من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
علي بن محمد بن دري
المقرئ الفقيه، الخطيب أبو الحسن، الإمام بجامع غرناطة، أصله من طليطلة.
حاله: كان من خيار الناس وفضلائهم، وأهل المعرفة منهم، عارفا بإقراء كتاب الله، ﷿، والرواية للحديث. أخذ الناس عنه، وكانت عنده مشاركة ومسارعة لقضاء الحوائج، والمشي للإصلاح بين الناس، والإشفاق على المساكين، كثير الصدقة، والسّعي في فداء الأسرى، والوسائط الجميلة في مهمّات الأمور ومشكلاتها.
دخل رجل تاجر غريب الميضأة للوضوء، فنسي بها وعاء فيه جملة مال، فتذكّر له، فرجع ولم يجده، فسقط مغشيا عليه، فاجتمع عليه الناس، وهو يقول: مالي، ووافق خروج الأستاذ أبي الحسن المذكور من الجامع، فسأل عنه، فجالس أذنه، فقال:
مالك عندي وديعة تركته أنت عندي، وإذا كان بعد صلاة العصر تأخذه. فقام الرجل، فكأنما نشط من عقال، ومشى الخطيب في حينه إلى مشرف غرناطة ابن مالك، فقال له: إني اشتريت لك قصرا في الجنة، بخمسمائة دنير، وأنا الضّامن لذلك، فشكره، وأخبره الخطيب بالقصة، فدفع إليه المال، فدفعه إلى الرجل. وكان الناس لا يتوقّفون له في أمر.
مشيخته: روى بطليطلة عن أبي عبد الله المقامي، وعن أبي مسلم الضرير المقرئ، والقاضي أبي الوليد الوقّشي، وأخذ عن أبوي علي الصّدفي والغساني، وعن أبي مروان بن سراج، وابنه سراج.
وفاته: توفي بغرناطة في رمضان سنة عشرين وخمسمائة، وصلّى عليه القاضي أبو القاسم بن ورد، ودفن في مقبرة باب إلبيرة، وكانت جنازته حافلة، وتفجّع الناس عليه، وأخلصوا الدعاء له.
وممن رثاه أبو عبد الله بن أبي الخصال بقوله:
عتاب وما يغني العتاب على الزمنوشكوى كما تشكو الرّياح إلى السفن
وما رضيت بعد الغضارة أيكةنبحت ولكن عالم الكون ممتحن
وماذا عليه والسّلامة حظّهبأن تتخطاه النّوائب والمحن
فليت كريما ينعش الناس خيرهيعمّر فيها عمره الآن أو حضن
ولكنه يمضي كظلّ غمامةويبقى لسمّ سرّه غير مؤتمن
يودّ الفتى طول البقاء وطولهيورّثه ثكل الأحبّة والبدن
وأيّ اغتباط في حياة مرزّءايروح على بثّ ويغدو على شجن
زيادته نغص وجدّته بلىوراحته كرب وهدنته دخن
إذا فوّق السّهم المصيب فقلبهومن صار فيه من أحبّته فنن
فيا عجبا للمرء يلتذّ عيشهمعايش قد لزّت مع الموت في قرن
أرى كلّ حيّ للمنيّة حاملافيا ويحه ممّا تحمّل واحتضن
إذا زادت الأيام فينا إساءةنزيد على علم بما ساء حسن ظنّ
ولم أر مثل الموت حقّا كباطلوكلّ قباء ليس بالموت مرتهن
أإخواننا، لم تبق إلّا تحيّةأرقّي بها تلك المعاهد والدّمن
أإخواننا، هل تسمعون تحيّتيوذو كلم ما تحجب السّرّ والعلن؟
أبا الحسن، خلّد في الجنان منعّماجزاء بما أسلفت من سعيك الحسن
يطير فؤادي روعة فإذا رأىمحيّاك في دار الغنا والرّضا سكن
وقد كنت ترتاد المواطن إذ نبتفبوّأك الرحمن فردوسه وطن
وبتّ معنّى بالجلاء فنلتهوقد كان حاديه يغرّد بالظّعن
ولم ترض إلّا الأرض هجرتك التيتخيّرها الأولياء على القنن
وفي مثلها أنّ الرسول مهاجرلسعد وقد واراه أكرم مدفن
على أنك المدعوّ من كل بلدةهلمّ فإنّا دونك الحجب الجنن
سيرضيك من أرضيته في عبادهوجاهدت فيه بالفروض وبالسّنن
ويبقى كما بقيت بعدك أنهلهم فلما استهوتهم روعة سكن
ويحفظهم حفظ اليتيمين أيّدابوقع جدار قد تداعى وقد وهن
أبا الحسن، إنّ المدى، بعد ما بدا،طويل، ولا يعتدّ في جنب ما بطن
وأسير وجد في فراقك أنهسيبقى عليك الوجد ما بقي الزمن
سقى الله والسّقيا بكفّيه تربةمباركة ضمّتك أسرع ما هتن
ولا برحتها ديمة مستهلةإذا ركضتها الرّيح قام بها جرن
فلا زلت في روض وروح ورحمةومقبرة تترى على ذلك الجنن
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع