من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة السَّابِعَة
الصفحة ٢ من ٢
(وقرطا عَليّ مسمعي ذكره ...، معني على الْقلب مستعذبا)
فبلّغه عني سَلاما جزيلاًيسير مَعَ الْقلب مستصحبا
وَلَو كنت فِي ودّه منصفاًلما نَاب عني نسيم الصّبا
يحيى بن أَحْمد بن عيسي الخزرجي أبوالحسين
منتماه إِلَى قيس بن سعد بن عبَادَة صَرِيح وَحَدِيث نداه عِنْد رُوَاة علاهُ حسن صَحِيح وَولد بدانية دَار آبَائِهِ وَبهَا نَشأ ثمَّ أوطن شاطبة وأصهر بهَا إِلَى شَيخنَا أبي عمر بن عَاتٍ وَمَال إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَمَا زَالَ يرتقي فِي معالي الْأُمُور دَرَجَة بعد أُخْرَى حَتَّى سَاد أَهلهَا ووليها من قبل مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الملقب بالمتوكّل إِلَى أَن توفّي فِي آخر شعْبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ووليها بعده أبناؤه والرئاسة مِنْهُم لأبي بكر مُحَمَّد
وَصَارَت إِلَيْهِ دانية مُدَّة يسيرَة إِلَى أَن تغلب الرّوم عَلَيْهَا مستهلّ ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ثمَّ تملّك الرّوم أَيْضا شاطبة فِي آخر صفر من سنة أَربع وَأَرْبَعين بعد مهادنة ومداراة لطاغيتهم البرشلوني من حِين تغلبه على بلنسيّة فِي صفر أَيْضا وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع عشر مِنْهُ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَكَانُوا قد شارطوا على سكانها بإتاوة مَعْلُومَة
وَفِي وقتنا هَذَا وصل بعض الشاطبيين يخبر أَنه أجلاهم عَنْهَا مَعَ أهل جهاتها وهم أُلُوف من الْمُسلمين فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد وَأَوَى أَبُو بكر هَذَا فِي خاصته إِلَى حصن بمقربة مِنْهَا وَذَلِكَ فِي رَمَضَان من سنة خمس وَأَرْبَعين
وَلأبي الْحُسَيْن فَضَائِل مَذْكُورَة ومآثر مأثورة ورزق قبولا مازال بِهِ مأمولا من رجل يجْرِي على أعراقه فيدع الضّنانة بأعلاقه ويسع النَّاس بأمواله كَمَا يسعهم بِحسن أخلاقه يلقِي الْوُفُود مرْحَبًا ويلفي كَمَا عوّد الْجُود الَّذِي تقيّل فِيهِ الجدود منسحباً
وَكلما لَقِي الدِّينَار صَاحبهفِي ملكه افْتَرقَا من قبل يصطحبا
وَأول ظُهُوره فَفِي الْفِتْنَة المنبعثة فِي أول سنة إِحْدَى وَعشْرين وَكَانَت بضاعته الْأَدَب مَعَ مشاركته فِي غَيره ويغلب عَلَيْهِ تحبير النثر أَكثر من تجويد الشّعْر
وَهُوَ الْقَائِل معتذراً إِلَى بعض الْأُمَرَاء
إِن قصّرت فِي خدمَة محسوسةفِيمَا مضى من دهري الْمُتَقَدّم
فلنيّتي مَكْنُون خدمتها الَّتِيعقلت وَإِن حجبت لمن لم يفهم
ولديّ عذر فِي التَّخَلُّف أولاّوَلكم حلوم فَوق جرم المجرم
وَإِذا محا مَا قد تقدّم عفوكمفولاء رقّي ثَابت للمنعم
وَلَقِيت عِنْد لقائكم مَا أمّلتنَفسِي وَلَكِن كَيفَ لي بمسلّم
وضراعتي فِي أَن يكون قبولكمفَوقِي بِمَنْزِلَة الرِّدَاء الْمعلم
وَله يُخَاطب أَبَا عبد الله بن عَيَّاش الْكَاتِب من قصيدة
مَالِي يَد بجزاء مَا أسديتهوالكفّ تقصر عَن محلّ الْكَوْكَب
إِنِّي وقفت على جنابك همتيوَجعلت ربعك كعبتي ومحصّبي
وَلَئِن سَأَلت عَن الَّذِي أَنا طَالبمَالِي سوى نيل الْعلَا من مطلب
وَله
عزاء أَبَا عَامر إِنَّهوَإِن كَانَ رزؤك رزءاً جَلِيلًا
فَإِن الرَّسُول قضى فاجعلنعزاءك عَمَّن يَمُوت الرسولا
وَقدر التصّبر قدر الثَّوَابفصبراً توفّ الثَّنَاء الجميلا
وأنشدني لَهُ ابْن أَخِيه أَبُو الْحُسَيْن عَزِيز بن أبي عَمْرو سعد بن أَحْمد فِي وسيم أسمر أَزْرَق أرمد
عابوه أسمر ناحلاً ذَا زرقةرمداً وظنوا أَن ذَاك يشينه
جهلوا بِأَن السّمهريّ شبيههوخضابه بِدَم الْقُلُوب يزينه
عَزِيز بن عبد الْملك بن مُحَمَّد ابْن خطاب أَبُو بكر
كَانَ لَهُ مَعَ شرف الْبَيْت ونباهة السّلف تقدم مَعْلُوم فِي الْعُلُوم وتميز بالمشاركة فِي المنثور والمنظوم وَولى مرسية بَلَده من قبل ابْن هود المتَوَكل وَهُوَ الثائر بِموضع مِنْهُ يعرف بالصخور فِي آخر رَجَب سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَدخل مرسية بمواطأة قاضيها حِينَئِذٍ أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد القسطلّي قتيله بعد وَقبض على واليها وَذَلِكَ فِي أول يَوْم من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَمِنْهَا ملك بِلَاد الأندلس بأسرها إِلَّا بلنسيّة إِلَى أَن هلك بقصبة المريّة لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة خمس
وَثَلَاثِينَ وَكَانَ أمره عجبا لَوْلَا أَنه أورث عطباً وأعقب شجباً وَفِي ولَايَة أبي بكر هَذِه قدم عَلَيْهِ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن الصَّابُونِي الإشبيلي شَاعِر وقته وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فامتدحه بقصيد فريد أَوله
أَهلا بطيف خيال مِنْك منسابأدال عتبك عِنْدِي حِين إعتابي
يَقُول فِيهِ
لَا درّ درّ ليَالِي الْبعد من زمنيطول فِيهِ اجتراع الصّبّ للصّاب
نابت صروف نبا بِي عِنْدهَا وطنيقرعت نابي لَهَا من رحلي النابي
جوّابة الأَرْض لَا ألوي على سكنتمْضِي الركاب وتجري بِي لتجوابي
فِي الْفلك أَو فِي ظُهُور العيس منتقلاًفِي مذهل اللّب بَين الموج واللاب
لَا أستكنّ بكانون لقرّتهوَلست آبي من التهجير فِي آب
فَكُن بإدلاج تأويبي على ثِقَةمن أوبتي شجو أَعدَاء لأحباب
وَيَا معنّي بريب الدَّهْر يرهبهلَا تبتئس بعد من إرهاق إرهاب
إِن أغريت بك أبكار الخطوب فلذمِنْهَا بمجد أبي بكر بن خطاب
بالسّيد الأوحد النّدب الَّذِي كملتبِهِ الْعلَا بَين أَخْلَاق وأحساب
يلقِي بِهِ سَائِلًا جود وَمَعْرِفَةطبّاً بتلقيح أَحْوَال وألباب
يحر من الْعلم يسْقِي من يلمّ بِهِوَيُرْسل السّحب للنائي بتسكاب
(وعندما راعت الدُّنْيَا إيالته ...)
نَام الْأَنَام سكوناً بالمنى وهفتبِالْمَالِ هَيْبَة غمر الْجُود وهّاب
وَمِنْه
لَوْلَا اعتناء عَزِيز مَا عززت علىدهري وَقد بزّ لمّا عزّ أسلابي
تقلّبت حركات الدَّهْر بِي غيراًحَتَّى كَأَنِّي مِنْهَا حرف إِعْرَاب
ثمَّ انْفَرد بتدبير مرسية بعد وَفَاة ابْن هود وطرد عَنْهَا أَخَاهُ عليّ بن يُوسُف الملقب بعضد الدولة ودعا لنَفسِهِ وبويع لَهُ فِي الرَّابِع من الْمحرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وتغلب عَلَيْهِ أَبُو جميل زيان بن مدافع بن يُوسُف بن سعد الجذامي فِي يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شهر رَمَضَان من السّنة واعتقله قَلِيلا ثمَّ قَتله صبرا على أثر ذَلِك لَيْلَة الِاثْنَيْنِ السَّادِس وَالْعِشْرين من الشَّهْر
وَكَانَ فِي أول أمره أبعد النَّاس مِمَّا صَار إِلَيْهِ وتورط فِيهِ يؤذّن فِي
الْمَسَاجِد ويحيك الحلفاء ويصحب المتعبدين والرئاسة تهيب بِهِ لاحتيازه إِيَّاهَا من طَرفَيْهِ فَمَا لبث أَن أجابها مُقبلا عَلَيْهَا ومهرولاً إِلَيْهَا ليَكُون فِيهَا حتفه وَالله غَالب على أمره
وأخواله بَنو عِيسَى الخولانيون فتيَان الصَّباح وفرسان الكفاح وَأما آباؤه فكفاهم مجداً تالداً وذكراً خَالِدا مَا حكى ابْن حيّان فِي تَارِيخه الْكَبِير وقرأته بِخَط القَاضِي أبي الْقَاسِم بن حُبَيْش أَن أَبَا عمر أَحْمد بن خطاب وَهُوَ الْمَعْرُوف بالخازن ضيّف مُحَمَّد بن أبي عَامر وَرِجَال عسكره فِي اجتيازه إِلَى برشلونة فجَاء فِي الاقتدار على ذَلِك بِمَا صَار حَدِيثا بعده وَكَانَ فِي نِهَايَة من الثراء والسّرو والسماحة مَخْصُوصًا بصداقة ابْن شَهِيد
قَالَ وَكَانَ وَلَده أَبُو الْأَصْبَغ مُوسَى يحتذي حذوه فِي الدّهقنة وَهُوَ الَّذِي ضيّف أَيْضا طرفَة الْخَادِم مولى عبد الْملك بن أبي عَامر وَرِجَاله فِي اجتيازه بِهِ غازياً قوم أعانهم على الْحسب الثراء فَلهم فِي الْفضل مقاوم مَذْكُورَة وهم موَالٍ لبني مَرْوَان من ولد عبد الْجَبَّار الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الْبَاب المسدود من أَبْوَاب قرطبة وخلفهم الْيَوْم يدْفَعُونَ ذَلِك ويزعمون أَنهم عرب من الأزد تموّلوا للْقَوْم إيثاراً للدنيا فَالله أعلم بذلك
وَحكى ابْن حيّان أَيْضا فِي الدولة العامرية وَذكر غَزْوَة الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن أبي عَامر إِلَى برشلونة فِي سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وَهِي الثَّالِثَة عشْرين من غَزَوَاته فَجعل طَرِيقه على شرقيّ الأندلس وسلك طَرِيق إلبيرة إِلَى بسطة إِلَى تدمير فتضيّف بِمَدِينَة مرسية قَاعِدَة تدمير الْمَعْرُوف بِابْن خطّاب وَلم يسمّه وَكَانَ ذَا نعْمَة ضخمة وصنيعة وَاسِعَة وهمة علية فَمَكثَ عِنْده ثَلَاثَة عشر يَوْمًا يقوم بِهِ وبجنده وبخدمته جَمِيعًا على مقاديرهم
وَينفذ إِلَى بَاب كلّ وَاحِد مِنْهُم كلّ يَوْم وَظِيفَة من الدَّقِيق وَاللَّحم والفاكهة والقضيم وَصَارَ جَمِيعهم فِي كَفَالَة ابْن خطاب مَا بَين الْوَزير والشّرطيّ فَلم ينْفق أحد مِنْهُم لنَفسِهِ طول هَذِه الْمدَّة مِثْقَال ذرة وَكَانَ يجدد للمنصور كل يَوْم نوعا من الْأَطْعِمَة والفواكه لَا يشبه الَّذِي قبله نعم وَزَعَمُوا أَن ظروفه وأوعيته كَانَت تخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف أَنْوَاعه إِلَى أَن رَحل ابْن أبي عَامر مُتَعَجِّبا بِمَا تبرع بِهِ مستغرباً لمذهبه فِي التحدث بِنِعْمَة ربه بعد أَن أثنى عَلَيْهِ وحطّه جملَة من خراج ضيَاعه وَأمر لَهُ بكساً ولجماعة بني أُميَّة
قَالَ وَسَأَلَ الْمَنْصُور ابْن خطاب أَن يعْمل لَهُ بقرطبة خبيصاً استجاده من حلوائه فأنفذ إِلَيْهِ جَارِيَة اتخذته فِي قصره فقارب التدميريّ وَلم تكمل صِفَاته فَحكم للهواء فِي تجويده
وَكَانَ الْمَنْصُور فِيمَا بعد يصف نعْمَة ابْن خطاب وسروه وَيَقُول هِيَ أَحَق نعْمَة بِالْحِفْظِ وأولاها بِالزِّيَادَةِ لسلامتها من الغمط وَبعدهَا من الْجُحُود وقيامها بِفَرْض التَّزْكِيَة ويوعز إِلَى عماله بتدمير بِحِفْظ أَسبَابه وتحرّي مُوَافَقَته وَالْأَخْبَار عَنهُ فِي ذَلِك طَوِيلَة
وَقَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن سعيد بن أبي الفيّاض وَيعرف بِابْن الغشّاء فِي تَارِيخه المترجم بالعبر وَذكر أَيْضا غَزْوَة الْمَنْصُور إِلَى برشلونة خرج إِلَيْهَا من قرطبة يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت لذِي الْحجَّة من سنة أَربع وَسبعين وثلاثمائة وَهُوَ الْخَامِس من ماية وَأخذ على إلبيرة إِلَى بسطة إِلَى
لورقة إِلَى مرسية فَأَقَامَ بهَا ثَلَاثًا وَعشْرين يَوْمًا فِي ضِيَافَة أَحْمد بن دُحَيْم ابْن خطاب وَابْنه أبي الْأَصْبَغ مُوسَى بن أَحْمد لم ينْفق أحد من عسكره لنَفسِهِ درهما وَاحِدًا فَمَا فَوْقه من الْوَزير إِلَى الشّرطيّ وَكَانَ يجدد كل يَوْم للمنصور نوعا من الطَّعَام والفواكه بآلات مُخْتَلفَة كاختلاف الْأَطْعِمَة والفواكه حَتَّى صَار خَبرا فِي حَدِيث الْمَنْصُور ومفخراً عِنْده يباهي بِهِ وَبلغ أمره إِلَى أَن صنع لَهُ مَاء الْحمام من مَاء الْورْد وأبلغ فِي الإفراط فِي ضيافته فَكَانَ الْمَنْصُور يصفه فِيمَا بعد وَيَقُول نعْمَة ابْن خطاب أَحَق نعْمَة بِالْحِفْظِ وأحرمها على التَّغْيِير وأولاها بِالزِّيَادَةِ والتثمير لسلامتها وَبعدهَا من الْجُحُود وقيامها بِفَرْض التَّزْكِيَة وَكَانَ يُوصي عماله على تدمير ابْن خطاب وتحريّ مُوَافَقَته فِي كل مَا يرغبه
وَمن شعر أبي بكر فِي الطَّرِيقَة الصُّوفِيَّة
لي حبيب أرَاهُ فِي كل آنهُوَ أنسي وبغيتي وجناني
رام قوم أَن يحجبوني عَنهُفاختفى عَن عيونهم وأتاني
فَأَنا والحبيب متصلانوبظنّ الوشاة منفصلان
فَإِذا مَا سكرت لم أر غَيْرِيوَإِذا مَا صحوت فالحب ثَان
جلّ سكري عَن أَن ترَاهُ عُيُونحجبت بالحروف دون الْمعَانِي
وَهَذَا ينحو إِلَى قَول الآخر
أقصروا عَن لومكم يَا لومهوذروا الْقلب وَمن قد تيّمه
إِن من أمرض قلبِي حبّهقَادر إِن شَاءَ يَوْمًا رَحمَه
لي حبيب يتجلّى سحرًاوَلأَهل الودّ بعد الْعَتَمَة
خَالق الْعَرْش مَعَ الْفرش فقدفهم الْمَقْصُود من قد فهمه
وَمَا أحسن قَول أبي الْعَبَّاس بن العريف الزَّاهِد فِي هَذَا المنحى
فاح الندى بمنطقي فتنازعواأبإسحل أستاك أم بأراك
هَيْهَات عهدي بالسّواك وَإِنَّمَاشفة الحبيب جَعلتهَا مسواكي
ويظن من سمع الحَدِيث بِأَنَّهُحق بلَى ومدبّر الأفلاك
رُؤْيا رَأَيْت وإنّ من أبصرتهلمنزه عَن مهنة الْإِدْرَاك
مُحَمَّد بن عَليّ بن أحلى أَبُو عبد الله
تأمّر بلورقة متنقلاً إِلَى الرِّئَاسَة من الدراسة وَكَانَ يجْتَمع إِلَيْهِ فِي علم الْكَلَام وَيُؤْخَذ عَنهُ وَله فِيهِ تواليف وبيته فِي المولّدين تليد النباهة وَبِذَلِك اسْتَعَانَ على مرامه إِلَى مَا لأهل بَلَده من بَأْس شَدِيد وَكَثْرَة عديد
وَلما أمكن أهل مرسية مِنْهَا الرّوم فِي شَوَّال سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة ضلّل رَأْيهمْ وَأبْدى مخالفتهم وَجعل يجادلهم بِلِسَانِهِ ويجالدهم بسنانه فَدَعَا ذَلِك إِلَى قَصده والعيث فِي جِهَته حَتَّى اضْطر إِلَى المسالمة وعَلى ذَلِك بَقِي إِلَى أَن توفّي فِي أول سنة خمس وَأَرْبَعين وَله أشعار بمقصده شاهدة وعَلى معتقده متواردة مِنْهَا قَوْله
الْمَرْء يعلم بِالضَّرُورَةِ نَفسهوَالثَّابِت الْمَوْجُود حيّ وَاحِد
والخلق بَين حَقِيقَة ومقدّرتقضي عَلَيْهِ بالافتقار شَوَاهِد
فَانْظُر بعقلك إِن بدا لَك شرح ذَاكفَأَنت حبر مُسْتَقِيم رَاشد
وأنشدني لَهُ بعض أَصْحَابنَا
تقطعت الْأَسْبَاب ثمَّ بقيت ليفَهَل أشتكي يَوْمًا من الذل والفقر
لَئِن لم يكن مِنْك البعاد فإننيسيغبطني أهل الْمَلَامَة فِي أَمْرِي
فَلَو عرفُوا مِنْك الَّذِي قد عَرفتهللاح لَهُم تفريطهم وبدا عُذْري
سَوَاء لعمري ذمهم وثناؤهمإِذا كنت تَدْرِي من عبيدك مَا تَدْرِي
وَله
خليليّ قد ضَاقَتْ عليّ مذاهبيوكفكفت نَفسِي عَن جَمِيع مطالبي
وضافت جفون الْعين عَن عبراتهالأمر يرَاهُ الْخَبَر ضَرْبَة لازب
وشبت وَلم أبلغ ثَلَاثِينَ حجّةلحجة جَبَّار على الْخلق غَالب
دَعَاني وشجوي والأسى وبلابليفَلَا تعذلاني فِي الدُّمُوع السواكب
أألتذّ بالدنيا وأرنو لحسنهاوَلست إِلَيْهَا بعد موتِي بآيب
لعمري لقد أَصبَحت سَكرَان حائراًجَدِيرًا بِمَا عِنْدِي وَلست بشارب
مُحَمَّد بن سبيع بن يُوسُف بن سعد بن مُحَمَّد بن سعد الجذامي أَبُو عبد الله
ولى دانية لِابْنِ عَمه أبي جميل زيّان بن مدافع بن يُوسُف أَمِير بلنسيّة وانتزى عَلَيْهِ فِيهَا ثمَّ هرب وأسلمها وَكَانَ قد انتزى قبل ذَلِك بمرسية فقيّد وَاحْتمل إِلَى مرّاكش وَحبس بهَا مُدَّة وَله مُشَاركَة فِي الْأَدَب ومطالعة لغيره وَمن شعره
لما رَأَيْت الْقرب دون منالهعوائق دنيا تلْحق الحرّ بالتّرب
تَوَجَّهت للمحراب أبغي وجاهةلعَلي بهَا أرق إِلَى رُتْبَة الْقرب
وَتُوفِّي بِحَضْرَة تونس كلأها الله فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة
سعيد بن حكم بن عمر بن حكم الْقرشِي أبوعثمان
أَصله من طبيرة بغرب الأندلس وَبهَا ولد وَكَانَ بإفريقية لما خَافَ من وَالِي إشبيلية ثمَّ قدم على ميورقة قبل أَن يدخلهَا الرّوم عنْوَة فِي منتصف صفر سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة بِيَسِير فقدّم مِنْهَا عَاملا على منورقة إِلَى أَن تغلب على قاضيها أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن هِشَام وَقد صَارَت إِلَيْهِ رئاستها فِي قصَّة طَوِيلَة وَانْفَرَدَ بضبطها من ثَانِي عيد الْفطر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَى وقتنا هَذَا وَأخرج ابْن هِشَام وَابْنه ثمَّ استرجعهما فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بهما
ودعي بالرئيس وشارط الرّوم على متاركته وبتّ مساكنته بإتاوة لم يخلّ بحملها إِلَيْهِم فِي كل سنة فامتد مهله وحمدت سيرته وَكثر الِانْتِفَاع بِهِ فِي جزيرته حَتَّى يمّمت منتجعاً وَصَارَت للمنقطع بِهِ مفزعاً وَأما العناة فَكَأَنَّمَا فكّهم عَلَيْهِ دين هَذَا وَلَا ورق بنواحيه يَتَّسِع فِيهِ وَلَا عين
وَكثير من الأدباء استرقّهم بإعتاقهم فنوهت بصنيعه أمداحهم وَآخَرُونَ ركبُوا إِلَيْهِ ثبج الْبَحْر ففازت بجميل اصطناعه قداحهم وَبِالْجُمْلَةِ فالجود الْمَحْض صناعته وَالْأَدب الغض بضاعته وَمن شعره
أما الْهوى فسجيتي إضمارهلَوْلَا الدُّمُوع لما فَشَتْ أسراره
مَا عيل بِالْكِتْمَانِ صبري إِنَّمَاعظم الغرام فَضَاقَ عَنهُ قراره
ينهلّ دمعي مَا تشبّ جوانحيوالغصن يندي إِذْ تأجّج ناره
جمحت جِيَاد الْحبّ بِي حَتَّى أَتَتمضمار قيس والردى مضماره
لله غُصْن ناعم قلبِي لَهُمثوى غَدا بردا عَلَيْهِ أواره
أظمأته بالعتب ثمَّ سقيتهدمعي فَأصْبح وَالرِّضَا إثماره
وَله
نقط المداد على برود الْكَاتِبكالخال فِي خد الفتاة الكاعب
لَا شَيْء يحسن بالمداد كثوبهإِن المداد لوشي ثوب الْكَاتِب
وَله
إِنِّي لأعجب من مُلُوك أَصْبحُواوهم موَالٍ أعبد الشَّهَوَات
الأطيبان مُرَادهم ومرادهمأرب الْفروج وإربة اللهوات
لَو وقفُوا وقفُوا اجْتِمَاعهم علىنفي الْهوى فضلا عَن الخلوات
مرت سنُون وهم ملاك للورىيَا ليتهم مروا مَعَ السنوات
مَا نَحن إِلَّا فِي فلاة للردىفلتحذر الشَّهَوَات فِي الفلوات
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع