن أبي الأحوص، وعلى الشيخ المقرئ أبي القاسم بن يحيى بن محمد بن درهم، وأخذ عن قريبه القاضي، نسيج وحده أبي بكر عبد الله بن بكر الأشعري. ومن أشياخه صهره القاضي الأستاذ أبو عمرو بن منظور،
والأستاذ الحافظ المتكلّم أبو عبد الله القطان، والصّوفي أبو الطاهر محمد بن صفوان، والقاضي الكاتب أبو القاسم محمد البناء. وصحب الشيخ أبا بكر بن الحكيم، ولازمه وروى عنه. ولقي الخطيب المقرئ أبا القاسم بن جزيّ، وأخذ نسبته عن الشيخ أبي القاسم بن عمران. وبرندة عن القاضي المحدّث المقيد أبي الحجاج يوسف المنتشافري. ورحل فلقي بتلمسان عمران أبا موسى المشدالي، وحضر مجلسه، والأخوين الإمامين أبا زيد وأبا موسى ابني الإمام. وبباجة، أبا العباس أحمد بن الرّباعي، وأبا عبد الله بن هارون. وبتونس أعلاما، كقاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام. قال: ومن خطّه نقلت، وأجازني من أهل المشرق والمغرب، عالم كثير.
شعره: قال: نظمت مقطوعتين، موطّئا بهما على البيتين المشهورين.
الأولى منهما قولي:
بنفسي من غزلان غزوى غزالةجمال محيّاها عن النّسك زاجر
تصيد بلحظ الطرف من رام صيدهاولو أنه النّسر الذي هو طائر
معطّرة الأنفاس رائقة الحلىهواها بقلبي في المهامه سائر
«إذا رمت عنها سلوة قال شافعمن الحبّ: ميعاد السّلوّ المقابر»
والأخرى قولي:
وقائلة لمّا رأت شيب لمّتيلئن ملت عن سلمى فعذرك ظاهر
زمان التّصابي قد مضى لسبيلهوهل لك بعد الشّيب في الحبّ عاذر؟
فقلت لها: كلّا وإن تلف الفتىفما لهواها عند مثلي آخر
«ستبقى لها في مضمر القلب والحشاسريرة ودّ يوم تبلى السّرائر»
وكتب مع شكل يحذو على النّعل الكريم، من شأنه أن يكتب ذلك لكل مزمع سفر:
فديتك لا يهدى إليك أجلّ منحديث نبيّ الله خاتم رسله
ومن ذلك الباب المثال الذي أتىبه الأثر المأثور في شأن نعله
ومن فضله مهما يكن عند حاملله نال ما يهواه ساعة حمله
ولا سيما إن كان ذا سفر بهفقد ظفرت يمناه بالأمن كلّه
فدونك منه أيها العلم الرّضامثالا كريما لا نظير لمثله
ومن ذلك قوله:
لا تلجأنّ لمخلوق من الناسمن يافث كان أصلا أو من الياس
وثق بربّك لا تيأس ترى عجبافلا أضرّ على عبد من الياس
ومن قوله يمدح السلطان ويصف الإعذار:
أبدى لنا من ضروب الحسن أفناناهذا الزمان لمولانا ابن مولانا
يقول فيها لطف الله بنا وبه:
ولا تحرّك لسانا يا أخا ثقةبريم رامة إن وفّى وإن خانا
يظلّ ينشر ميت الوجد عن جدثمن الجفون أو الأحشاء عريانا
ثم قال فيها بعد كثير يرجى عفو الله فيه:
فما النّسيب بأولى من حديث علاعن الإمام ينيل المرء رضوانا
يمّمه تحظ بما أملت من أمل»يجنيك للسّول أفنانا فأفنانا
ومنها في المدح:
ملك يخفّ لراجيه بنائلهعلى وقار يرى كالعين ثملانا
ملك ينصّ له الآلاء عزتهعلى السعادة في الدارين فرقانا
العاطر الذّكر ترتاح النفوس لهتخال فيه لها روحا وريحانا
السّاحر المنطق في شتّى العلومإذا سألت منه لوجه الرّشد هانا
كسا الزمان ثياب الفضل حتىقضا عن منكبي صرفه ظلما وعدوانا
وعظّم الشرع حتى أنّ داعيهلا يستطيع له المدعوّ عصيانا
ومنها في ذكر الإعذار:
لله درّك يا مولاي من ملكشيّدت بالحق للإسلام بنيانا
ولم تبال ببذل المال في غرضيعمّ بالفضل ولدانا وبلدانا
وقمت في الولد الميمون طائرهبسنّة الدين إكمالا وإتقانا
بدا لنا قمرا ترنو العيون لهمقلّدا من نطاق المجد شهبانا
وقام يسحب أذيال الجمال علىبساط ملكك بالإعذار جذلانا
خجلان بالقصور عن بلوغ مدامن العلى بل الحسن منه قد بانا
فدته أنفسنا لو كان يقبلهامنّا وكانت على الإبلال قربانا
فيا دما سال عن تقوى فعاد لهبين الدّماء طهورا طيّبا زانا
ولا دليل على الغفلة المعبّر عنها بالسلامة والذهول كقوله: وقمت في الولد الميمون طائره. ومن ذلك قوله يخاطب صاحب العلامة بالمغرب أبا القاسم بن رضوان:
لك الله قلبي في هواك رهينوروحي عني إن رحلت ظعين
ملكت بحكم الفضل كلّي خالصاوملكك للحرّ الصّريح يزين
فهب لي من نطقي بمقدار ما بهيترجم سرّ في الفؤاد دفين
فقد شملتنا من رضاك ملابسوسحّ لدينا من نداك معين
أعنت على الدهر الغشوم ولم تزلبدنياك في الأمر المهمّ تعين
وقصّر من لم تعلم النفس أنهخذول إذا خان الزمان يخون
وإني بحمد الله عنه لفي غنىوحسبي صبر عن سواك يصون
أبى لي مجد عن كرام ورثتهوقوفا بباب للكرام يهين
ونفسي سمت فوق السّماكين همّةوما كلّ نفس بالهوان تدين
ولمّا رأت عيني محيّاك أقسمتبأنّك للفعل الجميل ضمين
وعاد لها الأنس الذي كان قد مضىبريّة إذ شرخ الشّباب خدين
بحيث نشأنا لابسين حلى التّقىوكلّ بكلّ عند ذاك ضنين
أما وسنى تلك الليالي وطيبهاووجد غرامي والحديث شجون
وفتيان صدق كالشّموس وكالحياحديثهم ما شئت عنه يكون
لئن نزحت تلك الدّيار فوجدناعليها له بين الضّلوع أنين
إذا مرّ حين زاده الشوق جدّةوليس يعاب للرّبوع حنين
لقد عبثت أيدي الزمان بجمعناوحان افتراق لم نخله يحين
وبعد التقينا في محلّ تغرّبوكلّ الذي دون الفراق يهون
فقابلت بالفضل الذي أنت أهلهوما لك في حسن الصنيع قرين
وغبت وما غابت مكارمك التيعلى شكرها الرّبّ العظيم يعين
يمينا لقد أوليتنا منك نعمةتلذّ بها عند العيان عيون
ويقصر عنها الوصف إذ هي كلّهالها وجه حرّ بالحياء مصون
ولمّا قدمت الآن زاد سرورناومقدمك الأسنى بذاك قمين
لأنك أنت الرّوح منّا وكلّناجسوم، فعند البعد كيف تكون
ولو كان قدر الحبّ فيك لقاؤناإليك لكنّا باللّزوم ندين
ولكن قصدنا راحة المجد دوننافراحته شمل الجميع تصون
هنيئا هنيئا أيها العلم الرّضابما لك في طيّ القلوب كمين
لك الحسن والإحسان والعلم والتّقىفحبّك دنيا للمحبّ ودين
وكم لك في دار الخلافة من يدأقرّت لها بالصّدق منك مرين
وقامت عليها للملوك أدلّةفأنت لديها ما حيّيت مكين
فلا وجه إلّا وهو بالبشر مقبلولا نطق إلّا عن علاك مبين
بقيت لربع الفضل تحمي ذمارهصحيحا كما قد صحّ منك يقين
ودونك يا قطب المعالي بنيّةمن الفكر عن حال المحبّ تبين
أتتك ابن رضوان تمتّ بودّهاوما لسوى الإغضاء منك ركون
فخلّ انتقاد البحث عن هفواتهاومهّد لها بالسّمح حيث تكون
وخذها على علّاتها فحديثهاحديث غريب قد عراه سكون
ومن شعره قوله في ليلة الميلاد الكريم من قصيدة:
خليليّ، مرّا على أرض مأربولا تعذلاني إنني غير آئب
وهي طويلة أثبتت في الرّحلة، فلينظرها هنالك من أراد استيفاء غرضها.
نثره: من أمثل ما صدر عنه في غرض غريب، وهو وصف نخلة بإزاء باب الحمراء. ونثره كثير، ولكنا اخترنا له ما اختار لنفسه، وأشاد بشفوفه على أبناء جنسه:
يا أيها الأخلّاء الذين لهم الصّنائع، التي تحسدها الغمائم، والبدائع التي تودّها بدلا من أزهارها الكمائم، بقيتم وشملكم جميع، وروض أملكم مريع، والكل منكم للغريب الحسن من حديث المحبّ سميع:
بأرض النخل قلبي مستهامفكيف يطيب لي عنها المقام؟
لذاك إذا رأيت لها شبهاأقول وما يصاحبني ملام
ألا يا نخلة من ذات عرقعليك ورحمة الله السلام
فسلّمت يوما تسليم المبرّة، على مدنها الحرّة البرّة، جارة حائط الدار، الواقفة للخدمة كالمنار، على سدّة الجدار، بياض النهار، وسواد الليل المتلفّعة بشعار
الوقار، المكفولة الذّيل، أنيسة مشيخة الجماعة، القاطنة من الحمراء العليّة، بباب ابن سماعة، فحين عطفت عليها، وصرفت زمام راحلتي إليها، ووقفت بإزاء فنائها، ولكنها وقوف المشفق من فنائي وفنائها، وقلت لها: كيف حالك أيتها الجارة، السّاكنة بنجدة الحجارة، الواعظة للقريب والبعيد، بمقامها صامتة على الصّعيد:
سقاك من الغرّ الغوادي مطيرهاولا زلت في خضراء غضّ نظيرها
فما أحقّك من باسقة بالتّرحيب، وأقربك من رحمات السّميع المجيب، خلتها اهتزّت عند النّداء اهتزاز السّرور، وتمايلت أكمامها تمايل الثّمل المسرور، ثم قالت لسائلها، بلسان وسائلها، عند مشاهدة مثلي تقول العرب: عينها فرارها، وابن جدّها للناظرين اصفرارها، وجملة بخيّتي، بعد إتمام تحيّتي، أنّ الدهر عجم قناتي، ومسّ الكبر كدّر سناتي، وما عسى أن أبثّ من ثكناتي، وجلّ علاتي من تركيب ذاتي.
ولكنّي أجد مع ذلك أنّ وقاري، حسّن لدى الحيّ احتقاري، وكثرة قناعتي، أثمرت إضاعتي، وكمال قدّي، أوجب قدّي، فما أنس م الأشياء، لا أنس عدوان جعسوس، من لعبوش اليهود أو المجوس، يفحص بمديته عن وريدي، ويحرص على مدّ جريدي، ويجدع كل عام بخنجره أنفي، وكلّما رمت كفّ إذايته عني، كشم كفّ، فلو رأيتم صعصعة أفناني، وسمعتم عند جدم بناني، قعقعة جناني، والدمع لمّا جفاني، يفيض من أجفاني، والجعسوس الخبيث المنحوس قد شدّ ما حدّ بأمراسه، ورفعه لبيعة كفره على راسه، بعد الأمر بوضعه على أسنمة القبور، حسبما ثبت في الحديث المشهور، لحملتكم يا بني سام وحام، على الغيرة وشائج الأرحام، فقد علمتم بنصّ الأثر أني عمّتكم القديمة، وإن لم أكن لذلك بأهل فإني لكم اليوم خديمة، أو من ذرّيّة الفريق الموجب المضروب به المثل يوم السّقيفة، لمن رام من أشراف الأندلس أن يكون إذ ذاك خليفة. وخالة أبي كانت النخلة البرشاء الكبيرة، التي حادثها الأمير عبد الرحمن بالرّصافة القريبة من كورة إلبيرة. فكيف
يسهل اليوم عليكم إهمالي، ويجمل لديكم إخمالي، وترك احتمالي، والأيام والحمد لله مساعدة، والملك ملك بني ساعدة؟ فلمّا سمعت عتابها، وعلمت أنها قد شدّت للمناضلة أقتابها، قلت لها: أهلا بك وسهلا، ومهلا عليك أو بهلا، لقد دسع بعيرك، وعادت بالخيبة عيرك. فليست الحقيقة كالمجاز، ولا جلّيقية في النّيّات كالحجاز. هنا جنّات من أعناب مرسلة الذّيول، مكملة الأطناب، قد طاب استيارها، وحمد اختبارها واختيارها، وعذبت عيون أنهارها، وتفتّحت كمائم أزهارها، عن وردها ونرجسها وبهارها، وسرت بطرف محاسنها الرّفاق، حتى قلقت منها الشّام واليمن والعراق. فحين كثر خيرها، سحر بالضّرورة غيرها، وأنت لا كنت يا خشبة، قد صرت من المنال عشبة، وأصبحت نذلي خالفة، ورذلي بالهم تالفة، لا يجتنى بلحك ولا طلعك، ولا يرتجى نفعك، فالأولى قطعك أو قلعك، وإلّا فأين قنوك أو صنوك، أو تمرك أو سبرك؟ هلا أبقيت يا فسيلة على نفسك، وراعيته صلحة جنسك؟ ولقد انتهت بك المحارجة إلى ارتكاب ما لا يجوز، وفي علمك أنّ من أمثال الحكماء كل هالك عجوز. حسبك السّمح لك بالمقام، ما دمت حيّة في هذا المقام. فانقطع كلامها، وارتفع بحكم العجز ملامها. وما كان إلّا أن نقل مقالي، فقال المتكلم بلسان القالي: أنا أتطوّع بالجواب، وعلى الله جزيل الثّواب، ليعلم كلّ سائل، أنّ تفضيل النخل على العنب من المسائل التي لا يسع فيها جحد جاحد، وإن كانا أخوين سقيا بماء واحد. وقد جرى مثل هذا الخطاب بين يدي عمر بن الخطاب، فقيل: يا بني حتمة: أيهما أطيب، الرّطب أم العنب؟ فقال: ليس كالصقر، في رؤوس الرّقل، الراسخات في العقل، المطعمات في المحل، تحفة الصّائم، ونقلة الصّبي القادم، ونزل مريم بنت عمران، والنخلة هي التي مثّل بها المؤمن من الإنسان، ليس كالزّبيب الذي إن أكلته ضرست، وإن تركته غربت، وكفى بهذه الرواية حجّة، لمن أراد سلوك المحجّة. وعلى كل تقدير، فقد لزم التفضيل للنخلة على الكرمة لزوم الصّلة للموصول، والنّصب للمنادى الممطول، والعجز لكتابي المحصّل والمحصول. وكم على ترجيح ذلك من قياس صحيح، ونقل ثابت صريح. قال:
واعتذاركم بالمهرمة، عن فعل المكرمة، لأمة في تلك الطّباع كامنة، وسامة للتّلف لا للخلف ضامنة. وذكرتم الثّمرة والبسرة، والوقت ليس بوقت عسرة، فأذكرتم قول القائل، في بعض المسائل: دعنا من تمرتان وبسرتان أو تمرتين وبسرتين، على الوجهين، المتوجّهين في المسلتين، وفي ضمن ذكركم لذلك أدلّة صدق على
تطلّع النفس الفقيرة، للأعراض التافهة الحقيرة، والإمامة العظمى، أجلّ عندنا وأسمى، من أن تلحظ بعينها تلك الملاحظ، ولواصل لديها مراتبها وأفكارها ببيانه وتبيانه عمرو بن بحر الجاحظ، إذ هي كافأ الله فضلها ولا قلّص ظلّها كالسّحاب، نجود بغيثها على الآكام والضّراب، ومنابت الشجر من التّراب، فضلا عن الخدمة والأتراب، فليس يضيع مع جميل نظرها ذو نسب، ولا يجهل في أيامها السّعيدة مقدار منتسب إلى حسب. وإن وقعت هفوة صغيرة، أعقبتها حسنة كبيرة، ومنن أثيرة، ونعم كثيرة. ولم لا، وروح أمرها، ومذهب نصرة جمرها، علم السادة للقادة الأكابر، المغرم بجبر كل كسير، وناهيك من به جابر الرازي، ذكر مآثره بعرف أطيب الطّيب، الوزير أبو عبد الله بن الخطيب. والمطلوب منه لهذه الشجرة الثّرما، الغريبة الشّما، التي أصلها ثابت وفرعها في السما، إنما هو يسير بنا، وظهير اعتنا، وخنجر يرما، لعل عباسة أديم دوها أن تذهب، وأكمام كباسة قنوها أن تفضّض بنعيم النضارة ثم تذهّب، ويعود إليها شرخ شبابها، وتستحكم صفرة ثيابها، وخضرة جلبابها، وذلك كله بمنّ اللطيف الخبير، من أسهل العمل على مجد الأمير، وفضل الوزير، إذ هما، دام عزّهما، على بيّنة من أن الإحسان ألقاح، والشكر نتاجه، والثناء إكليل، وهو في الحقيقة تاجه. قال المسلم: ومن يا إخوتي، لعلّي بمعارضة الحافظ أبي علي، ولو أني اشتملت شملة النّضر بن شميل، وأصبحت أفصح من عامر بن الطّفيل، وأخطب من شبيب، وأشعر من حبيب، وجزت من طرق الجدال، منازل نقدة صدور الأبدال. وعلى أنه ما قال إلّا حقّا، فبعدا للمرء وسحقا. ولكني أقسم عليكم بمقدّر الضّيا والحلك، ومسخّر نجوم الفلك، بإصابة الأعراب، وأصحاب الإغراب، وأرباب فنون الإعراب، ألا ما تأمّلتم فصول هذه المقالة، وأفتيتم بما يترجّح فيها لديكم من نسخ أو فسخ أو إجادة أو إقالة، فأنتم علماء الكلام، وزعماء كتائب الأقلام، والمراجعات بين شقاشق الرجال شنشنة معروفة، وطريقة إليها الوجوه في كثير من المخاطبات مصروفة، لا زلتم مذكورين في أهل البيان، مشكورين على بذل الفضل مدى الأحيان. والله سبحانه يجعل التّوفيق حاديكم، ونور العلم هاديكم، ومنه نسل، جلّ اسمه، التطهير من كل معابة، والسّمح فيما تخلّل هذه المقامة من دعابة، والتحية الكريمة مع السلام الطيب المعاد، يعتمد من يقف عليها من الآن إلى يوم المعاد، والرّحمات والمسرات، والبركات والخيرات، من كاتبها علي بن عبد الله بن الحسن، أرشده الله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع