من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ترجمة ابن السيد البطليوسي للفتح بن خاقان
الصفحة ٢ من ٢
وقال يرثي الوزير الأجل، أبا عبد الملك بن عبد العزيز، وبنو عبد العزيز بهذا الشرق، هم كانوا بدور غياهبه، وصدور مراتبه، وبحور مواهبه؛ نظمت فيهم المدائح، وعظمت منهم المنائح، ونفقت عندهم أقدار الأعلام، وتدفقت لديهم بحار الكلام؛ وخدمتهم الدنيا وبنوها، وأمنتهم الأيام ولم يأمنوها؛ فرقت جموعهم، وأخلت ربوعهم ونثرت ملكهم ومزقت ملكهم؛ وهدت مشيد بنائهم، واحتلت الحوادث في فنائهم؛ وبقي أبو عبد الملك هذا آخرهم، فأحيا مفاخرهم؛ وكان بدر الأفق وشمسه، وروح هذا القطر ونفسه؛ أبدى لذلك السنى لمعاً، وأعاد من تلك العلا جمعاً؛ إلى أنْ دب إليه الحمام واستسر بدره بعد التمام؛ والقصيدة:
فؤادي قريح قد جفاه اصطبارهودمعي أبت إلاّ انسكابا غزاره
يسر الفتى بالعيش وهو مبيدهويغتر بالدنيا وما هي داره
وفي عبر الأيام للمرء واعظإذا صح فيها فكره واعتباره
فلا تحسبن يا غافل الدهر صامتاًفأفصح شيء ليله ونهاره
أصخ لمناجات الزمان فإنهسيغنيك عن جهر المقال سراره
أدار على الماضين كأساً فكلهمأبيحت مغانيه وأقوت دياره
ولم يحمهم من أنْ يسقوا بكأسهمتناوش أطراف القنا واشتجاره
وغالت أبا عبد المليك صروفهوقد كان دهراً لا يباح ذماره
فأصبح مجفوراً وقد كان واصلاوأمسى قصيا وهو دان مزاره
ولم أنس إذ أودى الحمام بنفسهفلم يبق إلاّ فعله وادكاره
إذا رقأت عيني استهلت شئونهالمأتم حزن قد أرن صواره
تجاوب هذى تلك عند بكائهاكترجيع شول حين حنت عشاره
كأن لم يكن كالمزن يرهب صعقهعدو ويرجى في المحول انهاره
ودوحة عزٍ يستظل بظلهاوروضاً من الآداب تجنى ثماره
أما وعلى مروان إنَّ مصابهأثار أسى تذكى على القلب ناره
فلا شرب إلاّ قد تكدر صفوهولا نوم إلاّ قد تجافى غراره
فأي حياً للفضل أجلى غمامهونظم العلياء حان انتثاره
خوى المجد من مروان وانهد طودهوجد بجد المكرمات عثاره
وما خلت أنْ الصبح يشرق بعدهلعين وإنَّ الروض يبقى اخضراره
فيا طود عز زلزل الأرض هدهوبدر علا راع الأنام انكداره
هنيئا للحد ضم شلوك أنْ غداعميد الندى والمجد فيه قراره
ولم أر دراً قط أصدافه الثرىولا بدر ثم في التراب مغاره
فيا بني عبد العزيز وإنْ خلامن المجد مغناه وهد مناره
ففيكم لهذا الصدع آس وجابروإنْ كان صعباً أسوه وانجباره
لكم شرف أرسى قواعد بيتهأبو بكر السرى إليكم نجاره
أجل وزير عطر الأرض ذكرهوأخجل زهر النيرات فخاره
فلو كان للعلياء جيد ومعصملأصبح منكم عقده وسواره
ومما يستغرب له ويستبدع، ويشاد بذكره ويسمع ويعد مما ابتكر معناه واخترع؛ قوله في وصف طول الليل عليه، كابد منه ما عظم لديه.
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرةًكما شبت أم في الجو روض بهارِ
كأن الليالي السبع في الأفق جمعتولا فصل فيها بينها لنهارِ
وحضر عند الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون، ﵀، مجلساً رفعت فيه المنى لوائها، وخلعت عليه الشمس أضوائها، وزفت إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها؛ فقال يصفه:
ومجلس جم الملاهي أزهارا
ألذ في الأجفان من طعم الكرى
لم تر عيني مثله ولا ترى
أنفس في نفس وأبهى منظرا
إذا تردى وشيه المصورا
من حلوك صنعاء وحولك عبقرا
ونسج قرقوب ونسج تسترا
خلت الربيع الطلق فيه نورا
كأنما الإبريق حين قرقرا
قد أم لثم الكاس حين فغرا
وحشية ظلت تناغي جؤذرا
ترضعه الدر ويرنو حذرا
كأنما مج عقيقاً أحمرا
أوفت من رياه مسكاً أذفرا
أو عابد الرحمن يوماً ذكرا
فنم مسكاً ذكره وعنبرا
الظافر الملك الذي من ظفرا
بقربه نال العلاء الأكبرا
لو أنَّ كسرى راءه أو قيصرا
هلل إكباراً له وكبرا
تبدي سماء الملك منه قمرا
إذا حجاب المجد عنه سفرا
يا أيها المنضي المطايا بالسرى
تبغي غمام المكرمات الممطرا
وقال ﵀:
يغلو لساني فيكم وما أفك
فاهزز به غضباً إذا هز فتك
قائمه قلبي والغم الحنك
وقال يتغزل أيام جرى في ميدان الصبا متهافتاً وأبدى له الجوى نفساً خافتاً؛ وهو من أبدع أنواع الاستعطاف، وأحسن من النور عند القطاف؛ خضع فيه لمحبوبه وذل، وهان له وابتذل؛ ورضى بما سامه من العذاب، وبذل نفسه في رشفة من ثناياه العذاب؛ وتشكى من جوره وحيفه، وبكى حتى من اجتناب طيفه؛ واستدعى رضاه، وخلع ثوب التناسك ونضاه؛ ونحا في استلطافه أرق منحى وتصام عن قول من عذل ولحى؛ وهذا غرض من كواه الغرام وسبيل من رام من الوصال ما رام؛ فما مع الهوى عز ولا صبر، وما هو إلاّ ذل أو قبر.
والقطعة:
أبا عامرٍ أنت الحبيب إلى قلبيوإنْ كنت دهراً من عتابك في حربِ
أتعرض حتى بالخيال لدى الكرىوتبخل حتى بالسلام مع الركب
كأني أخو ذنبٍ يجازي بذنبهوما كان لي غير المودة من ذنبِ
فيا ساخطاً هل من رجوع إلى الرضاويا نازحاً هل من سبيل إلى القرب
ويا جنة الفردوس هل يقطع العدابجريا لك المختوم أو مائك العذبِ
ويا بائناً بان العزاء بينهفأصبحت مسلوب العزيمة والقلبِ
أذقني بالعتبى جنى النحل منعماًفإنك قد جرعتني الصاب بالعتبِ
وكنت أرى الهجران أعظم حادثٍفقد صار عند البين من أصغر الخطب
أتتركني رهناً بأيدي حوادثغدوت لها نهبا وما كنت بالنهب
سأجعل عيدا يوم عودك يغتديمحياك فيه قبلة الهائم الصب
أقيم لواء الوصل في حلة الصبابه وأضحى بالصبابة والكرب
لك القلب ما فيه لغيرك منزلمنحتكه فانزله بالسهل والرحب
وقال شاكيا مثل هذه الشكوى مخبرا بما يلقاه من البلوى:
خليلي هل تقضي لبانة هائمأم الوجد والتبريح ضربة لازم
فإني بما ألقى من الوجد مغرمكسال قلبي بائح مثل كاتم
ولي عبرات يستهل غمامهابخدي إذا لاحت بروق المباسم
كفى حزناً إني أذوب صبابةًوأشكو الذي ألقى إلى غير راحم
وأرتع من خديه في جنة المنىويصلى فؤادي من هواه بجاحم
تقضي الصبا واللهو إلاّ حشاشةتجدد لي عهد الصبا المتقدم
كأني لم أقطع بصبح وقهوةٍزماني ولم أنعم بأحور ناعم
ولابت في ليل الغواية لائماًله تحت أستار الدجى وهو لائمي
إذا ما أدار الكأس وهنا حسبتهيدير هلالاً طالعاً في غمائم
أبا حسن إني بودك معصمفهل أنت يوماً من جفائك عاصمي
جعلتك في نفسي وقلبي محكماًلترضى فقد أصبحت أجور حاكم
أتظلمني ودي وما زال فيكمقريع علي يرجى لرد المظالم
وقد كان فص الفجر في خنصر العلاأبوك ووسطى فوق جيد المكارم
وكم ضم ظهر الأرض منكم وبطنهابدور دجى من كل أشوس حازم
وأبلج فضفاض القميص حلاحلطويل نجاد السيف ماضي العزائم
وما أذهلني عن ودادك غيبةقدحت بها نار الأسى في حيازمي
وكم لي فيها نحوكم من تحيةأحملها مرضى الرياح النواسم
إذا مر ذكر منك يوماً على فميتوهمته مسكاً سرى في خياشمي
دعاني إليك الشوق فاهتاج طائريضحى بخوافٍ للهوى وقوادم
ولو إنني في ملحدي ودعمتنيللبتك من تحت الصعيد رمائمي
سأصفيك محض الود ما هبت الصباوما سجعت في الأيك ورق الحمائم
وقال أيضاً جاريا على عادته في التشبيب، وسالكاً جادته من الخضوع للحبيب، إلاّ أنَّه اعتذر من الهوى في المشيب، وأنكر أخلاق الشباب على الشيب:
خليلي ما للريح أضحى نسيمهايذكرني ما قد مضى ونسيتُ
أبعد نذير الشيب إذ حل عارضيصبوت بأحداق المها وسبيتُ
ولي سكن أغرى بي الحزن حسنهجرئ على قتل المحب مقيتُ
تلاحظني العينان منه برحمةٍفأحيا ويقسو قلبه فأموتُ
فيا قمراً أغرى بي النقص واكتسىكمالا ووافى سعده وشقيتُ
وليت فرقي إذ وليت لهائمٍسباه لمى كالشهد منك وليتُ
وجودي ببرد الوصل يا جنة المنىفإني بحر الوجد منك صليتُ
وكتب إليه الكاتب أبو الحسن راشد بن عريب يستدعيه إلى معاطاة قهوة، ساعات سلوة:
طرت إلى شمسية قد تروقتفأربت على الصهباء لوناً ورائحة
فلو فيها نقطة هندسيةًلباتت بها في ظلمة الليل بائحة
فكن مسعدي يا من سجاياه لم تزلوأخلاقه تغني عن المسك فائحة
فأجابه ﵀:
طربت فأطربت الخليل إلى الذيطربت له فالنفس نحوك جانحة
وكم أكسرتنا منك من غير قهوةٍشمائل تغنينا عن المسك فائحة
فلله أيام بقربك أسعدتغوادٍ علينا بالسرور ورائحة
فساني الطولي لديك قصيرةوصفقة كفي في التجارة رابحة
وقد يصف كتابا ورد عليه من محبوب كان هجره، ووعده فيه باللقاء وبشرة:
نفسي فداء كتاب حاز كل منيجاء الرسول به من عند محبوب
مبشراً أنَّ ذاك السخط عاد رضاًوبدلت منه بعد بتقريب
حبيته ناظراُ نحوي بناظرهومهديا لي ما في فيه من طيب
ظلت أطويه من وجد وانشرهوكاد يلبيه تقبيلي وتقليبي
كم فيلةٍ لي في عنوانه عذبتوبردت بالتلظي حر تعذيب
كأنه حين جلى الحزن عن خلدي" قميص يوسف في أجفان يعقوب "
لو كل ما فيه من موعوده كذباًشفي فكيف بوعدٍ غير مكذوب
وكتب إليه بعض إخوانه متمثلا بقول القائل:
ودادكم كالورد ليس بدائمولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وودي لكم كالآس حسنا وبهجةله خضرة تبقى إذا ذهب الورد
فراجعه بهذا الشعر:
لعمري لقد شرفت ودي بثلبهوصيرت لي فضلا عليك ومفخراً
صدقت: وداد الورد رطباً ويابساًوماء إذا عصر الأزاهر أدبراً
وودك مثل الآس ليس بنافعولا نافحٍ إلاّ إذا كان أخضراً
ألم تر أنَّ الورد يكرم إنَّ ذويويطرح في الميضاة آس تغيرا
أفضلت عبد السوء جهلا على الذيغدا في الأزاهير الأمير المؤمرا
وكتاب إلى الكتاب أبي عبد الله بن أبي الخصال، يراجعه عن شعر خاطبه به:
بماذا أكافي ندبا كسانيحلى من علاه بها قد حباني
وقلد جيدي من درهما لم تقلد نحور الغواني
محاسن أصبح لي لفظهامعاراً وأضحت لديه المعاني
فقل للذي حاز خصل المدىفليس يباريه في السبق ثاني
ألهذي شمائلك الزاهرات أهديتها أم ثغور الحسان
أم الأنجم الزهر أطلعتهاعلى أفق بسماء البيان
أم الوشى ما نمنمت راحتاك أم الأعين الحور جاءت رواني
أم الروض بات نديم الغماميسقيه من غير بنت الدنان
يضاحكه عن ثغور البروقويشدوه من وعده بالأغاني
تئن زف ودك نحوي لقدغدا من فؤادك بأعلى مكان
ومهما أساءت بطول البعادخطوب فقد أحسنت بالتداني
كأن الزمان أتي تائباإلي وأنت اعتذار الزمان
ومن شعره الذي يزري بزهر الرياض وغنج الأعين المراض قوله:
أيا ممرضنا جسمي بأجفانه المرضىسلبت الكرى عني فهب منه لي البعضا
ليهنك غمض العين عمن تركتهسمير نجوم الليل ما يطعم الغمضا
أتسخط من ذلي لعزك في الهوىوأرضى بخدي أنْ يكون لكم أرضا
قضى الله أنْ أشقى وغيري بوصلكمسعيد ومن يستطيع ردا لمّا يقضى
ومما أغرب به وأبدع قطعة تنفك منها ست قطع وهي:
نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمىمستحسن بصدوده أضناني
في فيه سمطا جوهر يروي الظمالو علني ببروده أحياني
ثم زاد في غرابة هذا المنزع بأن صنع قطعة تنفك منها تسع قطع وهي:
طيف سرى من خاطر القلب الذويفوفى لنا بعداته وقضى الوطر
بذلك الكرى عن ناظر الصب الجويوشفى الضنى بهباته ومضى حذر
وقال يصف تينا أسودا مكتبا:
أهلا بتين كالنهود حوالكضمخن مسكا شيب بالكافور
وكأن ما زرت عليه جيوبهاشهد يشاب بسمسم مقشور
وكأنما لبست لجينا محرقافيه بقايا من بياض معطر
وقال يصف حماما:
أرى الحمام موعظة وذكرىلكل فتى أريب ذي ذكاء
يذكرنا عذاب ذوي المعاصيوأجيانا نعيم الأتقياء
شقا هجر يشوب نعيم وصلوحر النار في برد الهواء
إذا ما أرضه التهبت بنارتبادر سمكه هطلا بماء
كصدر الصب جاش بما يلاقيفلج الطرف منه بالبكاء
كأن له حبيبا بان عنهفبان وخانه حسن العزاء
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع