من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
ذكر ولاية عبد المؤمن
الصفحة ١ من ٢
ثم قام بالأمر من بعده عبد المؤمن بن علي، وبايعه المصامدة، واتفقت على تقديمه الجماعة. وكان الذين سعوا في تقديمه وهيئوا ذلك له ثلاثة، وهم من أهل الجماعة: عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج، وعمر بن ومَزَال -الذي كان اسمه قبل هذا فَصْكة، فسماه ابن تومرت عمر، يعرفونه بعمر إينْتي- وعبد الله بن سليمان، من أهل تينملّ، من قبيلة يقال لها: مَسَكَّالة؛ ووافقهم على ذلك سائر أهل الجماعة, وأهل خمسين، وباقي الموحدين.
وصية ابن تومرت
وذلك أن ابن تومرت قبل موته بأيام يسيرة، استدعى هؤلاء المسمَّيْن بالجماعة، وأهل خمسين؛ وهم -كما ذكرنا- من قبائل مفترقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة؛ فلما حضروا بين يديه قام وكان متكئًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على محمد نبيه ﷺ؛ ثم أنشأ يترضى عن الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم-، ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم، والعزيمة في أمرهم، وأن أحدهم كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وذكر من حد عمر ﵁ ابنه في الخمر، وتصميمه على الحق، في أشباه لهذه الفصول، ثم قال:
فانقرضت هذه العصابة -نَضَّر الله وجوهها، وشكر لها سعيها، وجزاها خيرًا عن أمة نبيها-وخبطت الناس فتنة تركت الحليم حيران، والعالم متجاهلًا مداهنًا؛ فلم ينتفع العلماء بعلمهم, بل قصدوا به الملوك، واجتلبوا به الدنيا، وأمالوا وجوه الناس إليهم ... في أشباه لهذا القول، إلى هلم جرًّا.
ثم إن الله -سبحانه وله الحمد- من عليكم أيتها الطائفة بتأييده، وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده، وقيَّض لكم من ألفاكم ضُلالاً لا تهتدون،
وعُميًا لا تبصرون، لا تعرفون معروفًا، ولا تنكرون منكرًا، قد فشت فيكم البدع، واستهوتكم الأباطيل، وزين لكم الشيطان أضاليل وتُرَّهات أُنزه لساني عن النطق بها، وأربأ بلفظي عن ذكرها؛ فهداكم الله به بعد الضلالة، وبصركم بعد العمى، وجمعكم بعد الفرقة، وأعزكم بعد الذِّلَّة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين، وسيورثكم أرضهم وديارهم؛ ذلك بما كسبته أيديهم، وأضمرته قلوبهم؛ وما ربك بظلام للعبيد؛ فجددوا لله سبحانه خالص نياتكم، وأروه من الشكر قولًا وفعلًا ما يزكي به سعيكم، ويتقبل أعمالكم، وينشر أمركم. واحذروا الفرقة واختلاف الكلمة وشتات الآراء، وكونوا يدًا واحدة على عدوكم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس, وأسرعوا إلى طاعتكم, وكثر أتباعكم, وأظهر الله الحق على أيديكم. وإلا تفعلوا شَمِلكم الذل وعمكم الصَّغار, واحتقرتكم العامة، فتخطفتكم الخاصة. وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة، واللين بالعنف؛ واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلُح عليه أمر أولها، وقد اخترنا لكم رجلًا منكم، وجعلناه أميرًا عليكم؛ هذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله، من ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه، واختبرنا سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله ثَبْتًا في دينه، متبصرًا في أمره، وإني لأرجو ألا يخلف الظن فيه. وهذا المشار إليه هو عبد المؤمن؛ فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعًا مطيعًا لربه، فإن بدل أو نَكَص على عقبه أو ارتاب في أمره، ففي الموحدين - أعزهم الله- بركة وخير كثير، والأمر أمر الله يقلده من شاء من عباده.
فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت، ومسح وجوههم وصدورهم واحدًا واحدًا؛ فهذا سبب إمرة عبد المؤمن ﵀. ثم توفي ابن تومرت بعد عهده بيسير، واجتمع أمر المصامدة على عبد المؤمن.
فصل حياة عبد المؤمن وأعماله وعُمَّاله
وعبد المؤمن هذا، هو عبد المؤمن بن علي بن عَلَوي الكومي، أمه حرة كومية أيضًا، من قوم يقال لهم: بنو مُجْبَر. مولده بضَيْعة من أعمال تلمسان تعرف بـ تاجرا؛ وقيل: إنه كان يقول إذا ذكر كومية: لستُ منهم، وإنما نحن لقيس عيلان بن مضر بن نِزَار بن مَعَدِّ بن عَدْنان، ولكومة علينا حق الولادة بينهم والمنشأ فيهم، وهم الأخوال. وهكذا أدركت من أدركت من أولاده وأولاد أولاده ينتسبون لقيس عيلان بن مضر، وبهذا استجاز الخطباء أن يقولوا إذا ذكروه بعد ابن تومرت: قسيمه ﵁ في النسب الكريم.
كان مولده في آخر سنة في أيام يوسف بن تاشفين؛ وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة سنة، ومدة ولايته من حين استوسق له الأمر بموت علي بن يوسف أمير المسلمين -في سنة على التحقيق- إحدى وعشرين سنة، إلى أن توفي في التاريخ المذكور.
وكان أبيض ذا جسم عَمم تعلوه حمرة، شديد سواد الشعر، معتدل القامة، وضيء الوجه، جَهْوَريَّ الصوت، فصيح الألفاظ، جَزْل المنطق. وكان محبَّبًا إلى النفوس؛ لا يراه أحد إلا أحبه بديهةً. وبلغني أن ابن تومرت كان يُنشد كلما رآه:
تكاملت فيك أخلاقٌ خُصصتَ بهافكلنا بك مسرورٌ ومغتبطُ
فالسن ضاحكة، والكف مانحةوالصدر منشرح، والوجه منبسطُ
أولاده
كان له من الولد ستة عشر ذكرًا، وهم: محمد، وهو أكبر ولده وولي عهده، هو الذي
خلع، وعلي، وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب.
وزراؤه
وزر له في أول الأمر أبو حفص عمر أزناج، إلى أن استقر الأمر واستقل عبد المؤمن؛ فأجلى أبا حفص هذا عن الوزارة وربأ بقدره عنها، إذ كان عندهم فوق ذلك؛ واستوزر أبا جعفر أحمد بن عطية، فجمع بين الوزارة والكتابة، فهو معدود في الكتاب والوزراء. فلم يزل عبد المؤمن يجمعهما له إلى أن افتتحوا بجاية، فاستكتب عبد المؤمن من أهلها رجلًا من نبهاء الكتاب يقال له أبو القاسم القالمي -وسيأتي ذكره في كُتَّابه- واستمرت وزارة أبي جعفر إلى أن قتله عبد المؤمن في شهور سنة واستصفى أمواله. ثم وزر له عبد السلام الكومي، وكان يدعى المُقرَّب؛ لشدة تقريب عبد المؤمن إياه، فاستمرت وزارة عبد السلام هذا إلى أن أرسل إليه عبد المؤمن من قتله خنقًا في شهور سنة. ثم وزر له ابنه عمر إلى أن توفي عبد المؤمن.
كُتَّابه
أبو جعفر أحمد بن عطية المذكور في الوزراء، كان قبل اتصاله بعبد المؤمن وفي الدولة اللمتونية، يكتب لعلي بن يوسف في آخر أيامه. وكتب عن تاشفين بن علي بن يوسف؛ فلما انقرض أمرهم هرب وغير هيئته وتشبه بالجند، وكان محسنًا للرمي، وكان في الجند الذين خرجوا إلى سُوس لقتال ثائر قام هناك؛ كان الأمير على هذا الجند أبو حفص عمر إينْتي المتقدم الذكر في أهل الجماعة. فلما انهزم أصحاب ذلك الثائر وقُتل هو وانفضت تلك الجموع، طلب أبو حفص من يكتب عنه صورة هذه الكائنة إلى الموحدين الذين بمراكش، فدل على أبي جعفر هذا ونبه على مكانه، فاستدعاه، وكتب عنه إلى الموحدين رسالة في شرح الحال، أجاد في أكثرها ما شاء، منعني من رسمها في هذا الموضع ما فيها من الطول؛ فلما بلغت الرسالة عبد المؤمن استحسنها واستدعى أبا جعفر هذا واستكتبه، وزاده إلى الكتابة الوزارة؛ لما رآه من شجاعة قلبه وحصافة عقله. فلم يزل وزيره كما ذكرنا إلى أن قتله في التاريخ الذي ذُكر. وكان سبب قتله -فيما بلغني- أنه كانت عنده بنت أبي بكر بن يوسف بن تاشفين، التي تعرف بـ بنت الصحراوية؛ وأخوها يحيى فارس المرابطين المشهور عندهم، يعرف أيضًا بـ يحيى ابن الصحراوية؛ فحظي يحيى هذا عند الموحدين،
وقوَّدوه على من وحد من لمتونة، ولم يزل وجيهًا عندهم, مكرمًا لديهم -وكان خليقًا بذلك- إلى أن نقلت عنه إلى عبد المؤمن أشياء كان يفعلها وأقوال كان يقولها أحنقته عليه، فتحدث عبد المؤمن ببعض ذلك في مجلسه، وربما هم بالقبض على يحيى هذا؛ فرأى الوزير أبو جعفر أن يجمع بين المصلحتين: من نصح أميره، وتحذير صهره؛ فقال لامرأته أخت يحيى المذكور: قولي لأخيك يتحفظ، وإذا دعوناه غدًا فليعتل ويُظهر المرض، وإن قدر على الهروب واللحاق بجزيرة مَيُورْقة فليفعل! فأخبرته أخته بذلك، فتمارض وأظهر أن ألمًا به، فزاره وجوه أصحابه وسألوه عن علته، فأسر إلى بعضهم -ممن كان يثق به- ما بلغه عن الوزير. فخرج ذلك الرجل الذي أسر إليه فنقل ذلك كله بجملته إلى رجل من ولد عبد المؤمن، فكان هذا هو السبب الأكبر في قتل أبي جعفر المذكور. وأمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بتقييد يحيى المذكور وسجنه، فكان في سجنه إلى أن مات!.
ثم كتب له بعد أبي جعفر هذا: أبو القاسم عبد الرحمن القالمي، من أهل مدينة بجاية، من ضيعة من أعمالها تعرف بـ قالم، وكتب له معه أبو محمد عياش بن عبد الملك بن عياش، من أهل مدينة قرطبة.
قضاته
أبو محمد عبد الله بن جَبَل، من أهل مدينة وَهْرَان من أعمال تلمسان. ثم عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالمالقي، لم يزل قاضيًا له إلى أن توفي عبد المؤمن، وصدْرًا من خلافة أبي يعقوب.
رَجْع الحديث إلى أخبار عبد المؤمن
وكان عبد المؤمن مُؤْثرًا لأهل العلم، محبًّا لهم، محسنًا إليهم، يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده والجوار بحضرته، ويُجري عليهم الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويهَ بهم والإعظام لهم. وقسم الطلبة طائفتين: طلبة الموحدين، وطلبة الحَضَر؛ هذا بعد أن تسمى المصامدة بالموحدين، لتسمية ابن تومرت لهم بذلك لأجل خوضهم في علم الاعتقاد الذي لم يكن أحد من أهل ذلك الزمان في تلك الجهة يخوض في شيء منه.
وكان عبد المؤمن في نفسه سَرِيَّ الهمة، نزيه النفس، شديد الملوكية، كأنه كان وَرِثها كابرًا عن كابر، ولا يرضى إلا بمعالي الأمور.
أخبرني الفقيه المتفنن أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي جعفر الوزير، عن أبيه, عن جده الوزير أبي جعفر، قال: دخلت على عبد المؤمن وهو في بستان له قد أينعت ثماره، وتفتحت أزهاره، وتجاوبت على أغصانها أطيارُه، وتكامل من كل جهة حسنه؛ وهو قاعد في قبة مشرفة على البستان، فسلمتُ وجلستُ، وجعلت أنظر يَمْنة وشَأْمة، متعجبًا مما أرى من حسن ذلك البستان، فقال لي: يا أبا جعفر، أراك كثير النظر إلى هذا البستان! قلت: يطيل الله بقاء أمير المؤمنين، والله إن هذا لمنظر حسن! فقال: يا أبا جعفر، المنظر الحسن هذا؟ قلت: نعم؛ فسكت عني، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة، أمر بعرض العسكر آخذي أسلحتهم، وجلس في مكان مطل، وجعلت العسكر تمر عليه قبيلةً بعد قبيلة وكتيبةً إثر كتيبة، لا تمر كتيبة إلا والتي بعدها أحسنُ منها؛ جودة سلاح، وفراهة خيل، وظهور قوة؛ فلما رأى ذلك التفت إليَّ وقال: يا أبا جعفر، هذا هو المنظر الحسن، لا ثمارك وأشجارك؟.
ولم يزل عبد المؤمن -بعد وفاة ابن تومرت- يطوي الممالك مملكةً مملكةً، ويدوخ البلاد، إلى أن ذلت له البلاد، وأطاعته العباد.
نهاية المرابطين وآخر من ولي الأمر منهم
وكان آخر ما استُولي عليه من البلاد التي يملكها المرابطون، مدينة مراكش، دار ملك أمير المسلمين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين؛ وهذا بعد وفاة أمير المسلمين المذكور حتف أنفه في شهور سنة. وكان قد عهد في حياته إلى ابنه تاشفين، فعاقته الفتنة عن تمام أمره، ولم يتفق له ما أمله من استقلال ابنه تاشفين المذكور بشيء من الأمور.
وخرج تاشفين بعد وفاة أبيه قاصدًا تلمسان، فلم يتفق له من أهلها ما يريد، فقصد مدينة وهران -وهي على ثلاث مراحل من تلمسان- فحاصره الموحدون بها؛ فلما اشتد عليه الحصار خرج راكبًا فرسًا شهباء، عليه سلاحه، فاقتحم البحر حتى هلك. ويقال: إنهم أخرجوه من البحر وصلبوه ثم أحرقوه، فالله أعلم بصحة ذلك.
فكانت ولاية تاشفين هذا من يوم وفاة أبيه إلى أن قُتل -كما ذكرنا- بمدينة وهران، ثلاثة أعوام إلا شهرين. وكان قتله سنة, وكان طول هذه الولاية لا يستقر به قرار ولا تستقيم له حال، تنبو به البلاد، وتتنكر له الرعية؛ فلم تزل هذه حاله إلى أن كان من أمره ما ذُكر.
وبعد دخول عبد المؤمن ﵀ مراكش، طلب قبر أمير المسلمين، وبحث عنه عبد المؤمن أشد البحث؛ فأخفاه الله وستره بعد وفاته كما ستره في أيام حياته؛ وتلك عادة الله الحسنى مع الصالحين المصلحين.
وانقطعت الدعوة بالمغرب لبني العباس بموت أمير المسلمين وابنه، فلم يُذكروا على منبر من منابرها إلى الآن، خلا أعوام يسيرة بإفريقية، كان قد ملكها يحيى بن غانية الثائر من جزيرة ميورقة على ما سيأتي بيانه.
وكانت مدة المرابطين -من حين نزولهم رحبة مراكش إلى أن انقرض ملكهم جملةً واحدةً بموت أمير المسلمين وابنه- نحوًا من ست وسبعين سنة.
تغلب عبد المؤمن على بجاية وقلعة بني حماد
ولما دان لعبد المؤمن جميع أقطار المغرب الأقصى مما كان يملكه المرابطون -على ما قدمنا- وأطاعه أهلها، جمع جموعًا عظيمة وخرج من مراكش يقصد مملكة يحيى بن العزيز بن المنصور بن المنتصر الصنهاجي، وكان يملك بجاية وأعمالها إلى موضع يعرف بـ سيوسيرات. وهذا الموضع هو الحد فيما بينه وبين لمتونة؛ فقصده عبد المؤمن -كما ذكرنا- في شهور سنة، فحاصر عبد المؤمن بجاية وضيق عليها أشد التضييق، فلما رأى يحيى بن العزيز أن لا طاقة له بدفاع القوم ولا يدان بمنعهم، هرب في البحر حتى أتى مدينة بُونة، وهي أول حد بلاد إفريقية، ثم خرج منها حتى أتى قسطنطينة المغرب، فأرسل إليه عبد المؤمن ﵀ بالجيوش، فاستُنزل وأُتي به عبد المؤمن، هذا بعد أن عاهد عبد المؤمن أن يؤمن يحيى في نفسه وأهله.
ودخل عبد المؤمن بجاية وملكها، وملك قلعة بني حَمَّاد، وهي معقل صنهاجة الأعظم وحِرْزُهُمُ الأمنع، فيها نشأ ملكهم، ومنها انبعث أمرهم.
وكان يحيى هذا وأبوه العزيز وجداه المنصور والمنتصر، وجدهم الأكبر حماد -من شيعة بني عبيد وأتباعهم والقائمين بدعوتهم؛ ومن بلادهم -أعني صنهاجة- قامت دعوة بنى عبيد؛ وهم الذين أظهروها ونشروها ونصروها؛ فلم يزل ملك بني حماد هؤلاء مستمرًّا، ودولتهم قائمة، وأمرهم نافذًا، لا ينازعهم أحد شيئًا مما في أيديهم؛ إلى أن أخرجهم من ذلك كله وملكه بأسره وضمه إلى مملكته: أبو محمد عبد المؤمن بن علي في التاريخ الذي تقدم!.
ولما ملك عبد المؤمن بجاية والقلعة وأعمالها، رتب من الموحدين من يقوم بحماية تلك البلاد والدفاع عنها؛ واستعمل عليها ابنه عبد الله؛ وكر راجعًا إلى مراكش ومعه وفي جنده يحيى بن العزيز ملك صنهاجة وأعيان دولته؛ فحين وصلوا إلى مراكش أمر لهم بالمنازل المتسعة والمراكب النبيلة والكُسَى الفاخرة والأموال الوافرة؛ وخص يحيى من ذلك بأجزله، وأسناه وأحفله؛ ونال يحيى هذا عنده رتبة عالية وجاهًا ضخمًا، وأظهر عبد المؤمن عناية به لا مزيد عليها ...
بلغني من طرق عدة أن يحيى بن العزيز كان في مجلس عبد المؤمن يومًا، فذكروا تعذر الصرف؛ فقال يحيى: أما أنا فعلي من هذا كُلْفة شديدة، وعبيدي في كل يوم يشكون إليَّ ما يلقون من ذلك، ويذكرون أن أكثر حوائجهم تتعذر لقلة الصرف -وذلك أن عادتهم في بلاد المغرب أنهم يضربون أنصاف الدراهم وأرباعها وأثمانها والخراريب، فيستريح الناس في هذا وتجري هذه الصروف في أيديهم فتتسع بياعاتهم- فلما قام يحيى بن العزيز من ذلك المجلس، أتبعه عبد المؤمن ثلاثة أكياس صروف كلها وقال لرسوله: قل له: لا يتعذر عليك مطلوب ما دمت بحضرتنا -إن شاء الله ﷿!.
وأقام عبد المؤمن ﵀ بمراكش، مرتبًا للأمور المختصة بالمملكة؛ من بناء دور، واتخاذ قصور، وإعداد سلاح، واستنزال مستعصٍ، وتأمين سبل، وإحسان إلى رعية، وما هذا سبيله.
فصل أحوال الأندلس بعد سقوط دولة المرابطين
فأما أحوال جزيرة الأندلس، فإنه لما كان آخر دولة أمير المسلمين أبي الحسن علي بن يوسف، اختلت أحوالها اختلالاً مفرطاً، أوجب ذلك تخاذل المرابطين وتواكلهم، وميلهم إلى الدعة، وإيثارهم الراحة، وطاعتهم النساء؛ فهانوا على أهل الجزيرة، وقلوا في أعينهم، واجترأ عليهم العدو، واستولى النصارى على كثير من الثغور المجاورة لبلادهم. وكان أيضًا من أسباب ما ذكرناه من اختلالها، قيام ابن تومرت بسوس، واشتغال علي بن يوسف به عن مراعاة أحوال الجزيرة.
ولما رأى أعيان بلاد تلك الجزيرة ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين، أخرجوا من كان عندهم من الولاة، واستبد كل منهم بضبط بلده. وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى بعد انقطاع دولة بني أمية. فأما بلاد أفراغة فاستولى عليها ملك أرغن -لعنه الله-، وملك مع ذلك سرقسطة -أعادها الله للمسلمين- وكثيرًا من أعمال تلك الجهات.
واتفق أمر أهل بلنسية ومرسية وجميع شرق الأندلس على تقديم رجل من أعيان الجند اسمه عبد الرحمن بن عياض. وكان عبد الرحمن هذا من صلحاء أمة محمد وخيارهم؛ بلغني عن غير واحد من أصحابه أنه كان مجاب الدعوة, من عجائب أمره أنه كان أرق الناس قلبًا وأسرعهم دمعة، فإذا ركب وأخذ سلاحه لا يقوم له أحد ولا يستطيع لقاءه بطل؛ كان النصارى يعدونه وحده بمائة فارس، إذا رأوا رايته قالوا: هذا ابن عياض! هذه مائة فارس! فحمى الله تلك الجهات ودفع عنها العدو ببركة هذا الرجل الصالح. وانتشر له من الهيبة في صدور النصارى ما ردهم عن البلاد. وأقام ابن عياض هذا بشرقي الأندلس يحفظ تلك البلاد ويذود عنها إلى أن توفي، ﵀ ونضَّر وجهه وشكر له سعيه. لا أتحقق تاريخ وفاته.
وقام بأمر تلك الجهات بعده رجل اسمه محمد بن سعد، المعروف عندهم بـ ابن مردنيش. كان محمد هذا خادمًا لابن عياض، يحمل له السلاح ويتصرف بين يديه في حوائجه؛ فلما حضرته الوفاة اجتمع إليه الجند وأعيان البلاد فقالوا له: إلى
من تسند أمورنا وبمن تشير علينا؟ وكان له ولد، فأشاروا به عليه؛ فقال: إنه لا يصلح؛ لأني سمعت أنه يشرب الخمر ويغفل عن الصلاة، فإن كان ولا بد فقدموا عليكم هذا -وأشار إلى محمد بن سعد- فإنه ظاهر النجدة, كثير الغَناء، ولعل الله أن ينفع به المسلمين!.
فاستمرت ولاية ابن سعد على البلاد إلى أن مات في شهور سنة.
وأما أهل المرية فأخرجوا من كان عندهم أيضًا من المرابطين؛ واختلفوا فيمن يقدمونه على أنفسهم؛ فندبوا إليها القائد أبا عبد الله بن ميمون، ولم يكن منهم، إنما هو من أهل مدينة دانية؛ فأبى عليهم وقال: إنما أنا رجل منكم، ووظيفتي البحر وبه عُرفت؛ فكل عدو جاءكم من جهة البحر فأنا لكم به. فقدموا على أنفسكم من شئتم غيري! فقدموا على أنفسهم رجلا منهم اسمه عبد الله بن محمد، يعرف بـ ابن الرميمي؛ فلم يزل عليها إلى أن دخلها عليه النصارى من البر والبحر؛ فقتلوا أهلها وسبوا نساءهم وبنيهم وانتهبوا أموالهم في خبر يطول ذكره.
وملك جيان وأعمالها إلى حصن شَقورة وما والى تلك الثغور، رجل اسمه عبد الله، لا أعرف اسم أبيه، هو معروف عندهم بـ ابن هَمُشْك؛ وربما ملك عبد الله هذا قرطبة أيامًا يسيرة.
وأقامت على طاعة المرابطين أغرناطة وإشبيلية.
فهذه جملة أحوال الأندلس في آخر دعوة المرابطين. وفي ضمن هذه الجملة جزئيات من أخبار الحصون والقلاع والمدن الصغار, أضربتُ عن ذكرها خوفًا من الإطالة؛ لأنها نكرة، والتعريف بها مخرج إلى الطول.
وقام بمغرب الأندلس دعاة فتن ورءوس ضلالات؛ فاستفزوا عقول الجهال، واستمالوا قلوب العامة؛ من جملتهم رجل اسمه أحمد بن قَسِيٍّ؛ كان في أول أمره يدعي الولاية، وكان صاحب حيل ورب شَعبذة، وكان مع هذا يتعاطى صنعة البيان وينتحل طريق البلاغة، ثم ادعى الهداية؛ بلغني ذلك عنه من طرق صحاح. ثم لم
يستقم له شيء مما أراد، واختلف عليه أصحابه. وكان قيامه بحصن مارتلة -وقد تقدم اسم هذا الحصن في أخبار الدولة العبادية- فأسلمه-كما ذكرنا- أصحابه، واختلفوا عليه، ودسوا إليه من أخرجه من الحصن بحيلة حتى أخذه الموحدون قبضًا باليد، فعبروا به إلى العدوة، فأتوا به عبد المؤمن ﵀، فقال له: بلغني أنك ادعيت الهداية! فكان من جوابه أن قال: أليس الفجر فجرين: كاذبًا وصادقًا؟ فأنا كنت الفجر الكاذب! فضحك عبد المؤمن وعفا عنه. ولم يزل بحضرته إلى أنه قتله بعض أصحابه الذين كانوا معه بالأندلس. ولابن قسي هذا أخبار قبيحة، مضمونها الجراءة على الله سبحانه، والتهاون بأمر الولاية؛ منعني من ذكرها صرف العناية إلى ما هو أهم منها.
عبور الموحدين إلى الأندلس
ولما انتشرت دعوة المصامدة -كما ذكرنا- بالمغرب الأقصى، تشوف إليهم أعيان مغرب الأندلس؛ فجعلوا يفدون في كل يوم عليهم، ويتنافسون في الهجرة إليهم؛ فدخل في ملكهم كثير من جزيرة الأندلس، كالجزيرة الخضراء، ورُنْدَة، ثم إشبيلية، وقرطبة، وأغرناطة. وكان الذي فتح هذه البلاد الشيخ أبو حفص عمر إينْتي المتقدم الذكر في أهل الجماعة. واجتمع على طاعتهم أهل مغرب الأندلس.
فلما رأى عبد المؤمن ذلك، جمع جموعًا عظيمة، وخرج يقصد جزيرة الأندلس؛ فسار حتى نزل مدينة سبتة، فعبر البحر، ونزل الجبل المعروف بجبل طارق، وسماه هو جبل الفتح، فأقام به أشهرًا، وابتنى به قصورًا عظيمة، وبنى هناك مدينة هي باقية إلى اليوم. ووفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة، كأهل مالقة، وأغرناطة، ورندة، وقرطبة، وإشبيلية، وما والى هذه البلاد وانضم إليها. وكان له بهذا الجبل يوم عظيم، اجتمع له وفي مجلسه فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله. واستدعى الشعراء في هذا اليوم ابتداءً ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك، إنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم.
محمد بن حَبُّوس الفاسي الشاعر
وكان على بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون؛ فدخلوا، فكان أول من أنشد: أبو عبد الله محمد بن حبوس، من أهل مدينة فاس. وكانت طريقته في الشعر على
نحو طريقة محمد بن هانئ الأندلسي، في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وإيثار التقعير؛ إلا أن محمد بن هانئ كان أجود منه طبعًا وأحلى مَهْيَعًا؛ فأنشد في ذلك اليوم قصيدة أجاد فيها ما أراد. أولها:
بلغ الزمان بهديكم ما أمَّلاوتعلمت أيامه أن تعدِلا
وبحسْبه أن كان شيئًا قابلاوجد الهداية صورة فتشكلا
لم يبق على خاطري منها أكثر من هذين البيتين.
ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة. وكان حظيًّا عنده, نال في أيامه ثروة, وكذلك في أيام ابنه أبي يعقوب. وكان في دولة لمتونة مقدمًا في الشعراء، حتى نقلت إليهم عنه حماقات، فهرب إلى الأندلس، ولم يزل بها مستخفيًا ينتقل من بلد إلى بلد، حتى انتقلت الدولة المرابطية.
قرأ عليَّ ابنه عبد الله من خط أبيه هذه الحكاية، قال:
دخلت مدينة شلب من بلاد الأندلس، ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها شيئًا، فسألت عمن يقصد إليه فيها، فدلني بعض أهلها على رجل يعرف بـ ابن الملح، فعمدت إلى بعض الوراقين فسألته سِحاءة ودواة، فأعطانيهما؛ فكتبت أبياتًا أمتدحه بها، وقصدت داره، فإذا هو في الدهليز، فسلمت عليه، فرحب بي ورد علي أحسن رد، وتلقاني أحسن لقاء، وقال: أحسبك غريبًا! قلت: نعم؛ فقال لي: من أي طبقات الناس أنت؟ فأخبرته أني من أهل الأدب، من الشعراء؛ ثم أنشدته الأبيات التي قلت؛ فوقعت منه أحسن موقع؛ فأدخلني إلى منزله، وقدم إلي الطعام، وجعل يحدثني؛ فما رأيت أحسن محاضرةً منه. فلما آن الانصراف، خرج ثم عاد ومعه عبدان يحملان صندوقًا حتى وضعه بين يدي؛ ففتحه فأخرج منه سبعمائة دينار مرابطية، فدفعها إلي وقال: هذه لك! ثم دفع إلي صرة فيها أربعون مثقالًا، وقال:
هذه من عندي! فتعجبت من كلامه وأشكل علي جدًّا، وسألته: من أين كانت هذه لي؟ فقال لي: سأحدثك: إني أوقفت أرضًا من جملة مالي للشعراء، غلتها في كل سنة مائة دينار؛ ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد لتوالي الفتن التي دهمت البلاد؛ فاجتمع هذا المال حتى سِيق إليك, وأما هذه فمن حر مالي! يعني: الأربعين مثقالًا؛ فدخلت عليه جائعًا فقيرًا، وخرجت عنه شبعان غنيًّا.
الأصم المرواني الشاعر، ابن الطليق
وأنشده في ذلك اليوم رجل من ولد الشريف الطليق المرواني، كان شريفًا من جهه أمه:
ما للعِدَا جُنَّةٌ أوقى من الهرب ... ............................
فقال عبد المؤمن رافعًا صوته: إلى أينإلى أين؟ فقال الشاعر:
... أين المفر وخيل الله في الطلبِ!
وأين يذهب من في رأس شاهقةوقد رمته سماء الله بالشُّهُبِ
حدث عن الروم في أقطار أندلسوالبحر قد ملأ العِبْرَين بالعربِ
فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن: بمثل هذا تمدح الخلفاء! فسمى نفسه خليفة كما ترى ...
وجد هذا الشاعر هو الشريف الطليق، طليق النَّعامة؛ وإنما سمي بذلك لأنه كان محبوسًا في مُطْبِق أبي عامر محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور القائم بدعوة هشام المؤيد، أقام في ذلك المحبس سنين، فكتب يومًا قصة يذكر فيها ما آلت إليه حاله من ضيق الحبس وضنك العيش، فرفعت إلى ابن أبي عامر؛ فأخذها في جملة رقاع ودخل إلى داره. فجاءت نعامة كانت هناك، فجعل يلقي إليها الرقاع، فتبتلع شيئًا وتلقي شيئًا. فألقى إليها رقعة هذا الشريف في جملة الرقاع وهو لم يقرأها، فأخذتها ثم دارت وألقتها في حِجْره، فرمى بها إليها ثانية، فدارت القصر كله ثم جاءت وألقتها في حجره، فرمى بها إليها ثالثة ... وفعلت ذلك مرارًا؛ فتعجب من ذلك، وقرأ
الرقعة، وأمر بإطلاقه؛ فسمي بذلك: طليق النعامة!.
وأنشد في ذلك اليوم رجل من أهل إشبيلية يعرف بـ ابن سيد، ويلقب بـ اللص:
غمضْ عن الشمس واستقصر مدى زُحَلِوانظر إلى الجبل الراسي على جبلِ
أنَّى استقر به، أنى استقل بهأنى رأى شخصه العالي فلم يزلِ
فقال له عبد المؤمن: لقد ثقلتنا يا رجل! فأمر به فأُجلس؛ وهذه القصيدة من خيار ما مدح به؛ لولا أنه كدَّر صفوها بهذه الفاتحة.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع