من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة الثَّالِثَة
الصفحة ١ من ٢
عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام الرِّضَا بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان أَبُو الْمطرف
وَهُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَوْسَط وَالرَّابِع من خلفاء بني أُميَّة بالأندلس بُويِعَ لَهُ يَوْم وَفَاة أَبِيه الحكم الْمَعْرُوف بالربضى يَوْم الْخَمِيس لثلاث وَقيل لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ
وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وَكَانَ فصيحاً مفوهاً شَاعِرًا مَعَ سَعَة الْعلم والحلم وَقلة الْقبُول للبغى والسعايات وَهُوَ الَّذِي أستكمل فخامة الْملك بالأندلس وكسا الْخلَافَة أبهة الْجَلالَة وَظهر فِي أَيَّامه
الوزراء والقواد وَأهل الكور وشيد الْقُصُور وجلب الْمِيَاه من الْجَبَل وَبنى الرصيف على الْوَادي وَهُوَ الْقَائِل متشوقاً ومفتخراً
فقدت الْهوى مذ فقدي الحبيبافَمَا أقطع اللَّيْل إِلَّا نحيباً
وَإِمَّا بَدَت لي شمس النَّهَارطالعة ذَكرتني طروباً
فيا طول شوقي إِلَى وَجههَاوَيَا كبداً أورثتها ندوباً
وَيَا أحسن الْخلق فِي مقلتيوأوفرهم فِي فُؤَادِي نَصِيبا
لَئِن حَال دُونك بعد المزارمن بعد أَن كنت مني قَرِيبا
لقد أورث الشوق جسمي الضنىوأضرم فِي الْقلب مني لهيبا
عداني عَنْك مَزَار العداوقودي إِلَيْهِم لهاماً لهيبا
كأين تخطيت من سبسبوجاوزت بعد دروب دروبا
أُلَاقِي بوجهي حر الهجيرإِذا كَاد مِنْهُ الْحَصَى أَن يذوبا
وأدرع النَّقْع حَتَّى لبستمن بعد نَضرة وَجْهي شحوبا
أُرِيد بِذَاكَ ثَوَاب الْإِلَهوَمن غَيره أبتغيه مثيبا
أَنا ابْن الهشامين من غَالبأشب حروباً وأطفي حروبا
بِي أدارك الله دين الْهدىفأحييته وأصطلمت الصليبا
سموت إِلَى الشّرك فِي جحفلمَلَأت الحزون بِهِ والسهوبا
وَذكر سكن بن إِبْرَاهِيم الْكَاتِب وَغَيره أَنه أَمر
لجارية من حظاياه بِعقد جَوْهَر كَانَت قِيمَته عشرَة أُلَّاف دِينَار فَجعل بعض من حَضَره من وزرائه وخاصته يعظم ذَلِك عَلَيْهِ وَيَقُول إِن هَذَا من الأعلاق المضنون بهَا المدخرة للنائبة فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن وَيحك إِن لابس العقد أنفس خطراً وَأَرْفَع قدرا وَأكْرم جوهراً وَلَئِن راق من هَذِه الْحَصْبَاء منظرها ولطف إفرندها لقد برأَ الله من خلقه البشري جوهراً تعشى مِنْهُ الْأَبْصَار وتتيه الْأَلْبَاب وَهل على الأَرْض من شرِيف جوهرها وسنى زبرجها ومستلذ نعيمها وفاتن بهجتها أقرّ لعين أَو أجمع لزين من وَجه أكمل الله حسنه وَألقى عَلَيْهِ الْجمال بهجته ثمَّ دَعَا بِعَبْد الله بن الاشمر شاعره وجليسه فَذكر لَهُ مَا كَانَ بَينه وَبَين وزيره فِي شَأْن العقد وَقَالَ هَل يحضرك
شَيْء فِي تَأْكِيد مَا أحتججنا بِهِ قَالَ نعم وأطرق بريهة ثمَّ أنشأ يَقُول
أتقرن حَصْبَاء اليواقيت والشذرإِلَى من تَعَالَى عَن سنا الشَّمْس والبدر
إِلَى من برت قدماً يَد الله خلقهوَلم يَك شَيْئا غَيره أحد يبرى
فَأكْرم بِهِ من صِيغَة الله جوهراًتضاءل عَنهُ جَوْهَر الْبر وَالْبَحْر
لَهُ خلق الرَّحْمَن مَا فِي سمائهوَمَا فَوق أرضيه وَمكن فِي الْأَمر
فأعجب الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ببديهته وتحرك طبعه لِلْقَوْلِ وَأَنْشَأَ يَقُول مناغياً على رويه
قريضك يَا ابْن الشمر عفى على الشّعْروأشرق بالإيضاح فِي الْوَهم والفكر
إِذا جال فِي سمع يُؤدى بسحرهإِلَى الْقلب إبداعاً يجل عَن السحر
وَهل برأَ الرَّحْمَن فِي كل مَا براأقرّ لعين من منعمة بكر
ترى الْورْد فَوق الياسمين بخدهاكَمَا فَوق الرَّوْض الْمنور بالزهر
فَلَو أنني ملكت قلبِي وناظرينظمتهما مِنْهَا على الْجيد والنحر
فَقَالَ لَهُ ابْن الشمر يَا ابْن الخلائف شعرك وَالله أَجود من شعري
وثناؤك عَلَيْهِ أفضل من صلتي وَمَا منحتك لي إِلَّا تطولاً مِنْك بِغَيْر إستحقاق مني فأضعف جائزته وَأكْثر الثَّنَاء عَلَيْهِ
وَله أَيْضا فِي النسيب
قتلتني بهواكاوَمَا أحب سواكا
من لي بِسحر جفونتدبره عيناكا
وَحُمرَة فِي بَيَاضتُكْسَى بِهِ وجنتاكا
أعطف على قَلِيلاوأحيني برضاكا
فقد قنعت وحسبيبِأَن أرى من رآكا
وَحكى ابْن فرج صَاحب كتاب الحدائق أَنه فرق فِي يَوْم فصد لَهُ بَدْرًا على من حَضَره وَعبيد الله بن قرلمان أحد خواصه ومواليه غَائِب فِي باديته فابتدر فَوجدَ أمرا قد نفذ فَكتب إِلَيْهِ بِأَبْيَات مِنْهَا
يَا ملكا حل ذرى الْمجدوَعم بالإنعام والرفد
طُوبَى لمن أسمعته دَعْوَةفِي يَوْمك المأنوس بالفصد
فظل ذَاك الْيَوْم من قصفهمستوطناً فِي جنَّة الْخلد
وَقد عداني أَن أرى حَاضراجد مَتى يحظى الورى يكد
فأمنن بتنويلي جدا لم يزليعي أهل الْقرب والبعد
فَوَقع فِي أَسْفَل كِتَابه من آثر التضجع فليرض بحطه من النّوم فجاوبه ابْن قرلمان بِأَبْيَات أَولهَا
(لَا نمت إِن كنت يَا مولَايَ محروماً ...)
فَأمر لَهُ بالصلة ورد فِي جَوَابه
لَا غرو أَن كنت مَمْنُوعًا ومحروماًإِذْ غبت عَنَّا وَكَانَ الْعرف مقسوماً
فَلَنْ ينَال امْرُؤ من حَظه أملاًحَتَّى يشد على الإجهاد حيزوماً
فهاك من سيبنا مَا كنت تَأملهإِذْ حمت فَوق رَجَاء الْورْد تحويماً
ابْنه الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَبُو عبد الله
بُويِعَ لَهُ فِي صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي توفّي فِيهَا أَبوهُ وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ أَيمن الْخُلَفَاء بالأندلس ملكا وأسراهم نفسا وَأكْرمهمْ تثبتاً وأناة وَكَانَ السعى عِنْده سَاقِطا يجمع إِلَى هَذِه الْخلال الشَّرِيفَة البلاغة وَالْأَدب وَتُوفِّي يَوْم الْخَمِيس منسلخ صفر وَقيل لليلة بقيت مِنْهُ سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن خمس وَسِتِّينَ سنة فَكَانَت خِلَافَته أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَأحد عشر شهرا وَهُوَ الْقَائِل فِي مُنْصَرفه من بعض غَزَوَاته
قفلت فأغمدت السيوف عَن الْحَرْبوَمَا أغمدت عني السيوف من الْحبّ
صدرت وَبِي للبعد مَا بِي فزادنيإِلَى الشوق أشواقاً رجائي فِي الْقرب
أحل شدادي فِي السرادق نازلاًوللشوق عقد لَيْسَ ينْحل عَن قلبِي
أقرطبة هَل لي إِلَيْك وفادةتقر بعيني أَو تمهد من جَنْبي
سقى الْقصر غيث بالرصافة مثلهوجادت عزاليه كجودي فِي الجدب
عداني عَدو عَن حبيب فزرتهبِجَيْش تضيق الأَرْض عَن عرضه الرحب
إِذا أسود من ليل الدروع تبلجتأسنته فِيهِ عَن الأنجم الشهب
على أنني حصن لجيشي إِذا الْتَقَوْاوعزمي بهم أدنى السيوف إِلَى الضَّرْب
وَله
ذكر الصبوح فظل مصطبحايسْتَعْمل الإبريق والقدحا
مَا زَالَ حَيا وَهُوَ يشْربهَاحَتَّى أَمَانَته الكؤوس ضحى
ابْنه الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد
ولي بعد أَخِيه أبي الحكم الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فِي صفر سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي سنة ثَلَاثمِائَة وَهُوَ ابْن أثنتين وَسبعين سنة فَكَانَت خِلَافَته خمْسا وَعشْرين سنة وَكَانَ أديباً شَاعِرًا بليغاً بَصيرًا باللغة والغريب وَأَيَّام الْعَرَب وَفِي أَيَّامه أضطرمت نَار الْفِتْنَة بالأندلس فتنغص عَلَيْهِ ملكه
وَمن مَشْهُور شعره مَا وَقع بِهِ إِلَى الوزراء فِي قصَّة مُوسَى بن حدير وَعِيسَى ابْن أَحْمد بن أبي عَبده إِذا أَرَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون مَجْلِسه فَوق الآخر
فسخا لما كَانَ قد رتبه وَالِده الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن من رفع الموَالِي الشاميين على البلديين
موَالِي قُرَيْش من قُرَيْش فقدمواموَالِي قُرَيْش لَا موَالِي معتب
إِذا كَانَ مَوْلَانَا يساوم عندنَاسواهُ فمولانا كآخر أَجْنَبِي
(حول اسْم مغيث إِلَى معتب إغماضاً وأنقياداً للقافية
وَله فِي النسيب
يَا كبد المشتاق مَا أوجعكوَيَا أَسِير الْحبّ مَا أخضعك
وَيَا رَسُول الْعين من لحظهابِالرَّدِّ والتليغ مَا أسرعك
تذْهب بالسر وَتَأْتِي بِهِفِي مجْلِس يخفى على من مَعَك
كم حَاجَة أنجزت موعدهاتبَارك الرَّحْمَن مَا أطوعك
وَله فِي ذَلِك
ويحى على شادن كحيلفِي مثله يخلع العذار
كَأَنَّمَا وجنتاه وردخالطه النُّور والبهار
قضيب بَان إِذا تثنىيُدِير طرفا بِهِ أحورار
وقف عَلَيْهِ صفاء ودىمَا أختلف اللَّيْل وَالنَّهَار
وَله فِي الزّهْد
يَا من يراوغه الْأَجَلحتام يُلْهِيك الأمل
حتام لَا تخشى الردىوَكَأَنَّهُ بك قد نزل
أغفلت عَن طلب النجَاةوَلَا نجاة لمن غفل
هَيْهَات يشغلك الرَّجَاءوَلَا يَدُوم لَك الشّغل
وَله فِي مثله
أرى الدُّنْيَا تصير إِلَى فنَاءوَمَا فِيهَا لشَيْء من بَقَاء
فبادر بالإنابة غير لاوعلى شَيْء يصير إِلَى فنَاء
كَأَنَّك قد حملت على سَرِيروَصَارَ جَدِيد حسنك للبلاء
فنفسك فابكها أَو نح عَلَيْهَافربتما رحمت على الْبكاء
وَكَانَ بِفضل أدبه رُبمَا أسترسل فَقَالَ بِحَسب ذَلِك أَو تمثل ثمَّ لَا يَدعه كرم الْأَوَائِل وَشرف الشَّمَائِل حَتَّى يدنى من أقصاه ويبدي لمن أَعتب رِضَاهُ قَالَ فِي النَّضر بن سَلمَة الْكلابِي
أَنْت يَا نضر آبدهلست ترجى لفائده
إِنَّمَا أَنْت عدَّةلكنيف ومائده
وعَلى ذَلِك استقضاه مرَّتَيْنِ ثمَّ استوزره وأستقضى أَيْضا أَخَاهُ مُحَمَّد بن سَلمَة تقيلا للأخلاق الْحكمِيَّة وجرياعلى الأعراق العبشمية
وقرأت فِي تَارِيخ الْحميدِي أَن الْوَزير سُلَيْمَان بن وانسوس وَكَانَ من رُؤَسَاء البربر دخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَكَانَ عَظِيم اللِّحْيَة فَلَمَّا رَآهُ مُقبلا جعل الْأَمِير عبد الله ينشد
هلوفة كَأَنَّهَا جوالقنكراء لَا بَارك فِيهَا الْخَالِق
للقمل فِي حافاتها نفائقفِيهَا لباغي المتكا مرافق
وَفِي احتدام الصَّيف ظلّ رائقإِن الَّذِي يحملهَا لمائق
ثمَّ قَالَ لَهُ أَجْلِس يَا بربرى فَجَلَسَ وَقد غضب فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنَّمَا كَانَ النَّاس يرغبون فِي هَذِه الْمنزلَة ليدفعوا عَن أنفسهم الضيم وَأما إِذْ صَارَت جالبة للذل فغنينا عَنْكُم فَإِن حلتم بَيْننَا وَبَينهَا فلنا دور تسعنا لَا تقدرون على أَن تحولوا بَيْننَا وَبَينهَا ثمَّ وضع يَدَيْهِ فِي الأَرْض وَقَامَ من غير أَن يسلم
ونهض إِلَى منزله فَغَضب الْأَمِير وَأمر بعزله وَرفع دسته الَّذِي كَانَ يجلس عَلَيْهِ وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة
ثمَّ إِن الْأَمِير عبد الله وجد فَقده لغنائه وأمانته ونصيحته وَفضل رَأْيه فَقَالَ للوزراء لقد وجدت لفقد سُلَيْمَان تَأْثِيرا وَإِن أردْت أسترجاعه ابْتِدَاء منا كَانَ ذَلِك غَضَاضَة علينا ولوددت أَن يبتدئنا بالرغبة فَقَالَ لَهُ الْوَزير مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن غَانِم إِن أَذِنت لي فِي الْمسير إِلَيْهِ استنهضته إِلَى هَذَا فَأذن لَهُ فَنَهَضَ ابْن غَانِم إِلَى دَار ابْن وانسوس فَأَسْتَأْذِن وَكَانَت رُتْبَة الوزارة بالأندلس أَيَّام بنى أُميَّة أَلا يقوم الْوَزير إِلَّا لوزير مثله فَإِنَّهُ كَانَ يتلقاه وينزله مَعَه على مرتبته وَلَا يَحْجُبهُ أَولا لَحْظَة فَأَبْطَأَ الْإِذْن على ابْن غَانِم حينا ثمَّ أذن لَهُ فَدخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ قَاعِدا فَلم يتزحزح لَهُ وَلَا قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْن غَانِم مَا هَذَا الْكبر عهدي بك وَأَنت وَزِير السُّلْطَان وَفِي أبهة رِضَاهُ تتلقاني على قدم وتتزحزح لي عَن صدر مجلسك وَأَنت الْآن فِي موجدته بضد ذَلِك فَقَالَ لَهُ نعم لِأَنِّي كنت حِينَئِذٍ عبدا مثلك وَأَنا الْيَوْم حر فيئس ابْن غَانِم مِنْهُ وَخرج وَلم يكلمهُ وَرجع إِلَى الْأَمِير فَأخْبرهُ فابتدأ الْأَمِير بِالْإِرْسَال إِلَيْهِ ورده إِلَى أفضل مَا كَانَ عَلَيْهِ
يَعْقُوب ابْن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام
ويكنى أَبَا قصى كَانَ أديباً شَاعِرًا مطبوعاً كلفاً بالعلوم جواداً لَا يَلِيق
شَيْئا وَهُوَ الْقَائِل فِي ابْن أَخِيه أبي أُميَّة العَاصِي ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن من قصيدة
تنادى ماجداً من عبد شمسزكى الْفَرْع مفضال الْيَدَيْنِ
سما للمكرمات فقد حواهابهندى وخطار رديني
وغيثاً حِين يسْكب لَا الثريابِهِ جَادَتْ وَلَا نوءالبطين
مَا أحسن قَول أبي مَرْوَان بن حَيَّان وَذكر ثَنَاء مُعَاوِيَة بن هِشَام الشبينسى على أبي قصي هَذَا أَقُول وَصفه بالطبع فِي الشّعْر ثمَّ لم ينشد لَهُ مَا يصدق وَصفه بل أنْشد لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات من قصيدة مدح بهَا ابْن أَخِيه العَاصِي ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن لَيست بطائل وَله مِمَّا قَرَأت فِي كتاب الحدائق لِابْنِ فرج
يَا ابْن الخلائف من بني فهرالزهر
يَا أكْرم الْأَمْلَاك كلهممُضْطَر
إِن الصّيام قد أنقضى وَمضىيندى يَديك الْبشر
أَخُوهُ بشر ابْن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن
ذكر أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب أَنه كَانَ شَاعِرًا وَأنْشد لَهُ أَبُو عمر بن فرج صَاحب كتاب الحدائق
عجابك لي عَن الدُّنْيَا حجابوَيَوْم لَا أَرَاك بِهِ عَذَاب
وَقد كَانَت تضيق الأَرْض عِنْدِيإِذا واراك ستر أَو نقاب
فَكيف أعيش إِذْ واراك عنيقُصُور دونهَا بَاب فباب
وليعقوب وَبشر هذَيْن إخْوَة جلة مِنْهُم هِشَام وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْفضل وَالْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ وَأكْثر من الرِّوَايَة عَن يحيى بن يحيى وَكَانَ أَبوهُ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن الحكم قد نَصبه فِي خِلَافَته للصَّلَاة على جنائز أهل قصره وأكابر رِجَاله كَمَا نصب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ابْنه هشاماً وَمِنْهُم أبان وَعُثْمَان على أختلاف فِيهِ وهما ابْنا عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَكَانَا أديبين شاعرين وَسَيَأْتِي ذكرهمَا فِي آخر التَّأْلِيف إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْقَاسِم ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم أَبُو مُحَمَّد
كَانَ من الأدباء الشُّعَرَاء إِلَّا أَنه مقل وَكَانَ أحد الْجَبَابِرَة الموصوفين شَدِيد البأوتياهاً وَقبض عَلَيْهِ أَخُوهُ الْأَمِير عبد الله فَمَاتَ فِي حَبسه مسموماً وَمن شعره وبديهته السائرة فِي النَّاس وَقد دخل دَار أَخِيه عُثْمَان بن مُحَمَّد فأستسقى مَاء فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ غُلَامه لَعَلَّه لم يقبلهَا وَأَنْشَأَ يَقُول
المَاء فِي دَار عُثْمَان لَهُ ثمنوَالْخَبَر فِيهَا لَهُ شان من الشان
فأسلح على كل عُثْمَان مَرَرْت بِهِإِلَّا الْخَلِيفَة عُثْمَان بن عَفَّان
كَذَا قَالَ ابْن حياان وَهُوَ غلط لأخفاء بِهِ وَإِنَّمَا البيتان من قِطْعَة لعبد الْملك بن عبد الرَّحِيم الْحَارِثِيّ أنشدهما أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري فِي كتاب بهجة الْمجَالِس من تأليفه وَهِي
يَا أُخْت كِنْدَة جافي شرب عُثْمَانوأزمعي لبنى أود بهجران
يَا أُخْت كِنْدَة سيري سير ساخطةكي تنتوى منتوى غَضَبي وغضبان
المَاء فِي دَار عُثْمَان لَهُ ثمنوَالْخبْز فِيهِ لَهُ شَأْن من الشان
عُثْمَان يعلم أَن الْحَمد ذُو ثمنلكنه يَشْتَهِي حمدا بمجان
وَالنَّاس أَكيس من أَن يحْمَدُوا رجلاحَتَّى يرَوا عِنْده آثَار إِحْسَان
أغسل يَديك بأشنان وأنقهماغسل الْجَنَابَة من مَعْرُوف عُثْمَان
واسلح على كل عُثْمَان مَرَرْت بِهِإِلَّا الْخَلِيفَة عُثْمَان بن عَفَّان
وَأنْشد لَهُ الْحميدِي وَقَالَ فِيهِ الْقَاسِم غلط مِنْهُ
سكنت من قلبِي الْهوى مَا أمكناوَلَقَد أرَاهُ للصبابة معدناً
هَذَا هِلَال قد بدا ومدامةتجرى براحته وعيش قد هُنَا
وَله أَبْيَات كتب بهَا إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْعُتْبِي الأديب لم يجد رصفها فَرَأَيْت حذفهَا
الْمطرف ابْن الْأَمِير مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم
(شَقِيق الْقَاسِم الْمَذْكُور آنِفا برع فِي الشّعْر وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَتُوفِّي معتبطاً فِي حَيَاة أَبِيه وَهُوَ ابْن أَربع وَعشْرين وَكَانَ آدب ولد الْأَمِير مُحَمَّد وأشعرهم ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب من تأليفه وَذكر الْمطرف هَذَا كَانَ شَاعِرًا مفلقاً عَالما بِالْغنَاءِ وَكَانَ لَهُ عقب قد أنقرض
وَأنْشد لَهُ صَاحب الحدائق يرثى أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد
أَخ كَانَ إِن لم يمرع النَّاس أَصبَحتمواهبه للنَّاس وَهِي مرابع
كثير عَلَيْك الْحزن من كل جَانبكَمَا كثرت من راحتيك الصَّنَائِع
عَلَيْك سَلام الله إِن الندى لَهُزَوَال وَإِن السَّعْي بعْدك ضائع
وَله فِيهِ
يَا عَابِد الرَّحْمَن مَاأوضح فِينَا سبلك
أيقظت شعري أبدافَالْقَوْل لي وَالْفِعْل لَك
(مَا الثكل وَالْحَسْرَة ...)
يَا موت أعجلت فَتىفِي الروع قدماً أعجلك
وَله أَيْضا
أشهى من الكاس حَامِل الكاسأرعاه مَا طَاف حول جلاسي
يثقل من أَجله الجليس وَلَوكَانَ من النّسك آمن النَّاس
وَكتب إِلَى أَخِيه الْمُنْذر بن مُحَمَّد وَكَانَ مائلا إِلَيْهِ
هَل أتكى مشرفاً على نهريأرمي بطرفي إِلَيْهِ من قصري
عِنْد أَخ لَو دهته حَادِثَةأَعْطيته مَا أحب من عمري
نشرب نحلية فضيلتهاأتحفت الْخمر ذلة الْخمر
فوعده الْكَوْن عِنْده فَكتب إِلَيْهِ يستنجزه
ولوع النَّفس بالوعد الوفىوإنجاز الْمقَال على الْوَلِيّ
فَإِن أرضاك أَن نغدو ضحاءوَإِلَّا كَانَ ذَاك مَعَ العشى
نَكُون ثَلَاثَة أَنْت المبدىوَنحن إِلَيْك ثمَّ أَبُو عَليّ
وَله فِي الشيب
إِن شيباً وصبوة لمحالقد أَنى أَن يكون عَنْهَا زَوَال
ركب الشيب لمتي خلل الشّعْرلوقت حَالَتْ بِهِ الأحواال
فدع النَّفس عَن مزاح وَلَهوتِلْكَ حَال مَضَت وَجَاءَت حَال
ولمحمد بن عبد الْعَزِيز الْعُتْبِي فِيهِ يفضل شعره على أشعار إخْوَته وأقربائه
يُغني مسامعنا لَدَيْهِ حواليابلآلئ من لَفظه وَزَبَرْجَد
وَالشعر يسْجد نَحْو قبْلَة شعرهولغير قبْلَة شعره لم يسْجد
إِبْرَاهِيم ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أخوهما
أنْشد لَهُ ابْن فرج فِي كتاب الحدائق
دنوك مني فِي منزليهُوَ الْملك يسره الله لي
فيكنفنا جَانب وَاحِدويجمعنا الشّرْب من منهل
وَإِن حَال دُونك بَابا حَدِيدوَقصر مشيد من الجندل
هَؤُلَاءِ المروانيون فِي هَذِه الْمِائَة
وَمن الحسنيين فِيهَا
الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله ابْن حسن بن حسن بن عَليّ
ولي الْبَصْرَة وطنجة وَمَا يليهما لِأَخِيهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْقَائِم بعد أَبِيه سُلْطَان الْمغرب وَكَانَ إِدْرِيس قد ولد مُحَمَّدًا هَذَا وَالقَاسِم وَأحمد وَعبد الله وَعِيسَى وَإِدْرِيس وجعفراً وَيحيى وَحَمْزَة وَعبيد الله وَدَاوُد وَبِه كَانَ يكنى وَعمر وَبَنَات
وَلما توفّي إِدْرِيس مسموماً فِي حَبَّة عِنَب سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ كَمَا تقدم ذكره أجتمعت البربر على مُحَمَّد فَبَايع لَهُ إخْوَته جَمِيعًا وأتخذ مَدِينَة فاس قراراً وَفرق بِلَاد الغرب عَلَيْهِم فنكث أَخُوهُ عِيسَى
ابْن إِدْرِيس وَخرج عَلَيْهِ فَكتب مُحَمَّد إِلَى الْقَاسِم يَأْمُرهُ بمحاربته إِذا كَانَ يحاديه فِي ولَايَته فَأبى الْقَاسِم وَكتب إِلَيْهِ معتذراً من توقفه عَمَّا أمره بِهِ
سأترك للراغب الغرب نهباًوَإِن كنت فِي الغرب قيلا وندبا
وأسمو إِلَى الشرق فِي همةيعز بهَا رتباً من أحبا
وأترك عِيسَى على رَأْيهيعالج فِي الغرب هما وكرباً
وَلَو كَانَ قلبِي عَن قلبهلَكُنْت لَهُ فِي الْقَرَابَة قلبا
وَإِن أحدث الدَّهْر من ريبهشقاقاً علينا وأحدث حَربًا
فَإِنِّي أرى الْبعد سترا لنايجدد شوقاً لدينا وحباً
وَلم نجن قطعا لأرحامنانلاقي بِهِ آخر الدَّهْر عتباً
وَتبقى الْعَدَاوَة فِي عقبناوَأكْرم بِهِ حِين نعقب عقباً
وأوفق من ذَاك جوب الفلاةوَقطع المخارم نقباً فنقباً
فَكتب مُحَمَّد إِلَى أَخِيه عمر وَكَانَ على صنهاجة وغمارة يَأْمُرهُ بمحاربة عِيسَى فَأَجَابَهُ وسارع وَخرج يُرِيد عِيسَى بعسكره فَلَمَّا قرب من أحوز فاس كتب إِلَى مُحَمَّد يستمده فَبعث إِلَيْهِ من كَانَ مَعَه وَنفذ فِي أَصْحَابه قبل لحاق المدد فأوقع بِعِيسَى ونفاه عَن عمله وأستولى عَلَيْهِ فَأمره مُحَمَّد بِالْإِقَامَةِ فِيهِ ثمَّ أمره بمحاربة الْقَاسِم فحاربه وتغلب على مَا كَانَ بِيَدِهِ فتخلى الْقَاسِم عَن ذَلِك لمُحَمد وَعمر وتزهد وَبنى مَسْجِدا على سَاحل الْبَحْر بأصيلا وَلَزِمَه
فَلَمَّا عاين البربر ذَلِك نهضوا إِلَيْهِ وَهُوَ بمرابطه فصرفوه إِلَى عمله وَرجع إِلَيْهِ كل من صدر إِلَى أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وَعمر
وَقَالَ الرَّازِيّ وَذكر أَوْلَاد إِدْرِيس بن إِدْرِيس فَأَما مُحَمَّد بن إِدْرِيس فولى مَدِينَة فاس بعد أَبِيه وَقسم عمل أَبِيه على إخْوَته وأخرجهم عمالاً ثمَّ أخلد إِلَى اللَّهْو وأشتهر بالشرب وَالْخلْوَة بِالنسَاء فخلعه إخْوَته وَملك كل وَاحِد مِنْهُم مَا تَحت يَده ثمَّ لم يلبث مُحَمَّد أَن هلك وَلم يعقب فولى أَمر فاس
بعده الْقَاسِم أَخُوهُ وملكها ملك سيادة وَتجمع النَّاس إِلَيْهِ من كل نَاحيَة وَلحق المنفيون عَن ربض قرطبة بهَا وتمدنت وَكثر أَهلهَا
وَمن رجال المروانية
عبد الْكَرِيم بن عبد الْوَاحِد بن مغيث الْحَاجِب أَبُو حَفْص
أستحجبه الحكم الربضى وَكَانَ أَبوهُ عبد الْوَاحِد حاجباً لهشام الرِّضَا وَالِد الحكم وَعَن ابْن حَيَّان أَن هشاماً ولى عبد الْكَرِيم هَذَا كورة جيان وَأَنه أغزاه ألبة والقلاع وأغزى أَيْضا أَخَاهُ عبد الْملك وولاه سرقسطة
وَكَانَ عبد الْكَرِيم بليغاً مفوهاً شَاعِرًا وَولى الْكتاب للْحكم إِثْر مُحَمَّد بن أُميَّة وقاد الصوائف وَجَرت على يَدَيْهِ فتوح جسام وعَلى يَدَيْهِ أستأمن أهل الربض وَله رسائل عَن الحكم فِي الهيج ذكر ذَلِك عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ قَالَ وَأخرجه الحكم إِلَى عمروس وَكَانَ قد خلع بسرقسطة فأستماله وَقدم بِهِ قرطبة فوصله الحكم وخلع عَلَيْهِ وسجل لَهُ على سرقسطة وتطيلة ووشقه وَصَرفه إِلَى الثغر فَمَاتَ هُنَاكَ وَأنْشد ابْن حَيَّان لعبد الْكَرِيم هَذَا فِي رثاء الحكم بن هِشَام وتهنئة وَلَده الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم بالخلافة
كَانَ الزَّمَان مرزأ بخليفةأودى فكاد نهارنا أَن يظلما
حَتَّى إِذا قعد الإِمَام لبيعةكالغيث شح بوبله ثمَّ أنهمى
لله أَيَّة بيعَة مَا أعظماوَأجل فخراً فِي الْأَنَام وأفخما
أَعْطَتْ قُرَيْش بيعَة مرضيةلإمامها الْملك الْكَرِيم المنتمي
وبدا كَمثل الْبَدْر ينصدع الدجىعَنهُ ويكشف نوره مَا أبهما
لله أَنْت أَبُو الْمطرف فِي الوغىولخائف ولمعتف قد أعدما
هَاشم بن عبد الْعَزِيز الْوَزير أَبُو خَالِد
هُوَ أَخُو القَاضِي أسلم بن عبد الْعَزِيز وكبيره وَوَلَاء سلفهما لعُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَكَانَ هَاشم خَاصّا بالأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يؤثره بالوزارة ويرشحه مَعَ بنيه ومفردا للقيادة والإمارة وولاه كورة جبان فعلى يَده بنيت أبدة وَأكْثر معاقلها المنيعة وَهُوَ أحد رجالات الموَالِي المروانية بالأندلس
أجتمعت فِيهِ خِصَال لم تَجْتَمِع فِي سواهُ من أهل زَمَانه إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْبَأْس والجود والفروسية وَالْكِتَابَة وَالْبَيَان والبلاغة وقرض الْأَشْعَار البديعة إِلَى مَاله من الْقَدِيم وَالْبَيْت والسابقة فَلَو لم يعنه سلفه لنهضت بِهِ أدواته هَذِه الرفيعة
ونكبه الْمُنْذر بن مُحَمَّد لأشهر من خِلَافَته بعد أَن ولاه الحجابة وَأظْهر عَنهُ الرِّضَا وَذَلِكَ لِأَشْيَاء حقدها عَلَيْهِ فِي خلَافَة أَبِيه مُحَمَّد إِذْ كَانَ يُخرجهُ مَعَه قائداً للجيش وَبعد ذَلِك
وَحكى عِيسَى بن أَحْمد بن مُحَمَّد الرَّازِيّ فِي كتاب الْحجاب للخلفاء بالأندلس من تأليفه أَن الْمُنْذر بن مُحَمَّد أستخلف يَوْم الْأَحَد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بعد وَفَاة أَبِيه بِأَرْبَع لَيَال إِذْ كَانَ غازياً بِنَاحِيَة رية فأغذ السّير وَدخل الْقصر يَوْم الْأَحَد وَصلى على أَبِيه وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس لليلة بقيت من صفر وَدفن وبويع للمنذر بَقِيَّة الْأَحَد وَيَوْم الأثنين بعده وأستحجب هَاشم بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَن قَتله
قَالَ وَلما قدم الْمُنْذر نزل فِي السَّطْح وَقعد لِلْبيعَةِ فِي ثِيَاب سَفَره وَرُبمَا اتكأ على فرَاشه لما كَانَ أَخذه من النصب وألم السّفر لطيه المراحل فَلَمَّا دخل النَّاس قَامَ هَاشم وَبِيَدِهِ كتاب الْبيعَة فأفتتح قِرَاءَته فَلَمَّا بلغ إِلَى ذكر الإِمَام مُحَمَّد خنقته الْعبْرَة فَلم يبن كَلَامه ثمَّ أستدرك أمره وَرجع من أول الْكتاب حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى الْموضع الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ أَولا أَخذه أَيْضا الْحصْر فلحظه الْمُنْذر لَحْظَة مُنكرَة وَرَآهَا مِنْهُ هَاشم فَمضى فِي قِرَاءَة الْكتاب حَتَّى أكمله فَلم يشك كل من رأى تِلْكَ اللحظة أَنه قَاتله قَالَ وَلما وضع نعش الإِمَام مُحَمَّد على قَبره ألْقى هَاشم رِدَاءَهُ وقلنسوته وَدخل الْقَبْر وَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ متمثلا وَهُوَ يقبر
أعزى يَا مُحَمَّد عَنْك نَفسِيمعَاذ الله والمنن الجسام
فَهَلا مَاتَ قوم لم يموتواودوفع عَنْك لي كاس الْحمام
فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أوقد عَلَيْهِ موجدة الْمُنْذر والبيتان لأبي نواس الْحسن ابْن هَانِئ يقولهما فِي مُحَمَّد الْأمين حِين قتل
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع