من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ترجمة ابن السيد البطليوسي للفتح بن خاقان
الصفحة ١ من ٢
ورأيت تأليفا بديعا للفتح صاحب القلائد والمطمح ضمنه التعريف بهذا الإمام ابن السيد خاصة وهأنا أورده بجملته لغرابته وفصاحته وبلاغته وإنْ كان فيه بعض ما هو من قبيل الهزل الذي الإعراض عند أول وقد جرت عادة الأشياخ بذكر مثل ذلك وحسبك ما ذكره الإمام السيوطي آنفا في حق ابن السيد. وقد اغتفر الناس المقامات مع ما فيها من سخيف المقالات والأعمال بالنيات.
قال ذو الوزارتين الكاتب أبو نصر الفتح بن عبيد الله المعروف بابن خاقان ﵀: أما بعد حمد الله الذي جعل الليل لباسا وأزال عن قلوبنا شكا والتباسا
وأرانا من الهدى منارا وجعل لنا من الشجر الأخضر نارا وخلقنا أطوارا وأطلع لنا شموسا وأقمارا تدل على حكمته ويستدل بها على مقدار نعمته.
والصلاة على نبيه الذي بعثنا من مرقد الضلالة وجلى عنا غياهب الجهالة فظهر الرشاد بعد احتجابه وتوارى الغي في حجابه ﷺ تسليما.
فإني لمّا فرغت من الكتاب الذي أبديت به للإحسان مبسما وجعلته لمحاسن الثمان موسما وجلوت فيه أبكار المفاخر وعونها وخصصت به نكت المآثر وعيونها وشعشعت فيه المحاسن وروقتها وفتقت فيه كمائم البدائع وشققتها حتى أتت أزهى من الحديقة وأبهى من ملك النعمان بين الشقيقة يتمنى السحر أنْ يحلها والعيون النجل أنْ تكحلها فصارت به لأهل الأندلس السن مفتخرة وانتشرت لمعاليهم عظام نخرة ورأيت فيه فضل الأواخر على الأوائل وجريت به أمام سبحان وائل وملكت بسببه كل قياد وتركت ورائي قس أياد وكان لي فيه أمل ثناني أنْ يجلى وعداني أنْ ينص ويتلى فطويته طي السجل ولويته لي محيا الخجل وتركته كالبدر في السرار وأخفيته كما خفى في الغمد ماضي الغرار والخواطر تهيم به أعظم هيم وتستمطره أستمطار المحل المديم والنفوس تتشوف إليه تشوف الضال للمرشد والآذان تصيخ إليه إصاخة الناشد للمنشد وأنا أجعل لقاحه حيالا ولا أريه طيف ولا خيالا ثم خشيت أنْ يكسو الزمان جوهره عرضا ويتخذ الحدثان بدره عرضا فتمحى من وجهه الزمان غرته وتسقط عن جبين الدهر درته ومالمح منه عنان ولا شيم منه ما فيه سلوان فتذوب النفوس عليه عيون الذكاء بعد رمدا فرأيت أنْ أستخرج من أخباره دلالة اللفظ على المعنى واللحظ على المغنى وينبئ عنه إنباء
النسيم على الزهر ويشير إليه إشارة الشاطئ إلى النهر.
ولمّا كان الفقيه الأجل أبو محمّد عبد الله بن السيد أدام الله علوه تاج مفرقه وهلال أفقه ومهب نفح صواره ومحلى أنواره ومجلى أنجاده وأغواره وأنت قد أحكمت نسق أخباره وسردها وفوفت مطرفها وبردها وأطلقتها قمرا وجعلتها سمرا إذ هو أزخر علمائنا بحرا وأوسعهم نحرا وأحسنهم خواطرا وأكسبهم مواطرا وأسيرهم أمثالا وأعدمهم مثالا وأصدقهم لسانا وأعمهم إحسانا وأرفعهم راية وأبعدهم راية وأبعدهم غاية ومحاسنه أعذب جماما وأصفى غماما وأظهر إعجازا وأحسن صدورا وأعجازا رأيت أنَّ أفرد كتابا في أخباره وأجرد ذبابا في إعظامه وإكباره ليبين به فضل من ضمنته تصنيفي ويعلم بأخباره ما أودعت عن تأليفي ويرى أنه قطرة من غمام ودرة من نظام وصبح يدل على النهار ونفح صدر عن حقائق وأزهار.
والله المولى العون والكيل بالكلاءة والصون لا رب غيره.
الفقيه الحافظ الإمام الأوحد أبو محمّد هو عبد الله بن محمّد بن السيد البطليوسي وشلب بيضته ومنها كانت حركة أبيه ونهضته وفيها كان قرارهم ومنها نم آسهم وعرارهم ونسب إلى بطليوس امولده بها ومن حيث كان فقد طبق الأرض علما وملأها ذكاء وفهما.
وأنا أقول: لو أنَّ للأيام ألسنا ناطقة وأوصافا متناسقة تردد فنون بيانهاكالطير ترجع على أفنانها ما جرت إلى إنصافه ولا درت بعض أوصافه ولو أني أمددت ببيان سحبان وأيدت تأييد لسان حسان وأغراني
ابن صوحان الفصاحة وعلمني خالد صفوان إيضاحه لمّا أعربت عن مقداره الرفيع ولا أغربت بما له من التعظيم والترفيع فكيف بلسان قد فل غراره وبنان قد ذوى رنده وعراره وخاطر قد ارتمى في لجج الأخطار ووخز بأطراف القنا الخطار فما تذل له عصي إحسانه ولا تحل النوائب عقدة لسانه فحسبي أنْ أقتصر من وصفه على لمحة وأعطر من عرفه بنفحة فأقول: إنَّه ضارب قداح العلوم ومجيلها وغرة أيامنا البهية وتحجيلها لو أدركه قيس لمّا قضى للحلم وترا ولا شفعا ولو عاصره ابن العاصي لمّا ادعى ضرا ولانفعا حلب الدهر أشطره وتلا حروفه وأسطره وخذم الياسات وعلم طرق السياسات ونفق وكسد ووقف وتوسد. وهو اليوم شيخ المعارف وإمامها ومن في يديه مقودها وزمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارذ اللغات والأعراب إلى مقطع دمث ومنزع من النفاسة غير منتكث وندى خرق به العوائد وأورق في يد الرائد وعفاف كف حتى عن الطيف وحكى المحرمين بالخيف ولقد نزلت منه بالتقى الطاهر ولقيت منه ما لقي عوف بن محلم من ابن طاهر ورأيت نار مكارمه تتألق وبت كأنما على النار الندى والمحلق وله تحقيق بالعلوم الحديثة والقديمة وتصرف في طرقها المستقيمة ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع ولا نكب عن أصل للسنة ولا فرع. وتواليفه
في الشروحات وغيرها صنوف وهي اليوم في آذان الأيام شنوف. فمنها المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس والاقتضاب في شرح أدب الكتاب. وكتاب التنبيه على السبب الموجب لاختلاف العلماء في اعتقاداتهم وآرائهم وسائر أغراضهم وأنحائهم وغير ذلك مما يشتمل عليه هذا الموضوع ويخفيه ويوقف على تفسيره فيه.
وقد أثبت من محاسنه التي تدور جريالا ويصير الحبر بقصتها نيالا وما ينشي ويسكر وبحمده الوسمي المبكر.
فمن ذلك أنَّه حضر مع القادر بالله بد ذي النون بمجلس الناعورة بطليطلة في المنية المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوراء العراق التي ينفح شذاها العطر ويكاد من الغضارة يمطر والقادر بالله ﵀ قد التحف الوتار وارتداه وحكم العقار في جوده ونداه والمجلس يشرق كالشمس في الحمل ومن حواه يبتهج كالنفس عند منال الأمال والزهر عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر حوار أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه والروض قد بللته أنداؤه والأسد قد فغرت أفواهها ومجت أمواهها فقال ﵀ يصف الحال:
يا منظرا إنْ رمقت بهجتهأذكرني حسن جنة الخلد
تربة مسك وجو عنبروغيم ند وطش ما ورد
والماء كاللازورد قد نظمتفيه اللآلئ فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب بهيلعب في حافتيه بالنرد
تراه يزهى إذا يحل به التادر زهو الكعاب بالعقاد
تخاله إنْ بدا به قمراتما بدا في مطالع السعد
كألأنما ألبست حدائقهما حاز من شيمة ومن مجد
كأنما جادها فروضهابوابل من يمينه رغد
لا زال في عزة مضاعفةميمم الرفد واري الزند
وله يصف فرسا وهو مما أبدع في التمثيل له والتشبيه ونبه خاطره فيه أحسن تنبيه وخلع عليه شيات لاحق والوجيه وعمه بالمحاسن وتوج ونسبة إلى الخاطر أعوج:
وأقب من آل الوجيه ولاحفقيد العيون وغاية المتمثل
ملك النواظر والقلوب بحسنهفمتى ترق العين فيه تسهل
ذو منخر رحب وزور ضيقوسماوة خضب وأرض ممحل
قصرت له تسع وطالت أربعوصفت ثلاث منه للمتأمل
وتراه أحيانا لعزة نفسهيرنو بلا قبل بعين الأقبل
وكأنما سال الظلام بمتنهوبدا الصبح بوجهه المتهلل
ز كأن راكبه على ظهر الصبامن سرعة أو فوق ظهر الشمأل
وله يصف فرسا للظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون ﵀:
وأدهم من آل الوجيه ولاحقله الليل لون والصبح حجول
تحير ماء الحسن فوق أديمهفلولا التهاب الخصر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجههفأعيننا شوقا إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تقلهإذا ابتل منه محزم وتليل
إذا الظافر الميمون في متنه علابدا الزهو في العِطفين منه يجول
فمن رام تشبيها له قال موجزاوإنْ كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواتهلبدر الدياجي مطلع وأفول
وما أبدع قوله في وصف الراح والحض على النبذ للهموم والاطراح بمعاطاة كئوسها وموالاة تأنيسها ومعاقرة دنانها واهتصار ثمار الفتوة وأفنانها والإعراض عن الأيام وأنكادها والجري في ميدان الصهوة إلى أبعد آمادها:
سل الهموم إذا نبا زمنبمدامة صفراء كالذهب
مزجت فمن در على ذهبطاف ومن حبب على لهب
وكأن ساقيها يثير شذامسك لدى الأقوام منتهب
ولله هو فقد ندب إلى المندوب وذهب إلى داواة القلوب من الندوب وإبارئها من الآلام وإهدائها كل تحية وسلام وابهاجها بآصال وبكر وعلاجها من هموم وفكر في زمن حلى عاطله وجلى في أحسن الصور باطله ونفقت محالاته وطبقت أرضه وسماءه استحالتها فليبد كأسد وذيبه مستاسد وأحفاسه تنمر وبعاثه قد استنسر استراحة إلاّ في معاطاة حميا ومؤاخاة وسيم المحيا وقد كان ابن عمار ذهب مذهبه وفضضه بالإبداع وذهبه حين دخل سرقسطه ورى غباره أهلها وتكاثف جهلها وشاهد منها من لا يعلم معنى ولا فصلا وواصل من لا يعرف قطعا ولا وصلا فأقبل على راحة يتعاطاها
وعكف عليها ما تعداه ولا تخطاها حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته للعقار وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار فقال:
نقمتم على الراح أدمن شربهاوقلتم فتى راح وليس فتى مجد
ومن ذا الذي قاد الجياد إلى الوغىسوى من أعطى الكثير ولم يكد
فديتكم لم تفهوا السر إنماقليتكم جهدي فأبعدتم جهدي
ودخل ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب وقرع السرور نبعه بالغرب ولاحت نجوم أكواسه وفاح نسيم رنده وآسه وأبدت صدور أباريقه أسرارها وضمت عليه المجالس أزرارها والراح يديرها أهيف وأوطف والأماني تجنى وتقطف فقال:
يا رب ليل قد هتكت حجابهبمدامة وقاد كالكواكب
يسعى بها أحوى الجفون كأنهامن خده ورضاب فيه الأشنب
بدران: بدر قد أمنت غروبهيسعى ببدر جانح للمغرب
فإذا نعمت برشف بدر غاربفانعم برشفة طالع لم يغرب
حتى ترى زهر النجوم كأنهاحول المجرة ربرب في مشرب
والليل منحفز يطير غرابهوالصبح يطرده أشهب
وقال يمدح بعض الأعيان وهي قصيدة اشتملت على المحاسن اشتمال الليل وانفردت بالمحاسن انفراد سهيل ودرت فيها أخلاف الإبداع وزرت عليها جيوب الانقطاع وأفصح لسان الإحسان وسح عليها عنان الأفتنان فجاءت بالأغراب محفوفة ولاحت كالخريدة المزفوفة.
وسمعت السيئ الاعتقاد الغبي الفهم والانتقاد الكافر الملحد النافر لمن يعظم الله ويوحد الذي ما نطق متشرعا ورمق متورعا ولا أقر بباريه ولا قر عن جريه في ميدان الغي وتباريه بدعى مدحه ويقول: أنَّه إليه بعث نفحها وإنَّه الذي افتض عذرتها وقطف زهرتها. وحاشا لقائلها أنْ يمدح المذموم وينضح بكوثرها نفح سموم أو يشرف بها وضيعا ويرضع ثديها من غذا للؤم رضيعا وهي:
أما إنَّه لولا الدموع الموامعلمّا بان مني ما تجن الأضالع
وكم هتكت ستر الهوى أعين ألمهاوهاجت لي الشوق الديار اللاقع
خليلي مالي كلما لاح بارقتضلى الحشا وارفض مني المدامع
هل الأفق في جبيني بالبرق لامعأم المزن في جفني بالودق هامع
ففي القلب من نار الشجون مصايفوفي الخد من ماء الشئون مرابع
وما هاج هذا الشوق إلاّ مهفهفهو البدر أو بدر الدجى منه طالع
إذا غاب يوما فالقلوب مغاربوإنْ لاح يوما فالجيوب مطالع
يضرج خديه الحياء كأنمابخديه من فتك الجفن وقائع
رماني عن قوس المحاجر لحظهبسهم غدا من مهجتي وهو وادع
وما زلت من ألأحاظه متوقياولكنه ما حم لا بد واقع
يرق فتور اللحظ منه كأنهإلى قلبه من قسوة الهجر شافع
كما رق بالآداب طبع محمّدفحاكت لمى الأحباب منه الطبائع
رخيم حواشي الطرف حلو كأنهسجايا أيام السرور الرواجع
أبا بكر استوفيت زهر محاسنتنافسها زهر النجوم الطوالع
قدحت زنادا من ذكائك لم يزلينير فتعشى البارقات اللوامع
وما ذلك عن نيل لذيك رجوتهفيصدق ظن أو يكذب طامع
ولا أنا ممن يرتضي الشعر خطهفتجذبه نحو الملوك المطالع
ولكن قلبا بين جنبي قد غدايجاذبني فيك الهوى وينازع
طوى لك من محض الوداد كمائناتبدت لها فوق اللسان طلائع
أنَّ أزعم في نظم البديع ولم يزللك السبق فيه والورى لك تابع
وأي مقال لي وقولك سائروأي بديع لي ومنك البدائع
وقال يتغزل وتصرف فيه غيلات مي ووصف كل حواء وحي وذكر العشق وارتاد الإبداع حتى عدا به مصره فأجاد معانيه وأشاد مبانيه:
تأوبه من همه ما تأوبافبات على جمر الأسى متقلبا
مرت مزن عينيه غداة تحملواعواصف ريح الشوق حتى تصببا
دموع هتكن الستر عن مضمر الجوىوأبدين من سر الهوى ما تغيبا
حليلي مالي كلما لا بارقتذكرت برقا بالعقيق وزينبا
أؤنس بالنائين نوما مشرداوأطمع بالثاوين قلبا معذبا
ومن لي برد الخل إذ جدت النوىبه وبوصل الحبل أنْ يتقضبا
أفي كل حين أمترى غرب مقلةأبى الوجد إلاّ أنْ تجود فتغربا
إذا عن لي ظبي بوجرة شادنتذكرت من عنى الفؤاد وعذبا
وأرتاح للأرواح من نحو أرضهاوتثني عنان للصبا نفحة الصبا
ولولا التهاب الشوق بين جوانحيلأمرع خدي بالدموع وأعشبا
ألا قاتل الله الهوى كيف قادنيإلى مصرعي طوعا وقد كنت مصعبا
وما كنت أخشى أنْ أبيت معذبابعذب رضاب من حمى الثغر أشنبا
وخذ الاقي دون شم رياضهمن اللحظ هنديا وللصدغ عقربا
أجدك لم تبصر تألق بارقيجد نشاطا في ذرى الأفق أهدبا
إذا ما بدا في الجو أحمر ساطعاحسبت الظلام ابنوسا مذهبا
كأن رياض الحو غب سمائهتردين وشي العبقري المخلبا
كأن الشقيق والفجر ساطعخدود زهاها الحسن أنْ تتنقبا
تمتع بريعان الشباب وظلهفلا بد يوما أنْ يبينا ويذهبا
فما العيش إلاّ أنْ تروح وتغتديمحبا براه سقمه أو محببا
وكتب إلى الكاتب أبي الحسن راشد يستدعيه إلى مجلس قد لاحت قد لاحت شموس مدامه وارتاحت نفوس ندامه وتأودت تأود الغصون قدود خدامه:
عندي مشكود من الخمر مبق
فيه مني مصطبح ومغتبق
يحكي شذا المسك إذا المسك فتق
كأنه من خلقك الحلو خلق
كأنما كئوسه تحت الغسق
في راحة الساقي نجوم تأتلق
تخالها وهي تلظي كالحرق
أحشاء صب ملئت من الحرق
ترى لدى المزج إذا الماء انفق
فيها حبابا لاح كالدر النسق
وأنت أنسي والمفدى بالحدق
فاطلع طلوع القمر التم اتسق
في يومنا هذا إذا الظهر نطق
يا راشدا إذا دجى الغي غسق
وماجدا حاز السبق السبق
لله معنى طابق اسما لك حق
توافقا فيك إذا الاسم اتفق
فراجعه راشد:
لبيك من داع إلى العيش الغدق
في سجسج من ظله غض الورق
ندير صفو الراح صرفا قد عتق
وشبهها لونا وطعما وعبق
وكان يجلى في ملاء من فلق
تحسده من حسنه بيض السرق
ثم كساه السهد ثوبا من شفق
بل من إياة الشمس من غير رنق
كأنه من خد من أهوى استرق
كأنه بريقه العذب فتق
فجاء يشفي من جوى ومن حرق
أحلى من الأمن أتى بعد الفرق
رضيته مصطبا ومغتبق
على رياض أدب ذات أنق
أجين ما أهوى وأذهبن القلق
عند فتى ندب عبير الخلق
مؤتزر بالمكرمات منتطق
إنْ قال قدسدت الورى قيل صدق
وقال يصف مجلس أنس وتصرف في وصفه سقاته وإقبال الصبح لميفاته ومدح الراح بأحسن أسمائها وطلوع الفجر هازما لدجى ليلتهم وظلمائها وإيقاظ أصحابه من نومه وترغيبه لهم في اصطباح يومهم:
صاح بنه كل صاح يصطبحفضلة الزق الذي كان اغتبق
قهوة تحكي الذي في أضلعيمن جوى الحب ومن لفح الحرق
بيدي ساق ترى في طوقهبدر تم في تجلى في غسق
خلتها إذ غربت في قغرهشمسها أبقت بخديه شفق
أفرغ الماء عليها فحكتذائب الإبريز أو ذوب ورق
إنْ مسك الليل قد أعقبهمن سنى الإصباح كافور عبق
فكأن الفجر عين تفجرتوكأن الليل زنجي غرق
وكأن الأنجم الزهر مهاراعه السرحان صبحا فافترق
وقال في الزهد وهو غرض قد أكثر القول فيه والضارعة لباريه وراش أنواعه وبرى وجلب فنونه ومرى وذلك مما يدل على ورعه وصفاء منهله التقي ومشرعه فكثيرا ما يعلن به ويسر ويطلع على لسانه متمما ولا يستسر:
إلهي إني شاكر لك حامدوإني لساع في رضاك وجاهد
وإنك مهما زلت النعل بالفتىعلى العائد التواب بالعفو عائد
تباعد مجدا وانيت تعطفاوحلما فأنت المدني المتباعد
ومالي على شيء سواك معولإذا دهمتني المعضلات الشدائد
أغيرك أدعو لي إلها وخالقاوقد أوضح البرهان أنك واحد
وقدما دعا قوم سواك فلم يقمعلى ذاك برهان ولا لاح شاهد
وبالفلك الدوار قد ضل معشروللنيرات السبع داع وساجد
وللعقل عباد وللنفس شيعةوكلهم عن منهج الحق حائد
وكيف يضل القصد ذو العلم والنهىونهج الهدى من كان نحوك قاصد
وهل في التي طاعوا لها وتعبدوالأمرك عاص ولحقك جاحد
وهل يوجد المعلول من غير علةإذا صح فكر أو رأى الرشد راشد
وهل غبت عن شيء فينكر منكروجودك أم لم تبد منك الشواهد
وفي كل معبود سواك دلائلمن الصنع تنبني أنَّه لك عابد
وكل وجود عن وجودك كائنفواجد أصناف الورى لك واجد
سرت منك فيها وحدة لو منعتهالأصبحت الأشياء وهي بوائد
ومولك في خلق الورى من دلائليراها الفتى في نفسه ويشاهد
كفى مكذبا للجاحدين نفوسهمتخاصم إنْ أنكروا وتعاند
وقال يمدح الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون وهو مدح طايق الممدوح ووصف شاكله كالروض والغمام السفوح فنظم الدر بأبهى جيد ولد الفخر أعلى مجيد ووضع العلق في يدي مميزه وأجرى الجواد في ميدان مجوزه لم يحمل إلى غير موضع نفاق ولا شام به مخيله ذات إخفاق فإنه كان أندى من الغيث وأمضى من الليث وأذكى من الجسام وأبهى من البدر ليلة التمام حتى خاض هولا لم يسر فيه إلى صبح وسلك شعبا لم ينش منه بريح فصافح المنايا وطلع له غير معهود الثنايا والشعر قوله:
لعلكم بعد التجنب والهجرتديلون من بعد وتشفون من ضر
فإن الذي غادرتم بين أضلعييزيد مر الزمان ويستشري
ولم تنبكم عني النوى غير أنكمرحلتم من اللجفن القريح إلى الفكر
ومن عجب أني أسائل عنكمومنزلكم بين الجوانح والصدر
واستعطف الأيام فيكم لعلهاتعيد الليالي السابقات كما أدري
وأطمع منها في الوصال ولم أزلعليما بما يؤثر من شيم الغدر
ويوحشني الزمان لنأيكموإنْ كنت مأنوس الجوانح بالذكر
ولم أنس إذ صدت كما صد شادنغرين من الربعي أوجس من ذعر
تميس كما ماس القضيب على القناوترنو كما أغضى الشريف من السكر
وما زلت صبا بالغواني تصيدنيذوات الثنايا الغر والأوجه الزهر
وعندي أحشاء ملئن صبابةكألحاظ أجفان ملئن من السحر
ولوعة وجد ما تفيق وظمأةلأشنب معسول اللمى طيب النشر
وكم في كناس السمهرية من رشاأغن يقيم العذر في الخلع للعذر
وأهيف يثنيه النسيم إذا جرىفلو شاء من لين تختم في الخصر
وساحرة الألفاظ لو أنها دعتبنغمتها ميتا للبى من القبر
حسرت القناع الستر فيها ولم يكنيطيب النوى يوما لمن دان بالستر
ولله ليل باللوى أبعد الجوىوقرب نحرا من مشوق إلى نحر
فما شئت من شكوى أرق من الهوىوما شئت من نجوى ألذ من الخمر
سرت لم تمس الطيب عجبا بحسنهاوقد أفعمت عرض البسيطة بالعطر
فقلت: عبيد الله أو نجله سرىفذكرني ذارين أو بت بالشحر
كأن ضياء الصبح في الليل إذ سرىبصيرة إيمان سرت في عمى كفر
كأن مها في الأفق ريعت وقد بدالها ذنوب السرحان من وضح الفجر
كأن سنى الشمس المنيرة إذ بداكسا ورق الإصباح ذؤبا من التبر
وإلاّ فوجه الظافر الملك انجلىفجلى ظلام النقع في الجحفل المجر
عجبت لأيام تداعت خطبهالتثلم من غربي وتقدح في وفري
ولم تدر أني في حمى الظافر الرضاأرد العدى عني بصمصامتي عمرو
حللت جنايا منه مدينة ظلالهعلي وأعطاني أمانا من الدهر
جناب بكت فيه غمائم جودهفأضحكن روض المجد عن زهر الشكر
وكم نلت مذ أصبحت ألثم كفهبيمناه من يمن ويسراه من يسر
لدي ملك ما لاح ضوء جبينهبجنح الدجى إلاّ كفى مطلع البدر
ومتقد الآراء جال في الوغىبخاطره أغنى عن البيض والسمر
ولولا اضطرام البأس فيه غدا القنابراحته يهتز بالورق الخضر
أرى عابد الحمن رخمة من قستعليه الليالي أمن من ريع بالفقر
وكعبة آمال كثيرا حجيجهالها حرم فيه مشاعر للشعر
له من حجاه بالسماحة آمرومن حلمه ناه عن اللغو والهجر
فتى لم يشمر قط إلاّ عنا لهعاه وساق الحرب مسبلة الأزار
ولم يعترك بخل بميدان عدلهوجدواه إلاّ فاز جدواه بالنصر
أبا عامر زلت للمجد عامرافإنك وسطى العقد في عنق الفخر
وقمت العدا عني برأفة ماجدوغمر نوال سر إذ ساء ذا الغمر
وأوسعت نعمى ضقت ذرعا بحملهافإن خففت عمري لقد أثقلت ظهري
ولمّا ارتقت بي في سمائك همتيغذا أخمصي فوق النعائم والنسر
فحييت شمس الملك في فلك العلاوشمست سحاب الجود في بارق البشر
أيرجو ضلالا أنْ يناويك حاسدوقد حزت خصل السبق وهو على الإثر
وأرسى عبيد الله بيتك في العلاوطنبه بين السماكين والغفر
وأصبحت كالمأمون تقنو سبيلهكأنك موسى تقتفي أثر الخضر
وما علت صبرا حين قلدك العلاوجاء بأمر من بدائعه أمري
فلله ما شادوا وشدت من العلاولله ما حازوا وما حزت من ذكر
نظمت شتيت الملك بالعدل والتقيوقمت بحق الله في السر والجهر
وجاءك صوم إثر فطر قضيتهبحظين من سعد جزيل ومن أجر
وأدبر سقم عنك بشر جسمهبإقبال نعمى واتصال من العمر
سيملا شكرى كل قطر تحلهبنشر ثناء عنك أذكى من العطر
وتبقى لكم بين الضلوع محبةألاقي بها الرحمن في موقف الحشر
وكتب إلى ذي الوزارتين أبي عيسى بن لبون:
قم نصطبح من قهوة بكرحتى نرى صرعى من السكر
أنف تنساها الورى حتىلم تجر في بال ولا ذكر
فترى الدنان وما حوت منهاكجوانح طويت على فكر
نفحت فقلت المسك أو ما قدأحيا أبو عيسى من الذكر
لا شيء يحكى طيبها إلاّشيم عذاب منه أو شكري
ما زلت أخبر من محاسنهقدما بعرف ليس بالنكر
وأحن نحو لقائك طرباكالطير إذ جنت إلى وكر
فالآن شاهدت الذي يحكىولقيت فيه الفضل للشكر
وكان أبو عيسى ممن رأس وما شف ووكف جوده وما كف وأعاد سوق البدائع نافقه ورفع الآمال راية من الندى خافقة وأوردهم منها جوده معينا وزف لهم من مبراته أبكار وعونا فلما بلغته قوله هذا وسمعه استنبله
واستبدعه؛ وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل، وقام لفرط أنسه واحتفل؛ قد بانت صروفه، ودنت في الزائرين قطوفه؛ وقال هلم بنا إلى الاجتماع بمذهبك، والاستماع بما شئته ببراعة أدبك؛ فأقاموا يعملون كأسهم، ويصلون إيناسهم؛ وباتوا ليليهم ما طرقهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللذات سوم.
ودخل سرقسطة أيام المستعين بالله وهي جنة الدنيا، وفتنة المحيا؛ ومنتهى الوصف وموقف السرور والقصف؛ ملك نمير البشاشة، كثير الهشاشة؛ وملك بهج الفناء، أرج الأرجاء؛ يروق المحتلى، ويفوق النجم المعتلى؛ وحضرة منسابة الماء، منجابة السماء؛ يبسم زهرها، وينساب نهرها؛ وتتفتح خمائلها، وتتوضع صباها وشمائلها؛ والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقترضها؛ ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتسم؛ فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير؛ فلم يخف على المستعين اختلاله، ولم تخف لديه خلاله؛ فذكره معلماً به ومعرفاً، وأحضره منوها له ومشرفاً؛ وقد كان فر من ابن رزين، فرار للسرور من نفس الحزين؛ وخلص من اعتقاله، خلوص السيف من صقاله؛ فقال يمدحه:
هم سلبوني خنس صبري إذ بانوابأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إنَّ منجتيمسايرة أظغانهم حيثما كانوا
يقى عهدهم بالخيف عهد غمائمينازعها مزن من الدمع هتان
أنَّ أحبابنا هل ذلك العهد راجعوهل لي عندكم آخر الدهر سلوان
ولي مقلة عبرى وبين جوانحيفؤاد إلى لقياكم الدهر حنان
تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكموحفت بنا من معضل الخطب ألوان
أناخت بنا في أرض شنت مريةٍهواجس ظن خن والظن خوان
وشمنا بروقا للمواعيد أتعبتنواظرها دهراً، ولم يهم هتان
فسرنا وما نلوي على متعذرإذا وطن أقصاك آوتك أوطان
ولا زاد إلاّ ما انتشته من الصباأنوف وحازته من الماء أجفان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرهافلا ماؤها صدا ولا النبت سعدان
إلى ملك حاباه بالمجد يوسفوشاد له البيت الرفيع سليمان
إلى مستعين بالإله مؤيدله النصر حزب والمقادير أعوان
جفتنا بلا جرم كأن مودةثنى نحوها منها الأعنة شنآن
ولو لم تنفذ منا الشعر وحدهلحق لنا بر عليه وإحسان
فكيف ولم نجعل بها الشعر مكسبافيوجب للمكدى جفاء وحرمان
ولا نحن ممن يرتضى الشعر خطةوإنْ قصرت عن شأوها فيه أعيان
ومن أوهمته غير ذاك ظنونهفثم مجال للمقال وميدان
خليلي من يعدي على زمن لهإذا ما قضى حيف علي وعدوان
وهل راء من قبلي غريق مدامعيفيض بعينيه الحيا وهو حران
وهل طرفت عين لمجد ولم تكنلها مقلة من آل هود وإنسان
فوجه ابن هود كلما أعرض الورىصحيفة إقبال لها البشر عنوان
فتى المجد في بردية بدر وضيغموبحر وقدس ذو الهضاب وثهلان
من النفر الشم الذي أكفهمغيوث ولكن الخواطر نيران
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغىهزير بيمناه من السحر ثعبان
وهل فوق ما فد شاد مقتدر لهمومؤتمن بالله لقياه إيمان
ألا ليس فخري في الورى غير فخرهموإلاّ فإنَّ الآخر زور وبهتان
فيا مستعينا مستعاناً لمن نبابه وطن يوما وعضته أزمان
كسوتك من نظمي قلائد مفخريباهى بها جيد المعالي ويزدان
وإنْ قصرت عما لبس فربماتجاور در في النظام ومرجان
معان حكت غنج الحسان كأنيبهن حبيب أو بطليوس بغدان
إذا غرست كفاك غرس مكارمبأرضي أجنتك الثنا منه أغصان
وكان عند وصوله إلى ابن رزين قد رفعه أرفع محل وأنزله منزلة أهل العقد والحل؛ وأطلعه في سمائه، وأقطعه ما شاء من نعمائه، وأورده أصفى مناهل مائه، وأخضره مع خواص ندمائه؛ وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان؛ ومحصب جمار الآمال، وأعذب موارد الاجمال؛ لولا سطوته الباطشه، ونكباته البارية لسهام الرزء الرائشة؛ فقلما سلم منها مفاد الأموال، ولا أحمد عقباه معه صاحب ولا وال؛ فأحمد هو أوّل أمره معه، واستحسن مذهبه في جانبه ومنزعه؛ ولم يدر أنَّ بعد ذلك الشهد شرب علقم، وأنَّ السم تحت لسان ذلك الأرقم؛ فقال ﵀ يمدحه:
عسى عطفة ممن جفاني يعيدهافتقضي لباناتي ويدنو بعيدها
فقد تعتب الأيام بعد عتابهاويمحى بوصل الغانيات صدودها
وكم للصبا عندي يد لست جاحدالها إنَّ كفران الأيادي جحودها
ليالي أسرى في ليالي غدائركواكبها حليي المها وخدودها
وأهصر أغصان القدود فتنثنيعليّ برمان النحور نهودها
فلله ليل بت فيه كأننيبوجرة أغتال المها وأصيدها
أبيح ثغورا كالثغور ودونهاأسنة ألحاظ قناها قدودها
تشابه منها ما حوته مباسمعذاب ولبات يروق فريدها
فإن تك من تلك العقود ثغورهاوإلاّ فمن تلك الثغور عقودها
وحمراء حلاها المزاج فخلتهاعقيلة خدر زين بالبدر جيدها
بدت في دلاص من حباب وأشرعتسنان انسكاب والكئوس جنودها
فما برحت حتى كأن شروبهامن السكر صرعى أنعستها حدودها
ترى شربها جنح الظلام كأنهمبها مصطلوا نار يشب وقودها
إذا أنكحوا من فضة الماء تبرهاأتى اللؤلؤ المكنون وهو وليدها
كما أنكحوا البدلا استقامت سعودههذيلا من الشمس استقامت سعودها
فجاءا بعبد الملك للملوك كوكباليحمي سماء المجد ممن يكيدهل
رمى جنة الأعداء لمّا سموا لهابشهب القنا حتى استشاط مريدها
حلفت بعليا عابدا الملك ذي الهاوأيد له كالقطر جم عديدها
لئن كان قد أبلت هذيلا يد الدىفإن علاه ليس يبلى جديدها
وإنْ رفعت كفاه قبة مفخرفإنَّ قنا عبد الملك عمودها
فتى أحرز العليا، وحاز مدى الندىفما إنْ له من ريبة يستزيدها
سرى بارق من بشره غير خلبإلى أرض آمالي فأورق عودها
وبوأني من مجده في مكانةسعود النجوم الزاهرات صعيدها
فيا أيها الملى الذي أنا عبدهوقدما رجا طول الموالي عبيدها
أصخ نحو حر الشعر من عبد أنعمبدائعه ما زال منك يفيدها
قوافً تروق السامعين كأنماتحلى سجاياك الحسان قصيدها
ولولاك أضحت أرض شنت مريةٍمناخ خطوب لا ينادى وليدها
وما زلت يقظان الجفون لرعيلهاإذا أعين الأملاك طال هجودها
تكف الأذى عن أهلها وتحوطهاوتبدي الأيادي فيهم وتعيدها
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع