تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

علي بن عمر بن إبراهيم ابن عبد الله الكناني القيجاطي

يكنى أبا الحسن، أصله من بسطة، واستوطن غرناطة، حتى عدّ من أهلها قراءة وإقراء ولزوما.

حاله: من «العائد»: أوحد زمانه علما وتخلّقا وتواضعا وتفنّنا. ورد على غرناطة مستدعى عام اثني عشر وسبعمائة، وقعد بمسجدها الأعظم يقرئ فنونا من العلم، من قراءات وفقه وعربية وأدب. وولّي الخطابة، وناب عن بعض القضاة بالحضرة، مشكور المأخذ، حسن السّيرة، عظيم النفع. وقصده الناس، وأخذ عنه البعيد والقريب. وكان أديبا لو ذعيّا، فكها، حلوا، وهو أول أستاذ قرأت عليه القرآن والعربية والأدب، إثر قراءة المكتب.

مشيخته: قرأ على أبيه ببلده بسطة القرآن، بالرّوايات السبع، وجمعها في ختمة، وعلى الأستاذ أبي عبد الله بن مساعد الغسّاني. وقرأ بغرناطة القرآن على الأستاذ أبي عبد الله بن مستقور، والأستاذ أبي جعفر الطبّاع، والأستاذ الشهير أبي الحسن بن الضايع، والأستاذ النحوي أبي الحسن الأبّدي، وعلى القاضي أبي عمرو بن الرّندي، والفقيه القاضي أبي علي بن الأحوص، وعلى الفقيه النّسابة أبي جعفر بن مسعدة، والأستاذ العلامة أبي جعفر بن الزبير. ولقي الشيخ الصالح وليّ الله أبا إسحاق بن عبيدس، وحضر مجالسه العامة. وذكر أنه كان يفتتح مجلسه الذي يتكلم فيه بقوله: لا حول ولا قوة إلّا بالله، كنز من كنوز الجنة، رزقنا الله الأدب مع الله، واستعملنا فيما يرضيه، ويرضي رسوله، وجعل حظّنا في الدار الآخرة. ولقي الإمام بجامع بسطة الخطيب الراوية أبا الحسن بن نافع، وغيرهم، وله تواليف في

فنون، وشعر، ونثر. فمن شعره قوله:

روض المشيب تفتّحت أزهارهحتى استبان ثغامه وبهاره
ودجى الشباب قد استبان صباحهوظلامه قد لاح فيه نهاره
فأتى حمام لا يعاف وقوعهومضى غراب لا يخاف مطاره
والعمر مثل البدر يرمق حسنهحينا ويعقب بعد ذاك سراره
ما للإخاء تقلّصت أفياؤهما للصّفاء تكدّرت آثاره
والحرّ يصفح إن أخلّ خليلهوالبرّ يسمح إن تجرّأ جاره
فتراه يدفع إن تمكن جاههوتراه يرفع إن علا مقداره
ولأنت تعلم أنني زمن الصّباما زلت زندا والحياء سواره
والهجر ما بين الأحبّة لم يزلترك الكلام أو السّلام مثاره
ولكم تجافى عن جفاء خليلهفطن وقد ظفرت به أظفاره
ولكم أصرّ على التّدابر مدبرأفضى إلى ندم به إصراره
فأقام كالكسعيّ بان نهارهأو كالفرزدق فارقته نواره
أنكرتم من حقّ معترف لكمبالحقّ ما لا ينبغي إنكاره
والشّرع قد منع التقاطع نصّهقطعا وقد وردت به أخباره
والسّنّ سنّ تورّع وتبرّعوتسرّع لتشرّع تختاره
ما يومنا من أمسنا قدك اتّئدذهب الشّباب فكيف يبقى عاره؟
هلّا حظرتم أو حذرتم منه ماحقّ عليكم حظره وحذاره
عجبا لمن يجري هواه لغايةمحدودة إضماره مضماره
يأتي ضحى ما كان يأتيه دجىفكأنّه ما شاب منه عذاره
فيعدّ ما تفنى به حسناتهويعيد ما تبقى به أوزاره
فالنفس قد أجرته ملء عنانهيشتدّ في مضمارها إحضاره
والمرء من إخوانه في جنّةبل جنّة تجري بها أنهاره
فاليمن قد مدّت إليه يمينهواليسر قد شدّت عليه يساره
شعر به أشعرت بالنصح الذييهديه من أشعاره إشعاره
ولو اختبرتم نقده بمحكّهلامتاز بهرجه ولاح نضاره
هذا هدى فيه اقتده تنل المنىأو أنت في هذا وما تختاره
وعليكم مني سلام مثل ماأرجت بروض يانع أزهاره

ومن شعره في الرّثاء قوله من قصيدة:

حمام حمام فوق أيك الأسى تشدوتهيج من الأشجان ما أوجد الوجد
وذلك شجو في حناجرنا شجىوذلك لهو في ضمائرنا جدّ
أرى أرجل الأرزاء تشتدّ نحوناوأيديها تسعى إلينا فتمتدّ
ونحن أولو سهو عن الأمر ما لناسوى أمل إيجابنا عنده جحد
فإن خطرت للمرء ذكرى بخاطرفتسبيحة السّاهي إذا سمع الرّعد
مصاب به قدّت قلوب وأنفسلدينا إذا في غيره قطعت برد
تلين له الصّمّ الصّلاب وتنهميعيون ويبكي عنده الحجر الصّلد
فلا مقلة ترنو ولا أذن تعيولا راحة تعطو ولا قدم تعدو
وقد كان يبدو الصّبر منّا تجلّداوهذا مصاب صبرنا فيه لا يبدو

مولده: عام خمسين وستمائة.

وفاته: توفي بغرناطة ضحى يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي حجة من عام ثلاثين وسبعمائة، ودفن في عصر اليوم بعد بجبانة باب إلبيرة. وكان الحفل في جنازته عظيما، حضرها السلطان، واحتمل الطلبة نعشه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.