من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
ملوك الطوائف
فأولهم في الربع الشرقي، رجل اسمه سليمان بن هود، تلقب بـ المؤتمن، وتلقب ابنه بـ المقتدر، وتلقب ابنه بـ المستعين.
كان بنو هود هؤلاء يملكون من مدن هذه الجهة الشرقية: طرطوشة وأعمالها، وسرقسطة وأعمالها، وأفراغة، ولاردة، وقلعة أيوب؛ هذه اليوم كلها بأيدي الإفرنج، يملكها صاحب بَرْشَنُونَة -لعنه الله- وهي البلاد التي تسمى أرْغُن، حد هذا الاسم آخر مملكة البرشنوني مما يلي بلاد إفرنسة.
ويجاور بنى هود هؤلاء رجل آخر اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، يكنى أبا مروان، قديم الرياسة، هو أحق ملوك الأندلس بالتقدم لشرف بيته، ولا أعلم له لقبًا، كان يملك بلنسية وأعمالها.
وكان يلى الثغر رجل آخر يقال له: أبو مروان بن رَزِين، كان يملك إلى أول أعمال طليطلة.
وكان الذي يملك طليطلة وأعمالها: الأمير أبو الحسن يحيى بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن مُطَرِّف بن موسى بن ذي النون.
وأبو الحسن هذا أقدم ملوك الأندلس رياسة وأشرفهم بيتًا وأحقهم بالتقدم، تلقب بـ المأمون؛ كان أبوه إسماعيل هو الذي تغلب على طليطلة من قبلُ واستبد بملكها أول الفتنة.
ولم يزل أبو الحسن هذا يملك طليطلة وأعمالها كما ذكرنا، إلى أن أخرجه عنها الأدفنشلعنه الله- واستولى عليها النصارى في شهور سنة، فهي قاعدة ملك النصارى إلى وقتنا هذا.
وكان يملك قرطبة وأعمالها إلى أول الثغر: جهور بن محمد بن جهور المتقدم ذكره ونسبه, إلى أن غلبه عليها صاحب طليطلة إسماعيل بن ذي النون والد أبي الحسن المذكور آنفًا.
وكان يملك إشبيلية وأعمالها: القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد
اللخمي، تغلب عليها بعد أن أخرج عنها القاسم بن حمود وابنيه محمدًا والحسن على ما سيأتي الإيماء إليه إن شاء الله ﷿.
وكان يملك مالقة والجزيرة وغرناطة وما إلى ذلك: البربر بنو بَرْزَال الصنهاجيون على ما قدمناه.
وتغلب على المرية وأعمالها زهير العامري الخادم، ثم ملكها بعده خيران العامري أيضًا الخادم، ثم تغلب عليها بعدهما أبو يحيى محمد بن مَعْن بن صُمَادح المتلقب بـ المعتصم؛ فلم يزل فيها إلى أن أخرجه عنها يوسف بن تاشُفين اللمتوني في شهور سنة.
وكان يملك دانية وأعمالها: مجاهد العامري، أصله رومي، مولى لأبي عامر محمد بن أبي عامر، ثم ملكها بعده ابنه علي بن مجاهد، وتقلب بـ الموفق، لا أعلم في المتغلبين على جهات الأندلس أصون منه نفسًا ولا أطهر عرضًا ولا أنقى ساحةً، كان لا يشرب الخمر ولا يقرب من يشربها، وكان مؤثرًا للعلوم الشرعية, مكرمًا لأهلها. توفي قبل فتنة المرابطين بيسير، لا أتحقق تاريخ وفاته.
وكان يملك الثغر الذي من الجهة المغربية من الأندلس وبعض المدن المجاورة للبحر الأعظم: ابن الأفطس المتلقب بـ المظفر، ذهب عني اسمه، ثم كان له ابن اسمه عمر، يكنى أبا محمد، تلقب بـ المتوكل على الله، كان يملك بطليوس وأعمالها، ويابرة، وشَنْتَرين، والأشبونة.
كان المظفر هذا أحرص الناس على جمع علوم الأدب خاصةً من النحو والشعر ونوادر الأخبار وعيون التاريخ، انتخب مما اجتمع له من ذلك كتابًا كبيرًا ترجمه باسمه، على نحو: الاختيارات للروحي، وعيون الأخبار لأبي محمد بن قُتَيبة؛
جاء هذا الكتاب في نحو من عشرة أجزاء ضخمة، وقفت على أكثره، ترجمته المُظفَّري.
وكان لابنه المتوكل قدم راسخة في صناعة النظم والنثر، مع شجاعة مفرطة وفروسية تامة، وكان لا يُغِبُّ الغزو ولا يشغله عنه شيء. واتصلت مملكته إلى أن قتله المرابطون أصحاب يوسف بن تاشفين، وقتلوا ولديه الفضل والعباس صبرًا؛ ضربوا أعناقهم في غرة سنة.
وكانت أيام بني المظفر بمغرب الأندلس أعيادًا ومواسم، وكانوا ملجأ لأهل الآداب، خلدت فيهم، ولهم قصائد شادت مآثرهم وأبقت على غابر الدهر حميد ذكرهم؛ وفيهم يقول الوزير الكاتب الأبرع ذو الوزارتين أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، من أهل مدينة يَابُرة، قصيدته الغراء، لا بل عقيلته العذراء, التي أزرت على الشعر، وزادت على السحر، وفعلت في الألباب فعل الخمر، فجلت عن أن تُسامَى، وأنفت من أن تُضاهَى؛ فقل لها النظير، وكثر إليها المشير، وتساوى في تفضيلها وتقديمها باقل وجرير؛ فلله هي من عقيلة خدر قربت بسهولتها حتى أطمعت؛ وبعدت حتى عزت فامتنعت؛ أوردتها في هذا المصنف وإن كان فيها طول مخرج عن الحد الذي رسمته؛ مخل بالتلخيص الذي شرطته؛ لصحة مبانيها، ورشاقة ألفاظها, وجودة معانيها، سلك فيها أبو محمد ﵀ طريقة لم يُسبق إليها، وورد شِرْعة لم يُزاحَم عليها؛ فلذلك قل مثلها لا بل عُدم، وعز نظيرها فما تُوهم ولا عُلم، وهي:
الدهر يَفجَع بعد العين بالأثرِفما البكاء على الأشباح والصورِ؟
أنهاك أنهاك, لا آلوك موعظةًعن نومةٍ بين ناب الليث والظُّفُرِ
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمةًوالبيض والسود مثل البيض والسمرِ
ولا هُوادةَ بين الرأس تأخذهيد الضِّراب وبين الصارم الذَّكَرِ
فلا تغرَّنْكَ من دنياك نومتهافما صناعة عينيها سوى السَّهَرِ
ما لليالي -أقال الله عَثْرَتنا-من الليالي وخانتْها يد الغِيَرِ
في كل حين لها في كل جارحةٍمنا جراح وإن زاغت عن النظرِ
تسر بالشيء, لكن كي تَغُرَّ بهكالأَيْم ثار إلى الجاني من الزَّهَرِ
كم دولةٍ وليت بالنصر خدمتهالم تبقِ منها -وسل ذكراك- من خبرِ
هَوَتْ بدارا وفَلَّتْ غَرْبَ قاتلهوكان عَضْبًا على الأملاك ذا أُثرِ
واسترجعت من بنى ساسان ما وهبتولم تدع لبنى يونانَ من أَثرِ
وألحقت أختها طَسْمًا، وعاد علىعاد وجُرْهُمَ منها ناقض المِرَرِ
وما أقالت ذوي الهيئات من يَمَنٍولا أجارت ذوي الغايات من مُضَرِ
ومزقت سبأً في كل قاصيةفما التقى رائح منهم بمبتكرِ
وأنفذت في كليب حكمها، ورمتمُهَلْهِلًا بين سمع الأرض والبصرِ
ولم ترد على الضِّلِّيل صحتهولا ثَنَتْ أسدًا عن ربها حُجُرِ
ودوخت آل ذبيان وإخوتهمْعبسًا، وغصت بني بدر على النهَرِ
وألحقت بعديٍّ بالعراق علىيد ابنه أحمر العينين والشعَرِ
وأهلكت أَبْرَويزًا بابنه ورمتبيزدَجُرْد إلى مرو فلم يَحُرِ
وبلغت يزدجرد الصين واختزلتعنه سوى الفرس جمع الترك والخَزَرِ
ولم ترد مواضي رستمٍ وقناذي حاجب عنه سعدًا في ابنة الغِيَرِ
يوم القليب بنو بدر فنُوا وسعىقليب بدر بمن فيه إلى سَقَرِ
ومزقت جعفرًا بالبيض واختلستمن غِيله حمزةَ الظلَّام للجُزُرِ
وأشرفت بخُبيب فوق فارعةٍوألصقت طلحة الفياض بالعَفَرِ
وخضبت شيب عثمان دمًا وخطتإلى الزبير ولم تستحي من عمرِ
ولا رعت لأبي اليقظان صحبتهولم تزوده إلا الضَّيْحَ في الغُمُرِ
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسنوأمكنت من حسين راحتي شَمِرِ
وليتها إذ فدت عَمْرًا بخارجةفدت عليًّا بمن شاءت من البشرِ
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسنٍأتت بمعضلة الألباب والفِكَرِ
فبعضنا قائل ما اغتاله أحدوبعضنا ساكت لم يؤت من حَصَرِ
وأردت ابن زياد بالحسين فلميَبُؤْ بشِسْع له قد طاح أو ظُفُرِ
وعممت بالظُّبى فَوْدَي أبي أنسٍولم ترد الرَّدَى عنه قنا زُفَرِ
وأنزلت مصعبًا من رأس شاهقةكانت بها مهجة المختار في وَزَرِ
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولاراعت عياذته بالبيت والحجرِ
وأعملت في لطيم الجن حيلتهاواستوسقت لأبي الذِّبَّان ذي البَخَرِ
ولم تدع لأبي الذبان قاضِبَهُليس اللطيم لها عمرو بمنتصرِ
وأحرقت شِلْوَ زيد بعدما احترقتعليه وَجْدًا قلوب الآي والسورِ
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولمتبقِ الخلافة بين الكأس والوترِ
حَبَابة حب رمان أتيح لهاوأحمر قطرته نفحة القطرِ
ولم تعد قُضبُ السفَّاح نائيةعن رأس مروان أو أشياعه الفُجُرِ
وأسبلت دمعة الروح الأمين علىدم بفخ لآل المصطفى هَدَرِ
وأشرقت جعفرًا والفضل ينظرهوالشيخ يحيى بِرِيقِ الصارم الذكرِ
وأخفرت في الأمين العهد، وانتدبتلجعفر بابنه والأعبُد الغُدرِ
وما وفَتْ بعهود المستعين ولابما تأكد للمعتز من مِرَرِ
وأوثقت في عُراها كل معتمدٍوأشرقت بقَذَاها كل مقتدرِ
وروعت كل مأمون ومؤتمنٍوأسلمت كل منصور ومنتصرِ
وأعثرت آل عباد لعًا لهمُبذيل زَبَّاءَ لم تنفِرْ من الذُّعُرِ
بني المظفر والأيام -لا نُزلتْ-مراحل، والورى منها على سفرِ
سُحْقًا ليومكم يومًا ولا حملتبمثله ليلة في غابر العمرِ
من للأسِرَّة، أو من للأعِنَّةِ، أومن للأسنة يهديها إلى الثُّغرِ
من للظبى وعوالي الخط قد عُقدتأطراف ألسنها بالعي والحصرِ
وطوقت بالمنايا السود بِيضَهُمْفاعجب لذاك وما منها سوى الذكرِ
من لليراعة أو من للبراعة أومن للسماحة أو للنفع والضررِ
أو دفع كارثة أو ردع آزفةٍأو قمع حادثةٍ تعيا على القدَرِ
وَيْبَ السماح وويب البأس لو سلماوحسرة الدين والدنيا على عُمَرِ
سقت ثَرَى الفضل والعباس هاميةٌتُعزى إليهم سماحًا لا إلى المطرِ
ثلاثةٌ ما رأى السَّعدان مثلهمُواخبر ولو عزَّزا في الحوت بالقمرِ
ثلاثةٌ ما ارتقى النَّسران حيث رَقُواوكل ما طار من نَسْرٍ ولم يَطِرِ
ثلاثةٌ كذوات الدهر منذ نأوْاعني، مضى الدهر لم يرْبع ولم يحُرِ
ومر من كل شيء فيه أطيبهحتى التمتع بالآصال والبُكَرِ
أين الجلال الذي غضت مهابتُهُقلوبنا وعيون الأنجم الزُّهُرِ
أين الإباء الذي أرسوْا قواعدَهُعلى دعائمَ من عز ومن ظَفَرِ
أين الوفاء الذي أصفوْا شرائعهفلم يرد أحد منها على كدرِ
كانوا رواسي أرض الله، منذ مضواعنها استطارت بمن فيها ولم تقرِ
كانوا مصابيحها فمُذْ خبوْا عثرتهذي الخليقة يا لله في سَدَرِ
كانوا شجَا الدهر فاستهوتهم خدعمنه بأحلام عاد في خُطا الحضرِ
وَيْلُمِّهِ من طَلُوب الثأر مدركهمنهم بأُسْد سَرَاة في الوغى صُبُرِ
من لي ولا من بهم إن أظلمت نُوَبٌولم يكن ليلها يفضي إلى سَحَرِ
من لي ولا من بهم إن عطلت سننوأُخفيت ألسن الآثار والسيرِ
من لي ولا من بهم إن أطبقت محنولم يكن وِرْدُها يدعو إلى صَدَرِ
على الفضائل إلا الصبر بعدهمسلام مرتقب للأجر منتظرِ
يرجو عسى وله في أختها أملوالدهر ذو عُقَبٍ شتى وذو غيرِ
قَرَّطتُ آذان من فيها بفاضخةعلى الحسان حصا الياقوت والدررِ
سيارة في أقاصي الأرض قاطعةشَقَاشِقًا هدرت في البدو والحضرِ
مطاعة الأمر في الألباب قاضيةمن المسامع ما لم يقض من وَطَرِ
وكان أبو محمد هذا يكتب للمتوكل على الله، ونمت حاله معه؛ وهو أحد كتاب المغرب، وممن جمع منهم فضيلتي الكتابة والشعر، على أنه مقل من النظم، لم يثبت به منه إلا يسير بالنسبة إلى غزارة آدابه ونباهة قدره. وسيمر من مختار رسائله في موضعه من هذا الكتاب ما يدل على ما وصفناه به.
حكى عن نفسه ﵀ أنه كان بين يدي مؤدبه، وسنه إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، فعن للمؤدب أن قال:
الشِّعْرُ خُطَّةُ خَسْفِ
وجعل يردد هذا القول. قال الوزير أبو محمد ﵀: فكتبت في لوحي مجيزًا له:
لكل طَالبِ عُرْفِ
ثم خطر لي بيت ثانٍ، وهو:
للشيخ عَيْبَة عيبٍوللفتى ظَرْفُ ظَرْفِ
قال: فنظر إليَّ المؤدب وقال: يا عبد المجيد، ما الذي تكتب؟ فأريته اللوح؛ فلما رآه لطمني وعرك أذني وقال: لا تشتغل بهذا! وكتب البيتين عنده.
ومن غزارة حفظه ﵀ ما حدث الوزير الأجل أبو بكر محمد ابن الوزير أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زُهْر بن عبد الملك بن زهروكان أبو بكر هذا قد مات عن سن عالية، نيف على الثمانين- قال:
بينا أنا قاعد في دهليز دارنا وعندي رجل ناسخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني فجاء الناسخ بالكراريس التي كتبها؛ فقلت له: أين الأصل الذي كتبت منه لأقابل معك به قال: ما أتيت به معي؛ فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل الدهليز علينا رجل بَذُّ الهيئة، عليه ثياب غليظة أكثرها صوف، وعلى رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان لها؛ فحسبته لما رأيته من بعض أهل البادية، فسلم وقعد وقال لي: يا بني، استأذن لي على الوزير أبي مروان؛ فقلت له: هو نائم؛ هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف؛ حملني على ذلك نزوة الصِّبا وما رأيت من خشونة هيئة الرجل. ثم سكت عني ساعة، وقال: ما هذا الكتاب الذي بأيديكما؟ فقلت له: ما سؤالك عنه؟ فقال: أحب أن أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب! فقلت: هو كتاب الأغاني؛ فقال: إلى أين بلغ الكاتب منه؟ قلت: بلغ موضع كذا، وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه، فقال: وما لكاتبك لا يكتب؟ قلت: طلبت منه الأصل الذي يكتب منه لأعارض به هذه الأوراق، فقال: لم أجئ به معي؛ فقال: يا بني، خذ كراريسك وعارض؛ قلت: بماذا؟ وأين الأصل؟ قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي؛ قال: فتبسمت من قوله، فلما رأى تبسمي قال: يا بني, أمسك علي؛ قال: فأمسكت عليه وجعل يقرأ، فوالله إن أخطأ واوًا ولا فاء؛ قرأ هكذا نحوًا من كراستين، ثم أخذت له في وسط السِّفْر وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء.
فاشتد عجبي، وقمت مسرعًا حتى دخلت على أبي, فأخبرته بالخبر ووصفت له
الرجل؛ فقام كما هو من فوره، وكان ملتفًّا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفُق على نفسه، وأنا بين يديه، وهو يوسعني لومًا، حتى ترامى على الرجل وعانقه، وجعل يقبل رأسه ويديه ويقول: يا مولاي اعذرني، فوالله ما أعملني هذا الجِلْفُ إلا الساعة؛ وجعل يسبني، والرجل يُخفِّض عليه ويقول: ما عرفني؛ وأبي يقول: هَبْهُ ما عرفك، فما عذره في حسن الأدب.
ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلًا؛ ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافيًا حتى بلغ الباب، وأمر بدابته التي يركبها فأسرجت، وحلف عليه ليركبنَّها ثم لا ترجع إليه أبدًا.
فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي عظمته هذا التعظيم؟ قال لي: اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب، هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، أيسر محفوظاته كتاب الأغاني؛ وما حفظه في ذكاء خاطره وجودة قريحته.
سمعت هذه الحكاية من أبي بكر بن زهر ﵀ حين دخلت عليه وقد وفد على مراكش لتجديد بيعة أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف في شهور سنة.
وأنشدني الوزير أبو بكر المذكور في هذا التاريخ لنفسه -بعد أن سألني عن اسمي وعن نسبي فتسميت وانتسبت، وتسمى لي هو ﵀, وانتسب من غير استدعاء، تواضعًا منه وشرف نفس وتهذيب خلق، قدس الله روحه وسامحه:
لاح المشيب على رأسي فقلت له:الشيب والعيب, لا والله ما اجتمعَا
يا ساقيَ الكأسِ لا تعدل إليَّ بهافقد هجرت الحُمَيَّا والحميم معَا!
وأنشدني ﵀ وقال: احفظ عني:
إني نظرت إلى المرآة إذ جُليتْفأنكرت مقلتاي كل ما رأتَا
رأيتُ فيها شُيَيْخًا لست أعرفهوكنت أعرف فيها قبل ذاك فتَى
هذا ما أنشدني لنفسه بلفظه ﵀. وله شعر كثير أجاد في أكثره. وأما الموشحات خاصة فهو الإمام المقدم فيها, وطريقته هي الغاية القصوى التي يجري كل من بعده إليها؛ هو آخر المجيدين في صناعتها، ولولا أن العادة لم تجر بإيراد
الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لأوردتُ له بعض ما بقي على خاطري من ذلك.
رجع القول إلى ملوك الطوائف
ثم رجع بنا القول إلى ذكر أحوال الأندلس؛ فهؤلاء الرؤساء الذين ذكرنا أسماءهم هم الذين ملكوا الأندلس بعد الفتنة وضبطوا نواحيها؛ واستبد كل رئيس منهم بتدبير ما تغلب عليه من الجهات، وانقطعت الدعوة للخلافة وذكر اسمها على المنابر؛ فلم يذكر خليفة أموي ولا هاشمي بقطر من أقطار الأندلس، خلا أيام يسيرة دعي فيها لهشام المؤيد بن الحكم المستنصر بمدينة إشبيلية وأعمالها، حسبما اقتضته الحيلة واضطر إليه التدبير، ثم انقطع ذلك حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالي، فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا بن دارا.
ولم يزالوا كذلك وأحوال الأندلس تضعف وثغورها تختل، ومجاوروها من الروم تشتد أطماعهم ويقوى تشوفهم؛ إلى أن جمع الله الكلمة، ورَأَب الصدع، ونَظَم الشمل، وحسم الخلاف، وأعز الدين، وأعلى كلمة الإسلام، وقطع طمع العدو، بيمن نقيبة أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني ﵀. ثم استمر على ذلك ابنه علي، وأعادا إلى الأندلس معهود أمنها وسالف نضارة عيشها؛ فكانت الأندلس في أيامهما حرمًا آمنًا. وأول دعاء دعي للخلافة العباسية -أبقاها الله- على منابر الأندلس في أيامهما. ولم تزل الدعوة العباسية وذكر خلفائها على منابر الأندلس والمغرب إلى أن انقطعت بقيام ابن تُومَرْت مع المصامدة في بلاد السُّوس، على ما يأتي بيانه إن شاء الله ﷿.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع