تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الفتح بن علي بن أحمد بن عبيد الله الكاتب المشهور

من قرية تعرف بصخرة الواد من قرى قلعة يحصب، يكنى أبا نصر، ويعرف بابن خاقان.

حاله: كان آية من آيات البلاغة، لا يشقّ غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوبا بأطراف الكلام، معجزا في باب الحلى والصفات، إلّا أنه كان مجازفا، مقدورا عليه، لا يملّ من المعاقرة والقصف، حتى هان قدره، وابتذلت نفسه، وساء ذكره، ولم يدع بلدا من بلاد الأندلس إلّا دخله، مسترفدا أميره، وواغلا على عليته. قال الأستاذ في «الصلة»: وكان معاصرا للكاتب أبي عبد الله بن أبي الخصال، إلا أنّ بطالته أخلدت به عن

مرتبته. وقال ابن عبد الملك: دخل يوما إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمرا، فتنسّم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت، وحدّه حدّا تاما، وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحدّ، بثمانية دنانير وعمامة. فقال الفتح حينئذ لبعض أصحابه: عزمت على إسقاط اسم القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم ب «قلائد العقيان» قال: فقلت: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك؟ فقلت له: قصّتك معه من الجائز أن تنسى، وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كلّ من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك، فيقال له، [اتّفق معك كيت وكيت] فيتوارث العلم عن الأكابر الأصاغر، قال: فتبين له ذلك، وعلم صحته وأقرّ اسمه.

وحدّثني بعض الشيوخ أنّ سبب حقده على ابن باجة أبي بكر، آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس، ما كان من إزرائه به، وتكذيبه إياه في مجلس إقرائه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس، [ويذكر الفخر بذلك]، ووصف حليا، وكانت تبدو من أنفه فضلة خضراء اللون. زعموا، فقال له: فمن تلك

الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك؟ فثلبه في كتابه بما هو معروف في الكتاب.

وعلى ذلك فأبو نصر نسيج وحده، غفر الله تعالى له.

مشيخته: روى عن أبوي بكر: ابن سليمان بن القصيرة، وابن عيسى ابن اللبّانة، وأبي جعفر بن سعدون الكاتب، وأبي الحسن بن سراج، وأبي خالد بن مستقور، وأبي الطيّب بن زرقون، وأبي عبد الله بن خلصة الكاتب، وأبي عبد الرحمن بن طاهر، وأبي عامر بن سرور، وأبي محمد بن عبدون، وأبي الوليد بن حجاج، وابن دريد الكاتب.

تواليفه: ومصنفاته شهيرة: منها «قلائد العقيان»، و «مطمح الأنفس»، و «المطمح» أيضا. وترسيله مدوّن، وشعره وسط، وكتابته فائقة.

شعره: من شعره قوله، وثبت في قلائده، يخاطب أبا يحيى ابن الحجاج»

أكعبة علياء وهضبة سؤددوروضة مجد بالمفاخر تمطر
هنيئا لملك زان نورك أفقهوفي صفحتيه من مضائك أسطر
وإني لخفّاق الجناحين كلّماسرى لك ذكر أو نسيم معطّر
وقد كان واش هاجنا لتهاجرفبتّ وأحشائي جوى تتفطّر
فهل لك في ودّ ذوى لك ظاهراوباطنه يندى صفاء ويقطر
ولست بعلق بيع بخسا وإننيلأرفع أعلاق الزمان وأخطر

فروجع عنه بما ثبت أيضا في قلائده ممّا أوله:

ثنيت، أبا نصر، عناني، وربّماثنت عزمة السّهم المصمّم أسطر

نثره: ونثره شهير، وثبتّ له من غير المتعارف من السّلطانيات ظهيرا كتبه عن بعض الأمراء لصاحب الشرطة، ولا خفاء بإدلاله وبراعته: كتاب تأكيد اعتناء، وتقليد ذي منّة وغناء، أمر بإنفاذه فلان، أيّده الله تعالى، لفلان ابن فلان صانه الله تعالى، ليتقدّم لولاية المدينة بفلانة وجهاتها، ويصرخ ما تكاثف من العدوان في جنباتها، تنويها أحظاه بعلائه، وكساه رائق ملائه، لما علمه من سنائه، وتوسّمه من غنائه، ورجاه من حسن منابه، وتحققّه من طهارة ساحته وجنابه، وتيقّن- أيّده الله تعالى! أنه مستحق لما ولّاه، مستقل بما تولّاه، لا يعتريه الكسل، ولا يثنيه عن إمضاء الصوارم والأسل، ولم يكل الأمر منه إلى وكل، ولا ناطه مناط عجز ولا فشل، وأمره أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، وليعلم أنه زاجره عن الجور وناهيه، وسائله عمّا حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ

فليتقدم لذلك بحزم لا يحمد توقدّه، وعزم لا ينفد تفقّده، ونفس مع الخير ذاهبة، وعلى سنن البرّ والتقوى راكبة، ويقدّم للاحتراس من عرف اجتهاده، وعلم أرقه في البحث وسهاده، وحمدت أعماله، وأمن تفريطه وإهماله، ويضمّ إليهم من يحذو حذوهم، ويقفو شأوهم، ممّن لا يستراب بمناحيه، ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه، وأن يذكي العيون على الجناة، وينفي عنها لذيذ السّنات، ويفحص عن مكامنهم، حتى يغصّ بالروع نفس آمنهم، فلا يستقرّ بهم موضع، ولا يقرّ منهم مخبّ ولا موضع، فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه، وبثّ السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه، فإن لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء، وتعدّاها البغي والافتراء، نكّله بالعقوبة أشدّ نكال، وأوضح له منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ أناه، ويقف على طرف مداه، وحدّ له ألّا يكشف بشرة إلّا في حدّ يتعيّن، وإن جاءه فاسق أن يتبيّن، وأن لا يطمع في صاحب

مال موفور، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور، وأن يسلك السّنن المحمود، وينزّه عقوبته من الإفراط وعفوه من تعطيل الحدود. وإذا انتهت إليه قصّة مشكلة أخّرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر منه على ردّه، فقد يتبيّن في وقت ما لا يتبيّن في وقت، والمعاجلة بالعقوبة من المقت، وأن يتغمّد هفوات ذوي الهيئات، وأن يستشعر الإشفاق، ويخلغ التّكبّر فإنه من ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد الله اعتقاده، ولا يرفض زمام العدل ولا مقاده، وأن يعاقب المجرم قدر زلّته، ولا يعتزّ عند ذلّته، وليعلم أنّ الشيطان أغواه، وزيّن له مثواه، فيشفق من عثاره، وسوء آثاره، وليشكر الله على ما وهبه من العافية، وأكسبه من ملابسها الضّافية، ويذكره جلّ وتعالى في جميع أحواله، ويفكّر في الحشر وأهواله، ويتذكّر وعدا ينجز فيه ووعيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً

. والأمير أيّده الله، وليّ له ما عدل وأقسط، وبرىء منه إن جار وقسط. فمن قرأه فليقف عند حدّه ورسمه، وليعرف له حقّ قطع الشّرّ وحسمه، ومن وافقه من شريف أو مشروف، وخالفه في شيء منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرّض من العقاب لما يذيقه وبال خبله، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ

. وكتب في كذا.

وفاته: بمرّاكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة وعشرين وخمسمائة، ألفي قتيلا ببيت من بيوت فندق لبيب أحد فنادقها، وقد ذبح وعبث به، وما شعر به إلّا بعد ثلاث ليال من مقتله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.