من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
ذكر ولاية عبد المؤمن
الصفحة ٢ من ٢
الرُّصافي الرفاء الشاعر
وأنشده في ذلك اليوم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي المعروف بالرصافي؛ كان مستوطنًا مدينة مالقة:
لو جئتَ نار الهدى من جانب الطُّورقَبَسْتَ ما شئت من علم ومن نورِ
من كل زهراء لم ترفع ذؤابتهاليلًا لسارٍ ولم تشبب لمقرُورِ
فَيضِيَّة القَدْح من نور النبوة أونور الهداية تجلو ظلمة الزورِ
ما زال يُقضمها التقوى بموقدهاصوَّام هاجرة, قوَّام ديجورِ
حتى أضاءت من الإيمان عن قَبَسقد كان تحت رماد الكفر مكفورِ
نور طوى الله زَنْد الكون منه علىسَقْطٍ إلى زمن المهدى مذخورِ
وآيه كَإِياة الشمس بين يديغزو على الملك القيسي منذورِ
يا دارُ دارَ أمير المؤمنين بسفح الطَّــوْدِ طود الهدى، بُوركتِ في الدورِ
ذات العِمَادين من عز ومملكةعلى الأساسين من قدس وتطهيرِ
ما كان بانيك بالواني الكرامة عنقصر على مَجْمَع البحرين مقصورِ
مواطئ من نبي طالما وصلتْفيها الخطا بين تسبيحٍ وتكبيرِ
حيث استقلت به نعلاه بُوركتافطيبت كل موطوء ومعبورِ
وحيث قامت قناة الدين تَرْفُل فيلواء نصر على البَرَّين منشورِ
في كف منشمر البُردَين ذي وَرَععلى التقى وصفاء النفس مفطورِ
يلقاك في حال غيب من سريرتهبعالم القدس مشهود ومحضورِ
تَسنَّم الفلك من سخط المرار وقدتؤدين يا خير أفلاك العلا سيرِي
فسرن يحملن أمر الله من مَلِكبالله مستنصر في الله منصورِ
يُومي له بسجود كل محركةمنها، ويُوليه حمدًا كل تصديرِ
لما تسابقن في بحر الزُّقاق بهتركن شطيه في شك وتحييرِ
أهز من موجه أثناء مسرور؟أم خاض من لُجِّه أحشاءَ مذعورِ؟
كأنه سالك منه على وَشَلٍفي الأرض من مُهَج الأسياف مقطورِ
من السيوف التي ذابت لسَطْوتهوقد رمى نار هَيْجاها بتسعيرِ
ذو المنشآت الجواري في أَجِرَّتهاشكل الغدائر في سَدْل وتضفيرِ
أعدى المياه وأنفاس الرياح لهاما في سجاياه من لين وتعطيرِ
من كل عذراءَ حُبْلَى في ترائبهارَدْعان من عنبر ورد وكافورِ
نِجالها بين أيدٍ من مَجَاذفهايغرَقْن في مثل ماء الورد من جُورِ
وربما خاضت التيار طائرةبمثل أجنحة الفُتْخ الكواسيرِ
كأنما عبرت تختال عائمةفي زاخر من يَدَيْ يمناه معصورِ
حتى رمت جبل الفتحينِ من كَثَبٍبساطع من سناه غير مبهورِ
لله ما جبل الفتحين من جبلمعظم القدر في الأجيال مذكورِ
من شامخ الأنف في سَحْنَائِه طَلَسٌله من الغيم جيب غير مزرورِ
معبرًا بذُراه عن ذُرا ملكمستمطر الكف والأكناف ممطورِ
تمسي النجوم على إكليل مَفْرِقهفي الجو حائمة مثل الدنانيرِ
وربما مسحَتْه من ذوائبهابكل فضل على فَوْدَيْه مجرورِ
وأَدْرَدٍ من ثناياه بما أخذتْمنه مقاحم أعواد الدهاريرِ
مُحَنَّكٍ حَلَبَ الأيام أشطرَهاوساقها سوق حادي العير للعيرِ
مقيد الخطو جَوَّال الخواطر فيعجيب أمريه من ماضٍ ومنظورِ
قد واصل الصمت, والإطراق مفتكرًابادي السكينة, مُغْبَرّ الأساريرِ
كأنه مُكْمَد مما تعبدهخوف الوعيدين من دَكّ وتسييرِ
أَخلِقْ به وجبال الأرض راجفةأن يطمئن غدًا من كل محذورِ
كفاه فضلًا أن انتابت مواطئهنعلَا مليكٍ كريم السعْي مشكورِ
مستنشيًا بهما ريح الشفاعة منثَرَى إمام بأقصى الغرب مقبورِ
ما انفك آمِل أمر منه بين يدييوم القيامة محتوم ومقدورِ
حتى تصدى من الدنيا على رَمَقيستنجز الوعد قبل النفخ في الصورِ
مستقبل الجانب الغربي مرتقبًاكأنه باهت في جو أسميرِ
لبارق من حسام سله قدربالغرب من أفق البيض المشاهيرِ
إذا تألق قيسيًّا أهاب بهإلى شَفًا من مضاع الدين مَوْتورِ
ملك أتى عِظَمًا فوق الزمان فمايمر فيه بشيء غير محقورِ
ما عَنَّ في الدين والدنيا له أََرَبٌإلا تأتَّى له من غير تعذيرِ
ولا رمى من أمانيه إلى غرضإلا هدى سهمَهُ نُجْحُ المقاديرِ
حتى كأن له في كل آونةسلطان رِقٍّ على الدنيا وتسخيرِ
مميَّز الجيش، ملتفًّا مواكبهمن كل مَثْلُول عرش الملك مقهورِ
من الأُلى خضعوا قسرًا له وعنوْالأمره بين منهيٍّ ومأمورِ
من بعدِ ما عاندوا أمرًا فما تركواإذ أمكن العفو ميسورًا لمعسورِ
بقية الحرب، فاتوها وما بهمفي الضرب والطعن سِيمَاءٌ لتقصيرِ
لا ينكر القوم مما في أكفهمبيض مَفَاليل أو سُمْرٌ مكاسيرِ
إذا صدعتَ بأمر الله مجتهدًاضربتَ وحدك أعناق الجماهيرِ
لا يذهبن لتقليل أخو سببٍمن الأمور، ولا يركن لتكثيرِ
فالبحر قد عاد من ضرب العصا يَبَسًاوالأرض قد غرِقَتْ من فَوْر تنورِ
وإنما هو سيف الله قلدهأقوى الهداة يدًا في دفع محذورِ
فإن يكن بيد المهدي قائمهفموضع الحد منه حد مشهورِ
والشمس إن ذكرت موسى فما نَسِيَتْفتاه يُوشَعَ قمَّاع الجبابيرِ
وكان الرصافي يوم أنشد هذه القصيدة لم تكمل له عشرون سنة. وهو من مجيدي شعراء عصره، لا سيما في المقاطيع, كالخمسة الأبيات فما دونها. وقد رويتُ شعره عن جماعة ممن لقوه، وقد رأيت أن أورد منه هاهنا نبذة يسيرة تدل على ما وصفناه به، فمن ذلك قوله يصف نهر إشبيلية الأعظم، وهو نهر لا نظيرَ له في الدنيا:
ومُهدَّل الشَّطَّيْنِ تحسَب أنهمتسايل من درة لصفائهِ
فاءت عليه مع الهجيرة سَرْحَةصَدِئت لفَيْئَتها صفيحة مائهِ
فتراه أزرق في غِلالَة سُمْرةكالدَّارع استلقى بظل لوائهِ
وله, وقد اجتمع مع إخوان له في بعض العَشَايا, في بستان رجل يقال له: موسى بن رزق:
ما مثلُ موضعك ابنَ رزقٍ موضعُروض يرق وجدول يتدفعُ
فكأنما هو من محاجر غادةفالحسن ينبت في ثَرَاه وينبُعُ
وعشيةٍ لبست رداء شُحُوبهاوالجو بالغيم الدقيق مقنَّعُ
بلغت بنا أمد السرور تألفًاوالليل نحو فراقنا يتطلعُ
فابلُلْ بها رمق من الغَبُوق فقد أتىمن دون قرص الشمس ما يُتوقَّعُ
سقطت فلم يملك نديمك ردهافوددت يا موسى لو انك يوشعُ
وله يصف عشية أيضًا في موضع هذا الرجل المتقدم الذكر:
محل ابن رزق جر فيه ذُيُولهمن المُزْن ساقٍ يُحسن الجَرَّ والسقيَا
ذكرت عشيًّا فيك -لا ذُم عهده-وإن نحن لم نَهْتَع ببهجته لُقْيَا
ولم يعتلق بي منك عند افتراقناسوى عَبَقٍ من مسك قُبْلتك اللَّمْيَا
وكنت أُراني في الكَرى وكأننيأناول كالدينار من ذهب الدنيَا
فلما انطوى ذاك الأصيل وحسنُهُعلى ساعة من أنسنا، صحت الرؤيَا
وله يصف دولابًا:
وذي حنينٍ يكاد شوقًايختلس الأنفس اختلاسَا
لما غدا للرياض جارًاقال له المَحْل لا مِساسَا
يبتسم الروض حين يبكيبأدمع ما رأيْنَ باسَا
من كل جفن يسُلُّ سيفًاصار له غمده رئاسَا
وله وقد رأى صبيًّا يتباكى ويجعل من ريقه على عينيه، يحكي بذلك الدموع:
من الطويل
عذيريَ من جَذْلانَ يبدي كآبةوأضلعه مما يحاوله صِفْرُ
أُمَيْلد ميَّاس إذا قاده الصِّباإلى مُلَح الإدلال أيده السحرُ
يبل مآقي زهرتيه بريقهويحكى البُكا عمدًا كما ابتسم الزهرُ
ويوهم أن الدمع بَلَّ جفونهوهل عُصرت يومًا من النرجس الخمرُ؟
وقال يصف نائمًا قد تحبب العرق على خده:
ومهفهفٍ كالغصن إلا أنهسل التثني النوم عن أثنائهِ
أضحى ينام وقد تحبب خدهعرقًا فقلت: الورد رُشَّ بمائهِ
وللرصافي هذا افتنان في الآداب. وكان ﵀ عفيف الطُّعْمة, نزيه النفس، لا يحب أن يشتهر بالشعر مع إجادته في كثير منه.
وصل الحديث عن عبد المؤمن بن علي
وأقام عبد المؤمن بجبل الفتح، مرتبًا للأمور، ممهدًا للمملكة؛ وأعيان البلاد يفدون عليه في كل يوم، إلى أن تم له ما أراد من إصلاح ما استولى عليه من جزيرة الأندلس.
فولى مدينة إشبيلية وأعمالها ابنه يوسف، وهو الذي ولي الأمور بعده على ما سيأتي بيانه؛ وترك معه بها من أشياخ الموحدين وذوي الرأي والتحصيل منهم من يرجع إليه في أموره، ويعوِّل عليه فيما ينويه.
وولى قرطبة وأعمالها أبا حفص عمر إينتي.
وولى أغرناطة وأعمالها ابنه عثمان بن عبد المؤمن، يكنى أبا سعيد، وكان من نبهاء أولاده ونجبائهم وذوي الصرامة منهم. وكان محبًّا للآداب، مؤثرًا لأهلها، يهتز للشعر ويُثيب عليه. اجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتاب عصابة ما علمتها اجتمعت لملك منهم بعده.
ثم كر عبد المؤمن راجعًا إلى مراكش، بعد ما ملأ ما ملكه من أقطار جزيرة الأندلس خيلا ورجالا من المصامدة والعرب وغيرهم من أصناف الجند.
منازل العرب الهلالية في المغرب والأندلس
وقد كان حين أراد العبور إلى جزيرة الأندلس، استنفر أهل المغرب عامة؛ فكان
فيمن استنفره العرب الذين كانوا ببلاد يحيى بن العزيز، وهم قبائل من هلال بن عامر، خرجوا إلى البلاد حين خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب؛ فعاثوا في القيروان عيثًا شديدًا أوجب خرابها إلى اليوم، ودوخوا مملكة بني زيري بن مَنَاد، وهذا بعد موت المعز بن باديس؛ فانتقل تميم إلى المهدية. وسار هؤلاء العرب حتى نزلوا على المنصور بن المنتصر؛ فصالحهم على أن يجعل لهم نصف غلة البلاد، من تمرها وبُرِّها وغير ذلك. فأقاموا على ذلك باقي أيامه، وأيام ابنه الملقب بالعزيز، وأيام يحيى، إلى أن ملك البلاد أبو محمد عبد المؤمن ﵀، فأزال ذلك من أيديهم، وصيرهم جندًا له، وأقطع رؤساءهم بعض تلك البلاد.
فكتب إليهم رسالة يستنفرهم إلى الغزو بجزيرة الأندلس، وأمر أن تُكتب في آخرها أبيات قالها ﵀ في ذلك المعني، وهي:
أقيموا إلى العلياء هُوج الرَّواحلوقودوا إلى الهيجاء جُرْد الصواهلِ
وقوموا لنصر الدين قَوْمة ثائرٍوشُدوا على الأعداء شدة صائلِ
فما العز إلا ظهر أجردَ سابحٍيفوت الصَّبا في شده المتواصلِ
وأبيض مأثور كأن فِرِنْدهعلى الماء منسوج, وليس بسائلِ
بني العم من عُليا هلال بن عامروما جمعت من باسلٍ وابن باسلِ
تعالوا فقد شُدت إلى الغزو نيةٌعواقبها منصورة بالأوائلِ
هي الغزوة الغراء والموعد الذيتَنَجَّزَ من بعد المدى المتطاولِ
بها تُفتح الدنيا، بها تُبلغ المُنَىبها يُنصف التحقيق من كل باطلِ
أهبنا بكم للخير, والله حسبُناوحسبكمو, والله أعدل عادلِ
فما همنا إلا صلاح جميعكموتسريحكم في ظل أخضرَ هاطلِ
وتسويغكم نُعمَى ترف ظلالهاعليكم بخير عاجل غير آجلِ
فلا تتوانوْا فالبِدَار غنيمةوللمدلج الساري صفاء المناهلِ
فاستجاب له منهم جمع ضخم؛ فلما أراد الانفصال عن الجزيرة رتبهم فيها، فجعل بعضهم في نواحي قرطبة، وبعضهم في نواحي إشبيلية مما يلي مدينة شَرِيش وأعمالها؛ فهم بها باقون إلى وقتنا هذا -وهو سنة, وقد انتشر من نسلهم بتلك المواضع خلق كثير. وزاد فيهم أبو يعقوب، وأبو يوسف، حتى كثروا هناك؛ فبالجزيرة اليوم من العرب من زُغبة وريح وجشم بن بكر وغيرهم نحو من خمسة آلاف فارس سوى الرَّجَّالة.
وكان عبور عبد المؤمن ﵀ إلى الجزيرة ونزوله بجبل الفتح في سنة، ثم كر -كما ذكرنا- راجعًا إلى مراكش؛ فأخبرني غير واحد ممن أرضى نقلَهُ، أنه لما نزل مدينة سلا -وهي مدينة على البحر الأعظم المحيط، ينصب إليها نهر عظيم يصب في البحر المذكور- عبر النهر، وضُربت له خيمة على الشاطئ؛ وجعلت العساكر تعبر قبيلة بعد قبيلة؛ فلما نظر إلى كثرة العدد وانتشار العالم، خر ساجدًا، ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته؛ والتفت إلى من عنده وقال: أعرف ثلاثة أشخاص وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد، فراموا عبور هذا النهر، فأتوا صاحب القارب وبذلوا له الرغيف على أن يعبروا ثلاثتهم فقال: لا آخذه إلا على اثنين خاصة؛ فقال لهم أحدهم -وكان شابًّا جلدًا-: خذا ثيابي معكما وأعبر أنا سباحةً! فأخذا ثيابه معهما، وصعدا في القارب؛ فجعل الشاب يسبح، فكلما أعيا دنا من القارب ووضع يديه عليه ليستريح، فضربه صاحبه بالمجداف الذي معه حتى يؤلمه؛ فما بلغ البر إلا بعد جهدٍ شديدٍ!.
فما شك السامعون للحكاية أنه العابر سباحة، وأن الاثنين المذكورين هما ابن تومرت, وعبد الواحد الشرقي.
ثم سار حتى أتى مراكش، فنزلها، وأخذ في البناء والغِراسة وترتيب القصور، غير مخلٍّ بشيء مما تحتاج إليه المملكة من السياسة وتدبير الأمور وبسط العدل والتحبب إلى الرعية وإخافة من تجب إخافته.
وأخبرني السيد حقيقة والماجد خلقًا وخليقة، أبو زكريا يحيى ابن الإمام أمير المؤمنين أبي يعقوب ابن الإمام أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن علي: أنه رأى على ظهر كتاب الحماسة بخط الخليفة عبد المؤمن هذين البيتين، وقال لي ﵀: لا أدري هما له أو لغيره:
وحَكِّمِ السيفَ لا تعبأ بعاقبةوخلها سيرة تبقى على الحِقَبِ
فما تنال بغير السيف منزلةولا ترد صدور الخيل بالكتبِ
وقد كان عبد المؤمن حين فصل عن بجاية وولى عليها ابنه عبد الله -حسبما تقدم- عهد إليه أن يشن الغارات على نواحي إفريقية، وأن يضيق على تونس ويمنع عنها المرافق التي تصل إليها على طريقه؛ ففعل ذلك.
غزو الموحدين لإفريقية
ثم إن عبد الله تجهز في جيش عظيم من المصامدة والعرب وغيرهم، وسار حتى نزل على مدينة تونس، وهي حاضرة إفريقية بعد القيروان، وكرسي مملكتها، ومقر تدبيرها، وإياها يستوطن والي إفريقية، لم يزل هذا معروفًا من أمرها إلى وقتنا هذا -وهو سنة فحاصرها عبد الله المذكور، وأخذ في قطع أشجارها وتغوير مياهها, وكان الذي يملكها في ذلك الوقت لوجار بن لوجار المعروف بابن الدوقة الرومي صاحب صقلية -لعنه الله-, وكان عاملَهُ عليها رجلٌ من المسلمين اسمه عبد الله؛ يعرف بابن خراسان؛ لم يزل عاملا عليها حتى أخرجه الموحدون في التاريخ الذي سيذكر. فلما طال على ابن خراسان الحصار، أجمع رأيه ورأي أهل البلد من الجند على الخروج لقتال المصامدة، ففعلوا ذلك، وخرجوا بخيل ضخمة، فالتقوا هم وأصحاب عبد الله فانهزم أصحاب عبد الله، وقتل منهم خلق كثير. ورجع عبد الله ببقية أصحابه إلى بجاية إلى بجاية, فكتب إلى أبيه يخبره بذلك.
فتح المهدية واسترجاعها من يد الصقليين
فلما كان في آخر سنة أخذ عبد المؤمن في الحركة إلى إفريقية، فجمع جموعًا عظيمة من المصامدة وغيرهم من جند المغرب، وسار حتى نزل على مدينة تونس، فافتتحها عَنْوة؛ وفصل عنها إلى مهدية بني عبيد؛ وفيها الروم أصحاب ابن
الدوقة، وفيها معهم يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بُلُجِّين بن زيري بن مَنَاد الصنهاجي، ملوك القيروان؛ فنزل عبد المؤمن عليها فحاصرها أشد الحصار، وهي من معاقل المغرب المنيعة؛ لأن بنيانها في غاية الإحكام والوَثَاقة؛ بلغني أن عرض حائط سورها ممشى ستة أفراس في صف واحد، ولا طريق لها من البر إلا على باب واحد، والبحر في قبضة من في البلد: يدخل الشيني كما هو بمقاتلته إلى داخل دار الصناعة، لا يقدر أحد ممن في البر على منعه؛ فبهذا قدر الروم على الصبر على الحصار؛ لأن النجدة كانت تأتيهم من صقلية في كل وقت. وأقام عبد المؤمن وأصحابه عليها سبعة أشهر إلا أيامًا، وأصابتهم عليها شدة شديدة من غلاء السعر؛ بلغني عن غير واحد أنهم اشتروا الباقلاء في العسكر، سبع باقلات بدرهم مُؤمِنيّ، وهو نصف درهم النصاب. ثم اقتتحها عبد المؤمن ﵀ بعد أن أمن النصارى الذين بها على أنفسهم، على أن يخرجوا له عن البلد، ويلحقوا بصقلية بلدهم حيث مملكة صاحبهم؛ ففعلوا ذلك، ودخل عبد المؤمن وأصحابه المهدية فملكوها.
وبعث إلى قابس من افتتحها، وفيها الروم أيضًا.
امتداد مملكة الموحدين إلى الشرق
ثم افتتح طرابلس المغرب، وأرسل إلى بلاد الجريد، وهي تَوْزَر، وقَفْصة، ونَفْطَة، والحامَّة، وما والى هذه البلاد؛ فافتُتحت كلها، وأخرج الإفرنج منها وألحقهم ببلادهم كما تقدم. فمحا الله به الكفر من إفريقية، وقطع عنها طمع العدو؛ فانتبه بها الدين بعد خموله، وأضاء كوكب الإيمان بعد انطماسه وأُفُوله.
وتم لعبد المؤمن ﵀ ملك إفريقية كلها منتظمًا إلى مملكة المغرب، فملك في حياته من طرابلس المغرب إلى سوس الأقصى من بلاد المصامدة وأكثر جزيرة الأندلس؛ وهذه مملكة لم أعلمها انتظمت لأحد قبله منذ اختلت دولة بني أمية إلى وقته.
ألوان من شكر النعمة
ثم كر عبد المؤمن راجعًا من إفريقية، بعد ما استولى على بلادها ودان له أهلها؛
فأخبرني بعض أشياخ الموحدين من ذوي التحصيل منهم والثقة، أن عبد المؤمن مر في طريقه راجعًا من إفريقية ببجاية؛ فدخل البلد متنزهًا فيه، فمر بسُوَيْقة بناحية باب من أبوابها يدعى باب تاطُنْت؛ فوقف ووقفت معه وجوه دولته؛ فسأل عن بياع بها سماه باسمه؛ فأخبره أهل السويقة بوفاته، فقال: هل خلف عقبًا؟ قالوا: نعم؛ فأمر بشراء جميع الدكاكين التي بتلك السويقة وأوقفها عليهم، وأمر لهم بمال كثير. ثم التفت إلى بعض خواصه وقال له: أتيت إلى هذا البياع ولي وللإمام -يعني: ابن تومرت- ولجماعة من أصحابنا من الطلبة أيام لم نطعم فيها، وما معي إلا سكين الدواة؛ فأخذت منه خبزًا وإدامًا، ثم وضعت عنده السكين رهنًا على ذلك، فأبى قبولها وقال لي: إني توسمتُ فيك الخير؛ فمتى أعوزك شيء فهلم الدكان فهو بين يديك وبحكمك! فحقه علي أكثر من هذا.
ونظر في هذا اليوم الذي ركب فيه مخترقًا بجاية إلى يحيى بن العزيز يمشي بين يديه راجلا وقد علاه الغبار، فدمعت عيناه، واستدعاه فقال له: أتذكر يومًا خرجت إلى بعض منتزهاتك، فأذكر أني جمعني وإياك هذا الباب، فوطئت دابتك عقبي، فلما نظرتُ إليك أمرتَ بعض عبيدك فوكزني وكزة كدت أقع منها لفِيَّ! فاستحيا يحيى وتغير لونه وأطرق، وجعل يقول: الله الله يا مولاي! وظن أنه الشر؛ فلما رأى ذلك منه قال له: إنما ذكرت لك ذلك على طريق الاعتبار؛ ولتذكر وتنظر كيف تقلب الأيام بأهلها! وأمر له بما زال به رَوْعُهُ.
ومر في طريقه هذا ما بين البطحاء وتلمسان بموضع قد التف فيه الدَّوْح، فجاءت منه دوحة في وسطها رحبة نقية؛ فأمر أن يضرب خباؤه هنالك؛ وهو غير منزل معروف. فلما نزل ونزلت العساكر واستقر بهم النزول، قال لبعض خواصه: أتدرون لِمَ آثرت النزول بهذا المكان؟ قالوا: لا؛ قال: ذلك لأني بت بهذا الموضع في بعض الليالي جائعًا مقرورًا، وكانت ليلة ممطورة؛ فما زال هذا الدوح وقائي حتى أصبحت؛ فأردت النزول هنا على هذه الحالة لأشكر الله سبحانه على الفرق ما
بين المنزلتين والفصل ما بين المبيتين! ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين شكرًا لله ﷿. وجدت هذه الحكاية بخط رجل من ولد ولد عبد المؤمن؛ من اسمه موسى بن يوسف بن عبد المؤمن.
وبدا له في هذا الوجه أن يمر على القرية التي تسمي تاجرا -وبها كان مولده كما تقدم- لزيارة قبر أمه وصلة من هناك من ذوي رحمه؛ فلما أطل عليها والجيوش قد انتشرت بين يديه وقد خفقت على رأسه أكثر من ثلاثمائة راية ما بين بنود وألوية، وهزت أكثر من مائتي طبل -وطبولهم في نهاية الكبر وغاية الضخامة، يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز ويحس قلبه يكاد يتصدع من شدة دَوِيِّها- فخرج أهل القرية للقائه والتسليم عليه بالخلافة؛ فقالت امرأة عجوز من عجائز القرية، ممن كانت تصحب أمه: هكذا يعود الغريب إلى بلده! تقول ذلك رافعة صوتها ...
وفاء وفداء
ونازع عبدَ المؤمن الأمرَ قومٌ من قرابة ابن عبد الله يعرفون بأيِت ومَغار -معناه بالعربية: بنو ابن الشيخ- وانتهوا في ذلك إلى أن أجمع رأيهم ورأي من وافقهم على سوء صنيعهم على أن يدخلوا على عبد المؤمن خباءه ليلا فيقتلوه؛ وظنوا أن ذلك يخفى من أمرهم، وأن عبد المؤمن إذا فُقد ولم يُعلم من قتله صار الأمر إليهم؛ لأنهم أحق به؛ إذ كانوا أهل الإمام وقرابته وأولى الناس به، فأعلم بما أرادوه من ذلك رجل من أصحاب ابن تومرت، من خيارهم، اسمه إسماعيل بن يحيى الهزرجي؛ فأتى عبد المؤمن فقال له: يا أمير المؤمنين، لي إليك حاجة! قال: وما هي يا أبا إبراهيم؟ فجميع حوائجك عندنا مقضية! قال: أن تخرج عن هذا الخباء وتدعني أبيت فيه! ولم يعلمه بمراد القوم؛ فظن عبد المؤمن أنه إنما يستوهبه الخباء؛ لأنه أعجبه, فخرج عنه وتركه له؛ فبات فيه إسماعيل المذكور؛ فدخل عليه أولئك القوم فتولوه بالحديد حتى برد. فلما أصبحوا ورأوا أنهم لم يصيبوا عبد المؤمن؛ فروا بأنفسهم حتى أتوا مراكش وراموا القيام بها؛ فأتوا البوابين الذين على القصور فطلبوا منهم المفاتيح، فأبوا عليهم؛ فضربوا عنق أحدهم وفر باقيهم؛ وكادوا يغلبون على تلك القصور. ثم إن الناس اجتمعوا عليهم، من الجند وخاصة العبيد، فقاتلوهم قتالا شديدًا من لدن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ثم إن العبيد غلبوهم على أمرهم؛ ولم يزل الناس يتكاثرون عليهم إلى أن أُخذوا قبضًا باليد, فقُيدوا وجُعلوا في السجن إلى أن وصل أبو محمد
عبد المؤمن ﵀ إلى مراكش؛ فقتلهم صبرًا، وقتل معهم جماعة من أعيان هرغة، بلغه أنهم قادحون في ملكه, متربصون به.
ولما أصبح أبو إبراهيم إسماعيل المتقدم الذكر في الخباء مقتولا على الحال التي ذكرنا، أعظم ذلك عبد المؤمن ووجد عليه وجدًا مفرطًا أخرجه عن حد التماسك إلى حيز الجزع، فأمر بغسله وتكفينه، وصلى عليه بنفسه، ودُفن.
ولم يترك إسماعيل هذا من الولد سوى ولد واحد ذكر، اسمه يحيى. نال يحيى هذا في أيام أبي يوسف يعقوب جاهاً متسعاً ورتبة عالية، وكذلك في أيام أبي عبد الله محمد؛ كانت أكثر أمورهم ترجع إليه؛ لم يزل كذلك إلى أن مات في شهور سنة وترك بنتًا واحدة، تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، اسمها فاطمة، لا عقب له منها؛ طال عمرها، تركتها بالحياة حين فصلتُ عن مراكش في شهور سنة.
ولإسماعيل هذا مع ابن تومرت خبر يقرب مما قدمنا في النصح والتحذير، تلطف فيه إسماعيل غاية التلطف؛ وذلك أن ابن تومرت حين خرج من مراكش على الحال التي تقدمت من إخراج أمير المسلمين إياه عنها، سار حتى نزل الضيعة التي فيها أبو إبراهيم؛ فدخل المسجد، فاجتمع أهل الضيعة على باب المسجد ينظرون إلى ابن تومرت ويقول بعضهم لبعض همسًا: هذا الذي نفاه أمير المسلمين عن بلاده لإفساده عقول الناس؛ ونحو هذا القول؛ وهموا بقتله تقربًا بذلك إلى أمير المسلمين. فلما رأى ذلك أبو إبراهيم من أمرهم، تقدم إلى ابن تومرت فسأله عن إعراب هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. ففهم ابن تومرت ما أراد، وخرج عن تلك الضيعة، وعرف لأبي إبراهيم نصحه؛ ثم لحق به أبو إبراهيم هذا بعد ما اشتهر أمره بـ تينمل؛ فهو معدود في أهل الجماعة.
ولما قتل عبد المؤمن أولئك القوم الذين قدمنا ذكرهم صبرًا، هابه المصامدة وسائر أهل دولته، وعظم أمره في صدورهم.
وأقام عبد المؤمن بمراكش بقية سنة وسنة وسنة وفي أول سنة خرج أمره إلى الناس كافة بالغزو إلى بلاد الروم من جزيرة الأندلس. وكُتبت عنه
الكتب إلى سائر الجهات يستنفر الناس ويحضهم على الجهاد ويرغبهم فيه، فاجتمعت له جموع عظيمة. وخرج يقصد جزيرة الأندلس مظهرًا للغزو والاحتساب، ويتمم أيضًا مع ذلك ما بقي عليه من مملكتها مما بيد محمد بن سعد المتقدم الذكر. فسار بالجيوش حتى نزل مدينة سلا، فأقام بها ينتظر تكامل العساكر، فاعتل علته التي مات منها ﵀.
وفاة عبد المؤمن وعهده لولده
وكانت وفاته -كما تقدم- في السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، أعني: سنة.
وكان قد عهد في حياته إلى أكبر أولاده محمد، وبايعه الناس، وكتب ببيعته إلى البلاد؛ فأبى تمام هذا الأمر لمحمد هذا ما كان عليه من أمور لا تصلح معها الخلافة، من إدمان شرب الخمر، واختلال الرأي، وكثرة الطيش، وجبن النفس. ويقال: إنه مع هذا كان به ضَرْبٌ من الجُذام، فالله أعلم.
ولما مات عبد المؤمن، اضطرب أمر محمد هذا واخْتُلف عليه اختلافًا كثيرًا؛ فكانت ولايته إلى أن خلع خمسة وأربعين يومًا، واتفقوا على خلعه في شعبان من هذه السنة. وكان الذي سعى في خلعه -مع ما قدمنا من استحقاقه لذلك- أخواه يوسف, وعمر.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع