من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة السَّابِعَة
الصفحة ١ من ٢
نبدأ بالذين يبْدَأ بهم الذّكر الْجَمِيل أَو يخْتم وَمن منثور حكمهم ومنظومها ينثر فِي أوصافهم وينظم أهل الْبَيْت الْمُبَارك الحفصي المستولي بِأَدْنَى السَّعْي على الأمد القصيّ بَيت الْخلَافَة السعيدة والإمارة التليدة ذَات المحاتد
الظَّاهِرَة والمحامد المتظاهرة لَا زَالَت منحها صوراً مجلوة ومدحها سوراً متلوة فأوّلهم وأولاهم بالتقديم للاشتراك فِي شرف الْأُبُوَّة والانفراد بكرم الأخوّة
أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الشَّيْخ الْمُجَاهِد المقدّس أبي مُحَمَّد
ولى بعد أَبِيه رضوَان الله عَلَيْهِ إفريقية فِي غرَّة الْمحرم سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة وإثر دَفنه فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ وَذَلِكَ ضحى يَوْم الْخَمِيس منسلخ شهر ذِي الْحجَّة من السّنة قبلهَا فَكَانَ لَهُ الْأَثر الحميد والصيت الْبعيد وَبلغ فِي السماح والبأس مَا لَيْسَ عَلَيْهِ مزِيد ثمَّ صرف وانتقل إِلَى الْمغرب وَولى بطليوس وثغورها بالأندلس وَلحق بمرّاكش بعد ذَلِك فاستشهد هُنَالك سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَهُوَ الْقَائِل من قصيدة فِي شكاية أَصَابَت أَبَاهُ لَا زَالَ صوب الْغَمَام يسْقِي ثراه
يَا دهر مَالك ضَاحِكا وعبوساًأتعيرنا بعد النَّعيم البوسا
وَلَقَد عهدتك ضَاحِكا متهللاًتهدي الْقبُول وتبذل التأنيسا
أتراك تجزع من شكاية ماجدأضحى لزهر النيّرات جَلِيسا
ملك تدرّع من عناية ربّهدرعاً غَدَتْ للْعَالمين لبوسا
لَو جَاءَهُ عِيسَى بزيّ معالجقصدا لأفحم بالتوكّل عِيسَى
سَاس الزَّمَان فَكَانَ من عبدانهوالصعب منقاد إِذا مَا سيسا
ناهيك من متبرّع متورّعكسر الصَّلِيب وأفحم الناقوسا
ملك حمى إفريقية وذمارهالما غَدا ليثاً وتونس خيسا
لَا يرتضي العضب المهنّد خَادِمًاإِلَّا إِذا اقتحم الكماة وطيسا
فإليه تستبق الْجَوَارِي شرعاوَإِلَيْهِ تحتث الحداة العيسا
وَله أَيْضا من قصيدة
هَل الْمجد إِلَّا مَا تجرّ العزائموَإِن ريع يَوْمًا فالسيوف تمائم
وَإِن لَاحَ من وَجه الزَّمَان تجهمفوجهك وضاح وثغرك باسم
وَمِنْهَا
سأفري أَدِيم الأَرْض فِي طلب الْعلَاوأركب عزماً لم تقده العزائم
وأخطب آمالي بِمَا هُوَ مطلبيوَلَو منعتني الفاتكات الصوارم
وحسبي عضب صَادِق الْعَزْم صارمألدّ إِذا كَانَ الزَّمَان يُخَاصم
أَشْيَم بِهِ الْبَرْق اليمانيّ موهناًوأهدي بِهِ السارين وَاللَّيْل عاتم
وَله أَيْضا
أيا حمام هَل لَك من ضلوعيزفير أَو لَك الدمع السّفوح
فقد أشبهتني مَاء وَنَارًاوهيهات المعنّى والسريح
أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الشَّيْخ المكرّم أبي مُوسَى
كَانَ بقرطبة فِي إياله عَمه الشَّيْخ المكرّم أبي الْعَبَّاس وَبعد ذَلِك صَار إِلَى مرّاكش عِنْد انبعاث الْفِتْنَة المبيرة بالمغرب فَهَلَك هُنَالك وَكَانَ لِدَة أَخِيه الْمَذْكُور بعده ولدا جَمِيعًا سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ الْقَائِل فِي وسيم شاكّ السِّلَاح وأجاد مَا أَرَادَ
يَكْفِيك يَا معتقل السّمهريمَا نالنا من طرفك الأحور
إِن كنت من جندك فِي قلَّةفَأَنت من لحظك فِي عَسْكَر
أَخُوهُ أَبُو عَليّ عمر
ولى بالأندلس جيّان وَغَيرهَا وَكَانَ فِي سنتي ثَمَان عشرَة وتسع عشرَة وسِتمِائَة على خيل بلنسية فِي إيالة عَمه الشَّيْخ المكرّم أبي سعيد رضوَان الله على جَمِيعهم ثمَّ ولى فِي هَذِه الدولة الْمُبَارَكَة الَّتِي بهَا انتصار الْإِسْلَام وافتخار الْأَيَّام مَدِينَة بجاية وقتا وَهُوَ على قَاعِدَة المهدية من شهر الله الْأَصَم رَجَب سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَى وقتنا هَذَا وَهُوَ شهر الله الْمحرم من سنة سِتّ وَأَرْبَعين
وَفِي شهر ولَايَته ثمَّ فِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي مِنْهُ كَانَت الْبيعَة الْمُبَارَكَة بِولَايَة الْعَهْد الْكَرِيم لمولانا الْأَمِير الْأَجَل الأسعد الْمُبَارك الأرصي الأمجد أبي يحيى أيد الله مقَامه وَقصر على نظم الْفتُوح ونثر المنوح ظعنه ومقامه وَكَانَ لأبي عليّ هَذَا وصل الله علاءه فِي ذَلِك الْيَوْم الْأَعَز الْأَغَر مقَام مَحْمُود ومقال مَحْمُول
ولعبدهم المقتصر على خدمَة مجدهم بِمَا لَا يقصّر فِيهِ من تحبير مدحهم وتحرير حمدهم كلمة إِذْ ذَاك يَرْجُو لِأَن يَتَجَدَّد لَهُ بهَا قبُول ويسعد مأمول بمأمول أَولهَا
أشاد بهَا الدَّاعِي المهيب إِلَى الرّشدفهبّ لَهَا أهل السَّعَادَة بالخلد
ولَايَة عهد أنْجز الحقّ وعدهبتقليدها من أَهله الصَّادِق الْوَعْد
وبيعة رضوَان تبلّج صبحهاعَن الْقَمَر الوضّاح فِي أفق الْمجد
تجلّت وجلّت عزة فليومهامن الدَّهْر تفويف الطّراز من الْبرد
وحلّت بِسَعْد الأسعد الشَّمْس عِنْدهَافأيّد فِي أَثْنَائِهَا السعد بالسعد
وَلما أَتَت بَين التهاني فريدةتخيّرها التَّوْفِيق فِي رَجَب الْفَرد
وَمِنْهَا
أَبى الدّين وَالدُّنْيَا وُلَاة سوى بنيأبي حَفْص الأقمار والسّحب والأسد
وَإِن ضايقت فِيهَا الْمُلُوك وعّددتمَنَاقِب تحكي الشّهب فِي الظّلم الرّبد
فَإِن كتاب الله يفضل كلّهوَقد فضلته بَينهَا سُورَة الْحَمد
وَفِي شجرات الرَّوْض طيب معطّرصباه وللأترجّ مَا لَيْسَ للرّند
وكلّ سلَاح الْحَرْب باد غناؤهوَلَكِن لِمَعْنى أوثر الصارم الْهِنْدِيّ
على زكريّاء بن يحيى التقى الرّضاكَمَا الْتَقت الأنداء صبحاً على الْورْد
على المرتضى بن المرتضى فِي أرومةنمت صعداً بالنّجل وَالْأَب والجدّ
على المكتفي والمقتفي نهج قَصدهومشبهه فِي الْبَأْس والجود والجدّ
وَشعر أبي عليّ أعزه الله كثير وَقد وقفت على ديوانه وَسمعت مِنْهُ غير قصيدة وَقطعَة بِلَفْظِهِ وَمن ذَلِك كلمة بعث بهَا إِلَى قبر النَّبِي ﷺ صُحْبَة الْحَاج أبي بكر بن الْعَرَبِيّ الإشبيلي أوّلها وأنشدني جَمِيعهَا
أصبح من صبره على أملقسّم بَين الْوُجُود والعدم
إِلَيْك ألْقى بِعُذْر محتشممرتحل الْقلب سَاكن الْقدَم
يتبع ركب الْهوى إِلَيْك أسىمَا شَاءَ من حسرة وَمن نَدم
برح شوق بِهِ إِلَيْك فَمَايَنْفَكّ مَا لم يزرك فِي ضرم
ألوي بِهِ عَن بُلُوغ نِيَّتهحكم زمَان عَلَيْهِ محتكم
فعزمة تلتوي على عقبوهمة ترتمي إِلَى أُمَم
وَمِنْهَا
يَا خير من تعْمل المطيّ لَهُعُذْري فِي اللّّبْث غير متّهم
عَبدك لَو يَسْتَطِيع جاب إِلَيْكالقفر فِي غيهب من الظّلم
يمسح مَا بَين حمص مِنْهُ إِلَىيثرب مرّاً بوجنة وفم
ولي ذنُوب وقصنني ثقلاًلَوْلَا أَذَى ثقلهن لم أقِم
يرجوك يَا شَافِع الْبَريَّة أَنتشفع فِيهَا لبارئ النّسم
عَسى قبُول لديك يلحقنيبقبرك المستنير وَالْحرم
وصاحبيك اللَّذين خصّهمابِنِعْمَة الْقرب مِنْك ذُو النعم
فقد توسلت بِالَّذِي لَك عِنْدالله من رفْعَة وَمن عظم
صلى عَلَيْهِ الْإِلَه مَا اتصفتأَوْصَافه بالجلال وَالْكَرم
وَله فِي وصف سيف
يسيل إِذا مَا سلّ مَاء ويلتظيلهيباً على الْإِتْلَاف يأتلفان
كَأَن جدولاً مُسْتَقْبلا شفق الدجىفَلَا يققٌ مِنْهُ الْعباب وقان
وَله فِي صناب أهْدى إِلَيْهِ وألغز بوصفه من أَبْيَات
بعثت بِمَا يَشْتَهِي يَا ابْن عمّفدمت ودامت عَلَيْك النّعم
بأبيض كالمخض لكنهبِهِ شدَّة تستثير القرم
طفاوته تحتهَا لجةبِلَا ضرم دهرها تضطرم
كثير الحرافة مستعذبعَلَيْهَا وللملح فضل علم
لسورته سطوة بالأنوفوَلَيْسَ لعمرك مِمَّا يشمّ
شِفَاء ولكنّ نعم الشِّفَاءلمن ظلّ يشكو بداء البشم
وَقد يجتزي الجفلى باليسيرمِنْهُ وَلَيْسَ لأمر يذمّ
وَكتب إليّ مَعَ تمر أهداه حرس الله سناه وسنّاه
أتتك خليقات بِحسن الْخَلَائقبهَا غنية عَن كل مَا فِي الحدائق
سليلات جَبَّار حكى وسط دوحهخوافق بالمرّان فَوق الفيالق
حوامل لم تعلم مَوَاقِيت حملهَاوَلَا حمّلت من فَم حكم طَالِق
تجود إِذا مَا الْجُود عمّ بعزّهوسحّ من الخضراء سحّ بوادق
ممنّعة فِي سامق مَا ارتقت لَهَابنان وَلَا بَانَتْ بهَا يَد سَارِق
عثاكلها مثل الشذور تذلّلتبسالفة الغيداء أَو كالقراطق
فللنضر مِنْهَا حسن لون لناظروللزّهو مِنْهَا طيب طعم لذائق
كَأَن بِمَا تبدي وتضمر أنسبتشمائلها من مُؤمن ومنافق
لَهَا جسم أوّاه شحوباً وَمن نوىفؤاد حكى من قسوة قلب فَاسق
وَمَا ضرّها إِذْ قد أَبَاحَتْ لطاعمحلاوتها أَلا تفوح لناشق
وَمِنْهَا
فصفحاً عَن الْمهْدي ومهدي ورقعةأتتك بعجز لَا بإعجاز خارق
وَيَرْمِي إِذا يَرْمِي القوافي بصائبمن الْفِكر لم يصحب بفوق مُوَافق
وَقد كَانَ يصمي حِين يَرْمِي كَأَنَّمَالَهُ خاطر أفكاره من جلاهق
سري دهره فِي نشره فتفرقتشبيبته إِذْ لَاحَ شيب المفارق
فراجعته بِأَبْيَات مِنْهَا
أمولاي حق العَبْد تَقْرِير عذرهإِذا هُوَ لم يلق الْحُقُوق بلائق
منائح أسدتها مناح كَرِيمَةتفوّف للأحداق مثل الحدائق
وتبريّة الأكمام شهديّة الجنىحلت وتحلّت زاكيات الْخَلَائق
(لَهَا عجم فِي الْعَرَب ولّد منجباً ... وحسبك مِنْهَا بالسّوامي السّوامق) كأنّ بِأَعْلَاهَا إِذا احمرّ بشرها ... مشاعل تهدي فِي الدجى كلّ طَارق
كَأَن بهَا الماذي يجمد تَارَةويقطر من راقي المكانة رائق
كأنّ الَّذِي تهديه من تمرها اغتذىبريقة موموق ورقة وامق
مننت بهَا منثورة وشفعتهابمنظومة كالعقد فِي نحر عاتق
من الْكَلم اللائي انتمين إِلَى الْعلَاوشرّفن بالتسديد بيض المهارق
فَكتب مجاوباً وللتشريف المنيف واهباً
أَتَت فخبا من نورها نور شارقولاحت فَلم يلمح وميض لبارق
وَجَاءَت موشاة من أقلامك الَّتِيبريقتها راقت صفاح المهارق
فَمَا شِئْت من لفظ لمعناه حَافظوخطّ لَهُ حظّ من الْحسن فائق
فروض بنان فاتن حسن زهرهوَروض بَيَان مثمر بالحقائق
جلوتهما فِي رقْعَة فأرت لنامحلّ محلاّة وأوراق رائق
وكالخمر إطراباً ولكنّ سكرهاتحوّل شكرا للمدير الْمُوَافق
كأنّ بريق الحبر فِي صفحاتهايريق على رأد الضّحى ريق عاشق
غَدَتْ باحورار تستبي كلّ مقلةوتغري بتبريح الْهوى كلّ رامق
تميس برِيح الْحسن زهواً سطورهاكَمَا مَاس خوط البان وسط الحدائق
من اللُّؤْلُؤ المنظوم لفظا تعطلتبلألائه لألاء درّ المخانق
تبدّت فأسلت عَن هوى كلّ عاشقوأغرى بصمت قَوْلهَا كلّ نَاطِق
مطرزة مَا الْبرد مِنْهَا وَإِنَّهَالمنه وَمَا سبق العصور بلائق
لَهَا نَغمَة تهدي بهَا أكؤس الطّلاوتحدي المهاري بَين سَاق وسائق
كَأَن بهَا نَارا تشعشع للقرىفيعشو إِلَيْهَا كلّ سَار وطارق
أهبت بهَا سراًّ فلبّت مجيبةبهزّة معشوق وَطَاعَة عاشق
فَجَاءَت كَمَا شَاءَت وشئت مُقِيمَةوخافقة بالْحسنِ فِي كلّ خافق
وَجئْت بهذي مثل هاد وصائدوَقد شاف أظلال الْعقَاب بباشق
وَمن يقتحم مَا لَا يُطيق اقتحامهيلاق الَّذِي بِالْحرِّ لَيْسَ بلائق
فَكتبت إِلَيْهِ ممتدحا مستمنحاً
لمن كلم كَاللُّؤْلُؤِ المتناسقلَهَا فضل موصوفاتهنّ البواسق
نفائس كالأعلاق تجتذب النّهىلفتنتها من حسنها بعلائق
جلائل أَلْفَاظ إِذا مَا قرأتهاقريت معينا من معَان دقائق
يَجِيش بهَا بَحر من الْعلم والندىحبا كلّ أفق من حلاه بفائق
ملاكيّة سيقت لتشريف سوقةوَحسب الْأَمَانِي من مسوق وسائق
مطهرة الأعراق لَيْسَ لمعبدبأبياتها شدو وَلَا لمخارق
نمتها الْمَعَالِي وَالْهِدَايَة والتّقىفَجَاءَت لعادات القريض بخارق
أَلا بِأبي مِنْهَا هديّ بلاغةتناغى المهى محجوبة فِي المهارق
شَقِيقَة روض الْحزن باكره الحيافحيّا بغضّى نرجس وشقائق
أطالع من قرطاسها كلّ غاربمحَاسِن تَلقانِي بطلعة شارق
وألثم من أسطارها كلّ فاتنبِمَا يجتلي من رقمها كلّ رامق
ولوعاً بيمنى نمنمتها حديقةتزهّد أحداق الورى فِي الحدائق
كَأَنِّي مِنْهَا فِي نسيم نوافحتهبّ أصيلاً أَو شميم نوافق
تدانت رحيباً شأوها وَتَبَاعَدَتْفَضَاقَ نطاقاً عِنْدهَا كل نَاطِق
رشفت بهَا مثل الثغور عذوبةفأقصرت عَن ذكر العذيب وبارق
وملت إِلَيْهَا والفصاحة ملؤُهَاصحيفَة ضخم السّرو ضخم السّرادق
يشقق أَطْرَاف الْكَلَام لِسَانهفيثني الفحول اللّسن خرس الشّقاشق
وقور فَإِن هزّته نَغمَة صادحرَأَيْت قَضِيبًا مِنْهُ أثْنَاء شَاهِق
سما بِأَبِيهِ حِين سمّوه باسمهفَللَّه من سامي الْمَرَاتِب سامق
ميمّم مرضاة الإِمَام بِسَيْفِهِوموضح خافي الْهدى فِي كلّ خافق
سميّ الَّذِي استسقى بعم نبيهفأخمد برد الودق حرّ الودائق
وَوَافَقَ فِي عهد الرسَالَة ربّهوناهيك من توفيق ذَاك الْمُوَافق
من الصفوة الْأَبْرَار صيغوا وصوروالمَوْت أعَاد أَو حَيَاة أصادق
إِذا حقّ أَو حاف اضطهاد بِأمةتخلصها مِنْهُم حماة الْحَقَائِق
أمولاي إغضاء فللفكر نبوةوَلَا نبو إِلَّا لاعتراض الْعَوَائِق
على أَنَّهَا الغايات أعيا لحاقهافَلَا سبق فِيهَا للوجيه وَلَا حق
إِلَى الْعَجز يلوي بعد لأي عنانهوَإِن عدّ صَدرا فِي الْعتاق السوابق
وأنّي لمثلي أَن يساوق مثلهَاوَمَا قس البراسا من مسَاوٍ مساوق
ولكنني فِيهَا على نهج خدمَةلأنعم من أرفاقها بمرافق
سَلام عَلَيْهَا ساحة مولويةملم لهاها الْبيض غير مفارق
تجود بِوَضْع الدّين من سَعَة الندىوتضرب صفحاً عَن تقاضي المضايق
فراجع مشرّفاً عَنْهَا بقصيدة مباركة مِنْهَا
أَتَت كَثْرَة كالجحفل المتضايقوَقد سَالَ مِنْهَا كلّ شعب وشاهق
وفاض على شهب المهارق سيبهاكَمَا فاض بعد الْفجْر نور الْمَشَارِق
كأنّ بصيص الحبر فَوق اسودادهمذاب زجاج إثمديّ المعالق
جرى فَوْقه دهن فخطّت بِمَا جرىوَمَا ذاب فِي القرطاس أَقْلَام ماشق
وَلَا عيب فِيهِ غير أَن رقومهتلوح احوراراً فِي لحاظ المهارق
وتبلغ سرّ العاشقين وَلم يغبرَقِيب فيشقى من تنعم عاشق
غَدَتْ كغصون الشوك شعثاً سطورهوَفِي ضمنهَا مَا ضم زهر الحدائق
وَمَا هِيَ إِلَّا معجزات تظاهرتلتعجيز ذِي دَعْوَى وتصديق صَادِق
أتيت بِمَا لَا يُسْتَطَاع تحدياًوَجئْت ببدع للعوائد خارق
فتبنا من الدَّعْوَى وَلَا من معاندوثبنا لإيمان وَمَا من مُنَافِق
وَله أعزه الله وَكتب إليّ بِهِ مُلْتَزما فِيهِ مَا لَا يلْزم
أنفذت نظمي قبل تَنْقِيح لَهُفئوت بِهِ أَذَى مليّاً تعرك
وأخو البديهة لَيْسَ يَخْلُو قَوْلهمِمَّا يعوّض عَنهُ أَو يسْتَدرك
وأصحّ حَال فِيهِ مَا روّيتهوَرَأَيْت وقتا فِيهِ وقتا يُشْرك
فلئن كَفَفْت عَن القريض فَصَالحوَلَئِن تركت الكفّ عَنهُ لأنرك
وَأرى الْإِصَابَة كالهديّ وروحهاطوراً تهيم بِهِ وطوراً تفرك
إِن البديع لمدرك لكنهمَعَ ذَاك مَا فِي كلّ وَقت يدْرك
وَله فِي حلواء
خُذْهَا إِلَيْك شَقِيقَة لسجيةلَك طالما سرّت فِرَاق فريقها
تتحلب الأفواه عِنْد مذاقهاطيبا تحلّبها لرشف رحيقها
وافتك فِي أفق الخوان وَقد حكتللشمس عِنْد غُرُوبهَا وشروقها
تعزى إِلَى عذب المجاجة مِثْلَمَانفث البلاغة قَائِم بحقوقها
من كل خافقة الْجنَاح لتجتنيزهر الخمائل من أعالي نيقها
تنمي لآل الْوَحْي آيَة سنخهافتسلّم اللهوات فِي تصديقها
لَا غرو فِي بشر الطباع لوقدهافَالنَّفْس تأنس بالتماح رفيقها
وترقّ إِذْ يشدي لَهَا بنسيمهاكالنحل تلهج إِذْ يجاء بريقها
وَله من أَبْيَات فِي المجبّنات
وربّ زائرة معسولة الْخلقتعزى لزهر الرّبى والوابل الغدق
جَاءَت وَفصل الرّبيع الطلق يحفزهاكالطيف يطْرق من أغفى على قلق
محمرة اللَّوْن وَالْفضل الْمُبين لَهَاعلى الغرالة إِذْ تبدو على الْأُفق
كَأَنَّهَا هِيَ إِلَّا أَن بَينهمَامَا بَين مَحْض النَّعيم العذب والحرق
كَأَنَّهَا وبنان الْقَوْم يغمزهابدر تشقّق عَنهُ حمرَة الشَّفق
وَهَؤُلَاء خَاتِمَة الشُّعَرَاء من الْأُمَرَاء وَأَبْنَائِهِمْ على الشَّرْط الَّذِي لَا يسوغ معنى الْتِزَامه لفظ أسمائهم
وَلَو نسئت بالأندلس إيالة الْإِسْلَام لنسقت على الْعَادة محَاسِن الْكَلَام
وَلَكِن فِي هَذِه الْمِائَة الْأَخِيرَة أدْرك مرامهم الرّوم فِي الجزيرة واستحكمت إبارتهم لَهَا بِحكم الْفِتْنَة المبيرة حَتَّى ملكوها وجزائرها بَين الصُّلْح والعنوة وَغَايَة أَهلهَا إِلَى هَذِه الْغَايَة أَن يتساقطوا على العدوة وكل مِنْهُم مفلت بجريعة الذّقن ومسلّم لعَدوه الْكَافِر مَحْبُوب الوطن
كم تركُوا من جنّات يدوسون غلالها وديار يجوسون خلالها وعيون يفجر تغويرها الْعُيُون دَمًا وزروع مَا عدا وجودهَا أَن عَاد عدماً ثمَّ لَا انتصار بِغَيْر العبرات وَلَا اقْتِصَار إِلَّا على الزفرات والحسرات وَلم يبْق الْآن إِلَّا إشبيلية أمّ الْقَوَاعِد والمدائن ومأمّ الركائب والسّفائن وَقد أشفت على الذّهاب واستوفت على الخراب فِي حسن المصابرة ورزؤها خَاتم الأرزاء وثكلها الدَّافِع فِي صدر العزاء نَعُوذ بِاللَّه من بأسه وتنكيله ونعود إِلَى مَا كُنَّا بسبيله
إِبْرَاهِيم بن إِدْرِيس بن أبي إِسْحَاق ابْن جَامع أَبُو إِسْحَاق
ولى سبتة إِلَى أشغال بحرها فِي آخر وزارة أَخِيه أبي الْحسن عَليّ بن أبي الْعلَا وَأول الْفِتْنَة المنبعثة صدر سنة إِحْدَى وَعشْرين وَفِي ذَلِك الْعَام صرفا جَمِيعًا وَقتل عليّ مِنْهُمَا بِجَزِيرَة طريف فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم فِيمَا أَحسب قبل ذَلِك وَكَانَ فِي بَيته الْمَخْصُوص بالوزارة مَوْصُوفا بِحسن الإدارة على أَن جَمِيعهم لأشتات السّرو جَامع وَمَا مِنْهُم إِلَّا لَهُ حلم أصمّ وجود
سامع أبقت على بقاياهم الدولة الحفصية فَأَصْبَحت أيامهم العصية وأكثبت آمالهم القصية وَهَا هم قد نهضوا بالأعباء وانفردوا بالمحاباة فِي الأحبّاء حَتَّى جرى الْأَبْنَاء مجْرى الْآبَاء
وَلأبي إِسْحَاق هَذَا امتياز بِفضل أدب واعتلاق مِنْهُ بِسَبَب وَهُوَ الْقَائِل يُخَاطب أَبَا بكر بن يزِيد بن مُحَمَّد بن صقْلَابٍ عَامل المريّة
يَا نازحاً حبّه وَكيدوَمن تراعى لَهُ العهود
حللت مني مَحل نَفسِيفَأَنت دَان مني بعيد
إِن قَالَ إلْف قد ملّ إلفيوودّه نَاقص يبيد
قلت لَهُ زارياً عَلَيْهِيزِيد فِي حبّه يزِيد
فَكتب إِلَيْهِ مَعَ نثر بِأَبْيَات مِنْهَا
قدك اتّئب أَيهَا الحسوددارت على راحتي السُّعُود
واهتز عطف الزَّمَان لينًاوَكم عسا للزمان عود
أجني يَدي بعد مَا تجنّىزهر الْأَمَانِي كَمَا أُرِيد
فمسرحي ممرع جميمومشرعي سلسل برود
وكل ليل عليّ صبحوكل يَوْم لدىّ عيد
سُلَيْمَان بن الْحَاج عبد الله ابْن ويفتن أَبُو الرّبيع
عَامل إفريقية وَكَانَ قبل ذَلِك والياً على قابس وَغَيرهَا واستنيب على حَضْرَة تونس أيدها الله وَمن شعره يُخَاطب بعض الْمُلُوك وَقد قَصده فحجبه وأنشدني ذَلِك لَهُ من سَمعه مِنْهُ
يَا أَيهَا الْملك الَّذِيضنّت بِهِ حجب الجلاله
جد لي بِإِحْدَى الحسنيينمن الرَّسُول أَو الرسَالَة
عبد الله بن مُحَمَّد بن وَزِير أَبُو مُحَمَّد
قد تقدم ذكر أَبِيه أبي بكر فِي آخر الْمِائَة السَّادِسَة وَأَنه كَانَ والياً على قصر الْفَتْح وَمَا إِلَيْهِ من الثغر الغربي وَبعد وَفَاته ولى عبد الله ذَلِك وَكَانَ أكبر بنيه وَالْوَارِث دون إخْوَته أدبه ورتبه
وَلم تطل ولَايَته وَلَا كَادَت تتبين كِفَايَته حَتَّى نازله الإفرنج وتغلبوا عَلَيْهِ فِي جُمَادَى الأولى سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة بعد وقيعة هُنَالك فقد فِيهَا آلَاف من الْمُسلمين بتخاذل رُؤَسَائِهِمْ يَوْم التقى الْجَمْعَانِ وَهِي إِحْدَى الكوائن المنذرة حِينَئِذٍ بِمَا آل إِلَيْهِ أَمر الأندلس الْآن وَأسر عبد الله هَذَا وَمن كَانَ مَعَه ثمَّ تخلص من تِلْكَ الْحَال بحيلة تَوَجَّهت لَهُ
وَاسْتعْمل بعد وفادته على مرّاكش إِثْر خلاصه وقبضت عَلَيْهِ الْعَامَّة بإشبيلية بَلَده بتحريك مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الملقب بالمتوكل إِيَّاهَا عَلَيْهِ وعَلى أهل بَيته وسيق إِلَيْهِ فَقتله وأخاه أَبَا عَمْرو عبد الرَّحْمَن مُنْصَرفه من الوقيعة الْعُظْمَى عَلَيْهِ بماردة من الثغر الجوفيّ فِي سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة
وَهُوَ الْقَائِل فِي عُثْمَان بن نصر أَمِير قومه الرّياحييّن عِنْد الصفح عَنهُ بعد الْقَبْض عَلَيْهِ
قَالُوا عَفا الْأَمِير عَن عُثْمَان قلت لَهُمسيوسع الْملك الْإِحْسَان والصّفدا
مَا كَانَ أولاه من عَفْو وأوقعهلَو أَن ذَلِك فِي الْيَوْم الَّذِي وردا
لكِنهمْ لحظوا لحظ الرءوف أمايُؤَدب الْوَالِد المستصلح الولدا
كالبحر لَا تقذف المرجان لجتهإِلَّا إِذا قذفت أمواجه الزبدا
وحدّثت أَن أَبَاهُ أَبَا بكر مرّ فِي بعض أَسْفَاره بوادي الْحمام وَهُوَ مَا بَين أركش وَبَين مَدِينَة ابْن السّليم فَسمع غناء حمامة فَقَالَ
أحمامة ناحت على وَادي الْحمامخلّى ادّعاء جوى المشوق المستهام
أَيْن الدُّمُوع وَأَيْنَ لبس الْحزن أمأَيْن التلذّذ بَين أثْنَاء الْخيام
أحللت أَنْضَرُ أيكة تهفو علىوَاد تصفّق إِذْ خلوت من الغرام
وصدحت بالكف الخضيب كموقعببنانه يَتْلُو بهَا نغم الْكَلَام
وَزَعَمت أَنَّك هَامة لليوم أَوغده وشأنك يَا حمام سوى الْحمام
أَنا ذَاك لي جسم عَفا بالسّقم إِذْوفّى لعلوة غير مَذْمُوم الذمام
مَا كنت أعلم قبله أنّ الجوىيبري الجسوم كَمثل مَا يبري الحسام
ثمَّ إِن عبد الله ابْنه هَذَا مرّ بِهِ بعد حِين فَتذكر قَول أَبِيه فِيهِ فَقَالَ
أحمامة الْوَادي أخفت من الْحمامفشكوت مَا تلقين شكوى المستهام
كذب الْحمام فَأَيْنَ دَعْوَى مظهرأشجانه من ذِي خَفَاء واكتتام
شهِدت دموعي والجوى وَلَو أننيخَاصَمت بالجسم السقيم كفى السّقام
بل قد عذرتك يَا حمام فَلم تطقعوناً يبين عَن الَّذِي بك من أوام
مَا باختيارك خضّبت كف وَلَاقلّدت طوقاً مَا لَهُ عَنْك انفصام
أَو مَا ترى الكحلاء طبعا تَشْتَكِيثكلاً وناظرها يدل على اتهام
ردي الهديل فإنني أشجي بِهِيَا لَيْتَني لم أدر يَوْمًا مَا الغرام
وَوجدت مَنْسُوبا إِلَيْهِ
بدا محيّا جَابروَاللَّيْل ملق أزره
والبدر قد قابلهوَالْمُشْتَرِي والزّهره
فَقلت ذَا أَضْوَأ منتِلْكَ الثَّلَاث النيّرة
فَقَالَ صحبي كلّهمإِي وَالَّذِي قد صورّه
وَهَذِه الأبيات قد أنشدنيها أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحَاج أبي عَامر مُحَمَّد بن حسن ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الفِهري ببلنسيّة بعد سنة عشر وسِتمِائَة لشَيْخِنَا أبي الْحسن بن حريق وحَدثني أَنه سَمعهَا مِنْهُ عِنْد ارتجاله إِيَّاهَا فِي شبيبة أبي
الْحسن قَالَ وَكَانَ يمِيل إِلَى وسيم يعرف بِجَعْفَر الخضري فَقعدَ وَأَنا مَعَه فِي إِحْدَى اللَّيَالِي المقمرة بَين العشاءين ومعنا طَائِفَة من أترابنا ترتقب وُصُول جَعْفَر هَذَا فَلَمَّا أطل قَالَ ذَلِك وَأول الأبيات
(بدا محيا جَعْفَر ...)
إِلَى آخرهَا إِلَّا أَنه قَالَ فَقلت ذَا أجمل مَكَان أَضْوَأ وَهِي بِابْن حريق أولى مَعَ أَنِّي لم أَجدهَا فِي ديوَان شعره إِذْ قرأته عَلَيْهِ وَلَا أَدْرِي كَيفَ نسبت إِلَى ابْن وَزِير
إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن صنانيد الْأنْصَارِيّ أَبُو إِسْحَاق
كَانَ أَبوهُ والياً على جيّان وَقد وَليهَا هُوَ بِآخِرهِ وَتصرف قبل ذَلِك بثغر بطليوس وهنالك صاحبته وَمِنْه خاطبني وخاطبته وأصل أوّليتّه من شقورة
وَكَانَت لِأَبِيهِ نكايات فِي العداة وعنايات بالعفاة حَتَّى لدوّنت أمداحه وَشهر بأسه وسماحه
وَأما ابْنه هَذَا فغلب الْأَدَب عَلَيْهِ وانتسب السّرو إِلَيْهِ وَإِلَّا يكن مَعَه بَأْس أَبِيه ومضاؤه فمعه معروفه الْمَعْرُوف وسخاؤه
حَدثنِي شَيخنَا أَبُو الْحسن بن حريق أَنه أَيَّام اشْتِغَاله بِجِهَة جيّان وتردده عَلَيْهَا فِي صدر هَذِه الْمِائَة لقى أَبَا إِسْحَاق هَذَا فأفهمه بِمُقْتَضى سروه الْحِرْص على مدحه ثمَّ بعث قريحته على ذَلِك بجزيل من منحه فَقَالَ فِيهِ قصيدته الفريدة الَّتِي أَولهَا وأنشدني جَمِيعهَا
أعرى من الْمَدْح الطّرف الَّذِي ركبالماجرى فِي ميادين الصبّا فكبا
تمرّ وثباً بِهِ خيل الشَّبَاب فَلَايسطيع من مربط الْخمسين أَن يثبا
وَرُبمَا شقّ أسداف الظلام بِهِركضاً وشقّ بِهِ الأستار والحجبا
يَقُول فِيهَا
يلقى الغواني بإنكار معارفهوهنّ أقرب خلق مِنْهُ منتسبا
إِن كنّ سّمينه عصر الشَّبَاب أَخالَهُنَّ فاليوم أَحْرَى أَن يكون أَبَا
رعينه خضرًا رطبا فحين عساأتين يرعين ذَاك الإل والنسبا
وَفِي مدحها
لَا بُد أَن ينصر الْآدَاب مشترطللمجد أَن ينصر العلياء والحسبا
ندب لآل صنانيد بِهِ رتبفَاتَت برفعتها الأقدار والرتبا
تقدّمت بهم من فَضله قدمداسوا بإخمصها الأقمار والشهبا
نالوا بسعي أبي إِسْحَاق مَا طلبُواونال عفوا أَبُو إِسْحَاق مَا طلبا
يَا ضَاحِكا للمنى من مبسم لقطتمن لَفظه الدرّ واشتارت بِهِ الضّربا
ومفصحاً بنعم فِي كل مَسْأَلَةإِلَّا لمن لامه فِي الْجُود أَو عتبا
كن لي كَمَا أَنْت فِي نَفسِي فقد عقدتبيني وَبَيْنك أَسبَاب الْعلَا قربا
وَذَاكَ أَنَّك تهدي البرّ منتخباًنحوي وأهدي إِلَيْك الْحَمد منتخبا
وَمِنْهَا
وسامع بك فِي أقْصَى مَنَازِلهأَفَادَ من رفدك الْأَمْوَال والنشبا
رجاك فامتلأت أرجاؤه بَدْرًاوَلم يشدّ لَهَا رحلاً وَلَا قتبا
سوى قصائد والاها منقحةأدَّت إِلَى راحتيه ثروة عجبا
صاغت لَهُ كيمياء الْجُود إِذْ وَردتمِنْهَا نضاراً وَكَانَت قبلهَا كتبا
فَأَشْبَهت حَال بنت الْكَرم إِذْ خلصتفِي الدّنّ خمرًا وَكَانَت قبله عنبا
وَمن شعر أبي إِسْحَاق يعْتَذر إِلَى بعض الرؤساء من ترك زيارته لنقرس كَانَ يلازمه
كم رام كاتبها زِيَارَة مجدكمفتفوق عَن آماله آلامه
يَا ماجداً عذرا إِلَيْك فَإِنَّهُلَا تستقلّ بِحمْلِهِ أقدامه
وَكتب إليّ مجاوباً فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة
أَتَتْنِي فَقلت لَهَا مرْحَبًاتَحِيَّة صدق تحلّ الحبا
يسير بهَا الْعَهْد مستحفظاًويسري النسيم بهَا طيّبا
يهبّ الْوَفَاء بهَا بارقاًفيلثمني ثغره أشنبا
تأرّج لما سرى موهناًيُؤَدِّي أمانات زهر الرّبى
وَقد نضح الطلّ أعطافهفأنساك حسنا عهود الصّبا
تحمّل عَن ذِي الْهوى لوعةيضيق عَلَيْهَا النَّوَى مذهبا
وزار فأدنى بعيد النَّوَىوبعّد بالشوق مَا قرّبا
وَأهْدى من الود عرفا بليلاًعليلاً يصحّ بِهِ من صبا
وذكّرني بالسّري مخلصاًأسامر وجدا بِهِ الكوكبا
وَمَا كنت عَنهُ لبعد المزارذهولاً فأطلب مستعتبا
وَكَيف التناسي لمن قد غَداطرازاً بكمّ الْعلَا مذهبا
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع