من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض ﵀ (٢)
الشيخ أبو علي الجياني وهو حسين بن محمّد بن أحمد الغساني بغين معجمة وسين مهملة مشددة الجياني بجيم ومثناة من أسفل مشددة رئيس المحدثين بقرطبة وليس هو منها وإنما نزلها أبوه في الفتنة وأصلهم من الزهراء.
روى عن أبي العاصي حكم بن محمّد الجذامي وأبي عمر بن عبد البر وأي شاكر القبري وأبي عبد الله محمّد بن عتاب وأبي القاسم حاتم بن محمّد وأبي عمر بن الحذاء القاضي وأبي مروان الطبني والقاضي سراج بن عبد الله وابنه أبي مروان وأبي الوليد الباجي وأبي العباس العذري وجماعة غيرهم يطول تعدادهم سمع منهم وكتب الحديث عنهم.
وكان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء المستندين وعني بالحديث وكتبه وروايته وضبطه وكان حسن الحظ جيد الضبط وكان له بصر باللغة والأعراب ومعرفة بالغريب والشعر والأنساب وجميع من ذلك كله مالم يجمعه أحد في وقته ورحل الناس إليه وهولوا في رواية عليه وجلس لذلك بالمسجد
الجامع بقرطبة، وسمع منه أعلام قرطبة وكبارها، وفقهاؤها وجلتها.
أخبر عنه واحد من الشيخ، ووصفوه بالجلالة، والحفظ والنباهة، والتواضع والصيانة. وذكره الشيخ أبو الحسن بن مغيث فقال: كان من أكمل من رأيت علماً بالحديث، ومعرفة بطرقه، وحفظاً لرجاله، عانى كتب اللغه، وأكثر من رواية الأشعار، وجمع من سعة الرواية ما لم يجمعة أحد أدركناه؛ وصحح من الكتب ما لم يصححه غيره من الحفاظ، كتبه حجة بالغة، وجمع كتاباً في الرجال الصحيحين، سماه " تقييد المهمل المشكل " وهو كتاب حسن مفيد، أخذه الناس عنه.
قال أبو القاسم بن بشكوال: قرأت بخط أبي علي رحمه الله تعالى في كتابه: أنا حكم بن محمّد، قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن رزيق، قال: سمعت أبا بكر محمّد بن أحمد البغدادي الوراق، قال: سمعت ابن الأصم يقول: سمعت أبي يقول - إذا رأى أصحاب الحديث -:
أهلاً وسهلاً بالذين أحبهموأودهم في الله ذي الآلاءِ
أهلاً بقوم صالحين ذوي تقىغر الوجوه وزين كل ملاء
يا طالبي علم النبي محمدٍما أنتم وسواكم بسواء
وأصابت الشيخ أبا علي زمانه عطلته، فأعمل الرحالة إلى المرية للاستشفاء، بماءٍ حمتها، حمة بجانة؛ فقدم عليها في صدر المحرم سنة ست وتسعين وأربع مائة؛ وكان نزوله بها على الشيخ الفقيه أبي الربيع سليمان السبائي وفي منزله وبقراءته وقراءة القاضي أبي القاسم بن ورد، وكان أكثر ما سمع عليه من بالمرية ويوجد السماع عليه بحمية بجانة؛ ثم قفل إلى قريته، وبها توفى ﵀ ليلة
الجمعة لاثني عشرة ليلة خلت من شعبان وقال أبو جعفر بن الباذش لعشرة خلون منه سنة ثمان وتسعين وأربع مائة؛ ودفن يوم الجمعة بمقبرة الربض عند الشريعة القديمة؛ ومولده في المحرم سنة سبع وعشرين وأربع مائة؛ وكان لزم داره قبل موته لزمانته.
ذكر ذلك كله ابن بشكوال؛ وفيه عن غيره، وهذا هو الصحيح الذي لا يلتفت إلى غيره، ممن قال إنْ وفاته سنة ست وتسعين وأربع مائة. والله أعلم.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع