تجاوز إلى المحتوى

من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)

فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس

وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار المعتمد على الله، مع ما تعلق بها، وإن كانت مخرجة عن الغرض؛ لندل بها على ما قدمنا من ذكر فضله وغزارة أدبه وإيثاره لذلك؛ وأيضًا فليتصل نسق الأخبار عن المملكة، أعني: مملكة الأندلس إلى المرابطين أصحاب يوسف بن تاشفين, ولوجه ثالث: وهو أن ما آلت إليه حال المعتمد هذا من الخمول بعد النباهة, والضَّعة بعد الرفعة، والقبض بعد البسط، من جملة العبر التي أرتْنَاها الأيام، والمواعظ التي تصغر الدنيا في عيون أولي الأفهام.

ثم إن يوسف بن تاشفين استوسق له أمر الأندلس بعد القبض على المعتمد؛ إذ كان هو كبش كتيبتها، وعين أعيانها، وواسطة نظمها؛ فلم يزل أصحاب يوسف بن تاشفين يطوون تلك الممالك مملكة مملكة، إلى أن دانت لهم الجزيرة بأجمعها؛ فأظهروا في أول إمرتهم من النكاية في العدو، والدفاع عن المسلمين، وحماية الثغور، ما صدق بهم الظنون، وأثلج الصدور، وأقر العيون؛ فزاد حب أهل الأندلس لهم، واشتد خوف ملوك الروم منهم؛ ويوسف بن تاشفين في ذلك كله يمدهم في كل ساعة بالجيوش بعد الجيوش، والخيل إثر الخيل، ويقول في كل مجلس من مجالسه: إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم، لما رأينا استيلاءهم على أكثرها، وغفلة ملوكهم وإهمالهم للغزو وتواكلهم وتخاذلهم وإيثارهم الراحة؛ وإنما همة أحدهم كأس يشربها، وقَيْنة تُسمعه، ولهو

يقطع به أيامه. ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم في طول هذه الفتنة إلى المسلمين، ولأملأنها عليهم - يعني الروم- خيلاً ورجالاً لا عهد لهم بالدَّعة، ولا علم عندهم برخاء العيش؛ إنما هم أحدهم فرس يروضه ويستَفْرِهه، أو سلاح يستجيده، أو صريخ يلبي دعوته ... في أمثال لهذا القول. فيبلغ ذلك ملوك النصارى، فيزداد فَرَقُهم، ويقوى -مما بأيدي المسلمين، بل مما بأيديهم- يأسهم.

وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وأطاعته بأسرها ولم يختلف عليه شيء منها، عد من يومئذ في جملة الملوك، واستحق اسم السلطنة، وتسمَّى هو وأصحابه بـ المرابطين. وصار هو وابنه معدودين في أكابر الملوك؛ لأن جزيرة الأندلس هي حاضرة المغرب الأقصى، وأم قراه، ومعدن الفضائل منه. فعامة الفضلاء من أهل كل شأن منسوبون إليها، ومعدودون منها. فهي مطلع شمس العلوم وأقمارها، ومركز الفضائل وقطب مدارها؛ أعدل الأقاليم هواءًَ، وأصفاها جوًّا، وأعذبها ماءً، وأعطرها نبتًا، وأنداها ظلالًا، وأطيبها بُكرًا مستعذَبة وآصالاً:

أرض يطير فؤادي من قرارتهشوقًا لها ولمن فيها من الناسِ
قوم جنيت جَنَى وردٍ بذكرهمُفهل بلُقياهم أجني جنى آسِ؟

فانقطع إلى أمير المسلمين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله، حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم.

أعيان الكُتَّاب في دولة المرابطين

واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار؛ فممن كتب لأمير المسلمين يوسف: كاتب المعتمد على الله أبو بكر المعروف بابن القَصِيرة، أحد رجال الفصاحة، والحائز قصب السبق في البلاغة؛ كان على طريقة قدماء الكتاب، من إيثار جَزْل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أحدثها متأخرو الكتاب، اللهم إلا ما جاء في رسائله من

ذلك عفوًا من غير استدعاء. رأيت له عن المعتمد رسائل تدل على ما وصفته به، ليس على خاطري منها شيء.

وزارة ابن عبدون

ثم كتب له، أو لابنه، بعد أبي بكر هذا -الوزير الأجلّ أبو محمد عبد المجيد بن عبدون. قد تقدم من نعته ما أغنانا عن تكراره ههنا. وكان يكتب قبل من كتب له منهما، للأمير سِير بن أبي بكر بن تاشفين، وهو الذي دخل على المعتمد على الله إشبيلية، فلم يزل يكتب له إلى أن اتصل بأمير المسلمين، باستدعاء منه له.

فمن رسائله عنه إلى أمير المسلمين، رسالة يخبر بها بفتح مدينة شَنْتَرين أعادها الله؛ وكان سير هذا هو الذي تولى فتحها؛ فكتب عنه أبو محمد كتابًا:

أدام الله أمر أمير المسلمين، وناصر الدين، أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين، خافقة بنُصرة الدين أعلامه، نافذة في السبعة الأقاليم أقلامه، من داخل مدينة شنترين، وقد فتحها الله تعالى بحسن سيرتك، ويمن نَقِيبتك على المسلمين.

والحمد لله رب العالمين، حمدًا يستغرق الألفاظ الشارحة معناه، ويسبق الألحاظ الطامحة أدناه، لا يرد وجهه نُكوص، ولا يحد كُنْهَه تخصيص، ولا يحزِره بقبض ولا ببسط مثال ولا تخمين، ولا تحصره بخبط ولا بعَقْد شِمال ولا يمين، ولا يسعه أَمَدٌ يحويه، ولا يقطعه أبدٌ يستوفيه، ولا يجمعه عددٌ يُحصيه، إذا سبقت هواديه، لحقت تواليه.

وعلى محمد عبده وأمين وحيه، الصادع بأمره ونهيه، نظام الأمة، وإمام الأئمة، سر آدم من بنيه، وفخر العالم ومن فيه -صلاة تامة نقضيها، وتحية عامة نؤديها، تَرْفَضُّ ارفضاض الزهر من كمامه، وتنفضُّ انفضاض المسك من ختامه؛

فلقد صدع بتوحيده، وجمع على وعده ووعيده، وأوضح الحق وجلاه، ونصح الخلق وهداه، إلا من حقت عليه كلمة العذاب، وسبقت له الشقوة في أم الكتاب.

وأظهر العزيز -عزت أسماؤه، وجلت كبرياؤه- دينه على جميع الأديان، على رَغْم من الصلبان، ووَقْم من الأوثان؛ وأنجز لنا تعالى وعده، ونصرنا معه ﷺ وبعده، وجمع في هذه الجزيرة شمل الإسلام بعد انصرامه وانبتاته، وقطع غِيل الإشراك بعد انتصابه وثباته، وأنزل الذين كفروا من أهل الكتاب بأيدينا من صَيَاصيهم، نأخذ بأقدامهم ونواصيهم.

وكانت قلعة شنترين -أدام الله أمر أمير المسلمين- من أحصن المعاقل للمشركين، وأثبت المعاقل على المسلمين؛ فلم نزل بسعيك الذي اقتفيناه، وهديك الذي اكتفيناه، نَخْضد شوكتها، وننحت أَثْلَتها، ونتناولها عَلَلًا بعد نَهَل، ونطاولها عجلًا في مهل؛ نخرُف الحين بعد الحين سَرَاة رجالها، ونتطرف المرة بعد المرة حماة أبطالها، ونخوض غمار كفاحهم، وبحار صِفاحهم، إلى بسط أشباحهم، وقبض أرواحهم، ونُهدي للقَنا وصدورها رءوسهم، وإلى لظًى وسعيرها نفوسهم، وننقلهم من الشِّفار اليمانية، إلى النار الحامية، ونرفع بالجد والتشمير حجاب كيدهم الغامض، ونضعضع باستخارة القديم القدير هضاب أَيْدِهم الهائض. ولما رأينا هذه القلعة الشريفة المناسب في القلاع، المنيفة المناصب على البقاع، قد استشرى داؤها، وأعيا دواؤها، استخرنا الله تعالى على صَمْدها، وضرَعنا إليه في تسهيل قصدها؛ وسألناه ألا يكلنا إلى نفوسنا، وإن كانت في صيانة

ديانته مبذولة، وعلى المكروه والمحبوب في ذاته محمولة؛ فقصدنا إليها، وهجمنا هجوم الردى عليها، في وقت انسدت فيه أبواب السبل، وأعيت أهلها بحول الله وجوه الحِيَل، والدهر قد كشر عن أنيابه العُصْل، وقام من الوحول والسيول على أثبت رِجْل. فنزلنا بساحة القوم، فساء صباحهم ذلك اليوم؛ فلم نزل نصاولهم مصاولة المحتسب المؤتجر، ونطاولهم مطاولة المرتقب لأمر الله المنتظر، ونشن الغارات على جميع الجهات، فترد جيوشنا عليهم خفافًا وتصدر إلينا ثقالًا، فتملأ صدور الأعداء أوجالًا، وأيدي الأولياء أموالًا. وأمرنا بإقامة سوق سبيهم وأموالهم، على مرأًى ومسمَعٍ من نسائهم ورجالهم؛ فازدادت ريحهم بذلك ركودًا، ونارهم خمودًا.

ولما ضمهم لضيق ولَاجه الحصار، وغشيهم بتفريق أمواجه البوار، وأحاط بهم البلاء، واستشاط عليهم بغضب الجبار القضاء، ولم يكن لليل بأسائهم سحر يُتأمل، ولا لوِرْد ضرائهم صدر يُؤمل، اختاروا الدنية على المنية، ورضُوا بالاستسلام للعبودية، وإسلام الأهل والذرية، والسلامة من مدارج الكفن، وموالج الجَنن، ولو بجُريعة الذَّقَن. وكان القتل -كما قدمنا- قد أتى على صِيد أعيانهم، وصناديد فرسانهم، فلم تبق إلا شرذمة قليلة، وعُصبة ذليلة، لا تضر حياتهم مُوحِّدًا، ولا تسر نجاتهم مُلحدًا. نقلناهم من يمين المنون، إلى شمال الهُون، ومن أليم الحصار، إلى لئيم الإسار. وكانوا سألونا الإبقاء عليهم فأجبناهم، بعد أن قدموا من الخضوع صدقة بين يدي نجواهم، ووهبنا أولاهم لأخراهم، وجعلنا العفو عنهم تطريقًا لسواهم، ممن يتقيل صنيعهم إذا نحن غدًا بإذن الله حاصرناهم.

وهذه القلعة التي انتهينا إلى قرارها، واستولينا على أقطارها، أرحب المدن أمدًا للعيون، وأخصبها بلدًا في السنين، لا يريمها الخِصب ولا يتخطاها، ولا

يرومها الجدب ولا يتعاطاها؛ فروعها فوق الثريا شامخة، وعروقها تحت الثرى راسخة، تباهي بأزهارها نجوم السماء، وتناجي بأسرارها أذن الجوزاء، مواقع القطار في سواها مغبرَّة مربدَّة، وهي زاهرة تَرِفُّ أنداؤها، ومطالع الأنوار في حشاها مقشعرة مسودة، وهي ناضرة تَشِفُّ أضواؤها. وكانت في الزمن الغابر، أعيت على عظيم القياصر، فنازلها بأكثر من القَطْر عددًا، وحاولها بأوفر من البحر مددًا، فأبت على طاعته كل الإباء، واستعصت على استطاعته أشد الاستعصاء، ومردت مُرود مارد على الزَّبَّاء. فأمكننا الله تعالى من ذِرْوتها، وأنزل رُكابها لنا عن صهوتها.

ومن رسائله -الإخوانيات- رسالة كتب بها إلى أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال يخطب مودته، ويستدعي من إخائه جدته:

أنا مع عمادي الأعظم -أدام الله علوه- كعزيب طواه الجَهْد، وآواه من تِهامة وَهْد، وما له بريحها العقيم، ولا بحرها المقعد المقيم عهد. فرفضت به من سرابها المغرق وشرابها المحرق في حمَّام، فأشرف من ذلك الجحيم وضَرَمه، لولا تنفيس الرحيم عنه بكرمه, فوأل إلى ربوة من رباها، وسأل جبال فاران عن مهب صَباها؛ ليلتقط من أنفاسها بوساطة نجد، بردًا يهديه إلى حر الوجد؛ فحيته ببليل من نسيمها العليل، فأحيته بعد التعليل.

وأنا ما قصدت فيما خطبت به إليك لآخذ عليك بفضل الابتداء، وإنما سلكت سبيل الاقتداء، واتبعت دليل الاهتداء؛ وأردت أن أستنير بأضوائك، وأستثير من سمائك، نجومًا تهديني في غسق الظلام، أو رُجومًا تعديني على مسترق سمع الكلام. فإن سمح عمادي بالجواب ورَجْعه، غالبت -بما حصل منه لدي ووصل إلي- الحمام

في سجعه، والأنصار في حَسَّانها، والإعصار في نيسانها، وطيئًا في وليدها وحبيبها، وسعدًا في خالدها وشبيبها. وخرقت -بما أعار من مِراح وأثار من ارتياح- جيب مُخارق طربًا، ولم أدع لأبي العتاهية في المغرب وخفيفه المطرب أرَبًا، وطويت كشحًا عن أغاريد عبيد، وأضربت صفحًا عن أناشيد لبيد، وطالبت بلغاء العصر، بالمثل المضروب في جمل مصر، وقلت: هذه القارة فراموها وأنصفوا، وهذه الغاية فروموها أو نصفوا، وإن كانت تُؤَمُه البواهر منا أُنحلت في دَرْجي، ونجومه الزواهر ما حلت في بُرجي. وإن كفي من جنى ثماره لصِفر، وإن طرفي من سنا أقمارها لقَفْر. وإني بضنه علي بدُرة من بحره، أو نَفْثة من سحره، لبين ظنين، لم أحصل من تحقيقهما على أثر ولا عين، أحدهما قلت: إنه أجرى اسمي على خَلَده، فلم يجدني في أنداده ولا بلده، فقال: وما أنا وفلان، وهل هو إلا من الغرب، وإن كان بزعمه في الصميم من العُرْب، وهل الغرب في الأقطار، إلا كاللَّحق بين الأسطار. والآخر ربما يقول، ما لا تقبله العقول: إني لأنظر من فلان

بأحد من نظر الزَّرْقاء، إلى أجل من خطر العَنْقاء،؛ وينشد قول أبي العلاء بن سليمان، شاعر معرة النعمان:

أرى العنقاء تكبر أن تُصَادَا

وأنا أقسم بالربيع الممطر وائتلاف أوانه، والبقيع المزهر واختلاف ألوانه، والشباب ودولته، والمِضْراب وصولته، والمثاني إذا نُسقت، والقناني وما وَسَقَتْ، وإن أقسمت من بعضها بيمين، لا أتلقى رايتها بشمال ولا يمين -أن اسمي في البلغاء والفهماء، كاسم العنقاء في الأسماء: اسم ما وقع على مسمًّى، ولفظ ما دل على معنًى. فأين أقع مما تريد، وكتابى بين يدي حمدي أو عتابي بريد، ينفض تهائم ظنوني، أو ينقض تمائم جنوني. وله الرأي العالي في الجواب، على خطإ كنت من ظني أو صواب، إن شاء الله ﷿.

ومن سلامي، علي عمادي الأعظم وإمامي، أحفله وأحفده، وأجزله وأوفده؛ والسلام الأتم الأعم عليه ورحمة الله وبركاته.

فراجعه الوزير أبو عبد الله برسالة لم يكتب مثلها في بابها، أبدع فيها غاية الإبداع، وإن كان فيها بعض تكلف، تسمى هذه الرسالة: الحولية, منعني من إيرادها في هذا المرسوم ما فيها من الطول.

ولأبي محمد عبد المجيد المذكور إحسان قد اشتهر عندنا بتلك الأقطار شهرة الأمثال، وسار ذكره فيها سير الجنوب والشمال.

واتصلت حال أمير المسلمين يوسف -كما ذكرنا- في إيثار الغزو، وقمع ملوك الروم، والحرص على ما يعود بالمصلحة على جزيرة الأندلس، إلى أن توفي في شهور سنة.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.