تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

علي بن علي بن عتيق بن أحمد بن محمد ابن عبد العزيز الهاشمي

من أهل غرناطة، ويعرف بالقرشي.

حاله: كان، ﵀، على طريقة مثلى، حياء ووقارا وصمتا، وانقباضا وتخلّقا وفضلا، عاكفا على الخير، كثير الملازمة لكسر البيت، مكبّا على المطالعة، مؤثرا للخلوة، كلفا بطريق الصوفية. كتب الشروط لأول أمره، فكان صدرا في الإثبات، وعلما في العدول، إلى لين الجانب، ودماثة الخلق، وطهارة الثوب، وحسن اللقاء، ورجوح المذهب، وسلامة الصدر. قيّد الكثير، ولقي في تشريقه أعلاما أخذ عنهم. وتقدّم خطيبا وإماما بالمسجد الأعظم في غرناطة، عام أحد عشر وسبعمائة، واستمرّت حاله، إلى حين وفاته، على سنن أولياء الله الصالحين.

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، ولازمه وتأدّب به، وتلا عليه بالقراءات السبع، وسمع كثيرا من الحديث، وعلى الخطيب الولي أبي الحسن بن فضيلة، والشيخ الخطيب أبي عبد الله بن صالح الكناني، سمع عليه الكثير، قال:

أنشدني الخطيب أبو محمد بن برطلة:

أسلمني للبلا وحيدامن هو في ملكه وحيد
قضى عليّ الفناء حتمافلم يكن عنه لي محيد
وكيف يبقى غريق نزىفذاته أولا صعيد
يعيد أحواله إليهمن نعته المبدىء المعيد

وأخذ عن الشيخ الراوية المحدّث أبي محمد بن هارون الطائي، والشيخ الراوية المعمر أبي محمد الخلاسي، والشيخ الشريف تاج الدين أبي الحسن العرامي، والشيخ المحدّث الإمام شرف الدين أبي محمد عبد المؤمن الدمياطي، والشيخ رضيّ الدين الطبري، والمحدّث الحافظ فخر الدين التودري الميكالي؛ قال: وأنشدني من لفظه بالحرم الشريف لشيخه الإمام أبي الحسن الخزرجي:

عن أهيل المنحنى لا أصبرفاعذلوني فيهم أو فاعذروا
فيه أحبابي وإن هم عذّبواومنائي وصلوا أم هجروا

والشيخ المحدّث المفتي بالحرم الشريف، رضي الدين محمد بن أبي بكر بن خليل؛ قال: وأنشدني لبعض شيوخه:

أفي كل واد شاعر ومطيبوفي كل ناد منبر وخطيب؟
نعم كثر الأقوام قلّة ناقدلهم فتساوى مخطئ ومصيب

والشيخ المحدّث الإمام أنس الدين ابن الإمام قطب الدين القسطلانيّ، والأديب الواعظ نفيس الدين بن إبراهيم اللمطي؛ قال: وأنشدني إجازة عن الشيخ الإمام شرف الدين أبي الفضل السلمي المرسي من قصيدة:

إذا جئت ألقى عند بابك حاجبامحيّاه من فرط الجهامة حالك
ومن عجب مغناك جنّة قاصدوحاجبها من دون رضوان مالك

والشيخ الإمام تقي الدين بن دقيق العيد، وأبي العباس بن الظاهري، ومحيي الدين بن عبد المنعم، ومحمد بن غالب بن سعيد الجيّاني، والخطيب الجليل أبي عبد الله بن رشيد من أهل المغرب. وكتب له الشريف أبو علي الحسن بن أبي الشرف، والعدل أبو فارس الهواري، وأبو القاسم بن الطيب، وأبو بكر بن عبيدة، وأبو إسحاق الغافقي، وأبو عبد الله الدرّاج، وأبو الحكم مالك بن المرحّل، وأبو إسحاق التّلمساني، وغيرهم.

تواليفه: صنّف في التصوّف كتابا سماه «مطالع أنوار التحقيق والهداية» وكتابا في غرض «الشفا» العياضي. ومن شعره، ثبتّ بظهر الكتاب المسمّى ب «الموارد المستعذبة» من تأليف شيخنا أبي بكر بن الحكيم ما نصّه:

كتابك ذا من هوته المفاخرسنا وسنا راق منه زواهر
لقد جاء كالعقد المنظّم ناثرافرائد قسّ عنك في ذاك قاصر
بلاغته في القوم تشهد عندماتشكك فيه أنه عنك صادر
فلله من روض أنيق غصونهبما تتمنّاه فزاه وزاهر
فما شئته تجده فيه فإنهلناظره بحر بها هو زاخر
فنهنيكم بابن الألى شاع مجدهمقيادكم مجد بذاتك آخر
أتيت بما فيه تبثّ حياة منحوته على مرّ الدهور المقابر
وأبديت فيه سحر لفظك رائقاتلذّ به الأجفان وهي سواهر
ومتّعت طرفي فيه لا زلت باقيانحا بك ربيّ يوم تبلى السرائر
وخصّك منّي بالسلام مردّداعليك مدى الدنيا وما طار طائر

مولده: في حدود سنة سبع وستين وستمائة.

وفاته: في صفر من عام أربعة وأربعين وسبعمائة. وكانت جنازته بالغة أقصى مبالغ الاحتفال، وتزاحم الناس على قبره بما بعد العهد به.

وممن رثاه شيخنا أبو الحسن بن الجياب فقال:

قضي الأمر، فيا نفس اصبريصبر تسليم لحكم القدر
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وعزاء يا فؤادي إنّهحكم ملك قاهر مقتدر
حكمة قد أحكمت تدبيرهانحن منها في سبيل السّفر
أجل مقتدر ليس بمستقدم منه ولا مستأخر
أحسن الله عزاء كلّ ذيخشية من ربّه في عمر
في أمانيّ التّقيّ الخاشع الطاهر الذات الزّكيّ السبر
قرشيّ من سليم مستقىمن صميم الشّرف المطّهّر
يشهد الليل دليلا أنهدائم الذّكر طويل السّهر
في صلاة بعثت وفدا لهازمر للمصطفى من مضر
نائما أو راكعا أو ساجدالطلوع فجره المنفجر
جمع الرحمن شملينا غدابحبيب الله خير البشر
وتلقّته وفود، رحمة اللّه تأتي بالرّضى والبشر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.