من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
فصل في ملك بني عَبَّاد بإشْبِيلِيَّة
الصفحة ١ من ٢
وإذ ذكرنا أحوال ملوك الأندلس المتغلبين عليها بعد الفتنة على ما شرطنا من الإجمال، فلنرجع إلى ذكر مملكة إشبيلية خصوصًا من جزيرة الأندلس، وذكر من ملكها, فبذلك يتصل نسق الأخبار عما نريده، ويتطرق لنا القول فيما نقصده؛ لأن ملك إشبيلية هو كان السبب في دخول يوسف بن تاشفين مع المرابطين الأندلس، على ما سيذكر إن شاء الله تعالى، فنقول:
أما أحوال إشبيلية فإنها كانت في طاعة الفاطميين، أعني: علي بن حمود، والقاسم بن حمود، ويحيى بن علي بن حمود، أيام كان الأمر دائرًا بينهم على ما تقدم ذكره؛ فلما زحف يحيى بن علي بالبرابر إلى قرطبة، وهرب القاسم بن حمود منها وقصد إشبيلية -وقد كان ابناه محمد والحسن مقيمين بها-اجتمع أمر أهل إشبيلية واتفق رأيهم على إخراج محمد والحسن عنها قبل وصول القاسم أبيهما؛ فأخرجوهما. وجاء القاسم فمنعوه دخول البلد أيضًا، واتفقوا على تقديم رجل منهم يرجع إليه أمرهم وتجتمع به كلمتهم؛ فتوارد اختيارهم بعد مَخْض الرأي وتنقيح التدبير، على القاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي؛ لما كانوا يعلمونه من حصافة عقله، وسعة صدره، وعلو همته، وحسن تدبيره؛ فعرضوا عليه ما رأوه من ذلك، فتهيب الاستبداد، وخاف عاقبة الانفراد أولًا، وأبى ذلك إلا على أن يختاروا له من أنفسهم رجالًا سماهم؛ لكي يكونوا له أعوانًا ووزراء وشركاء، ولا يقطع أمرًا دونهم، ولا يحدث حدثًا إلا بمشورتهم -وهؤلاء المسمون هم: الوزير أبو بكر محمد بن الحسن الزُّبَيْدي، ومحمد بن يريم الألهاني، وأبو الأصبغ عيسى بن حجاج الحضرمي، وأبو محمد عبد الله بن علي الهوزني، في رجال آخرين ذهبت عني أسماؤهم إلا أني أعرف قبائلهم وبيوتهم- ففعلوا ذلك وأجابوه إلى ما أراد. ولم يزل يدبر أمر إشبيلية, وهؤلاء المذكورون وزراؤه.
وكان له من الولد إسماعيل، وهو الأكبر، يُكنى أبا الوليد؛ وعباد, يكنى أبا عمرو؛ فأما إسماعيل فخرج إلى لقاء البربر بعد أن حدث لأبيه أمل في التغلب على ما كان البربر يملكونه من الحصون القريبة من إشبيلية، بعسكر من جند إشبيلية، فالتقى هو وصاحب صنهاجة؛ فأسلمت إسماعيلَ عساكرُه، وكان أول قتيل، وقطع رأسه وسِير به إلى مالقة، إلى إدريس بن علي الفاطمي، كما تقدم.
وبقي الأمر كذلك، والقاضي أبو القاسم يدبر الأمور أحسن تدبير، وكان صالحًا مصلحًا، إلى أن مات في شهور سنة.
ولاية المعتضد بالله العبادي
ثم ولي ما كان يليه بعده من أمور إشبيلية وأعمالها، ابنه أبو عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد، فجرى على سَنن أبيه في إيثار الإصلاح وحسن التدبير وبسط العدل، مدة يسيرة. ثم بدا له أن يستبد بالأمور وحده؛ وكان شهمًا صارمًا حديد القلب شجاع النفس بعيد الهمة ذا دهاء، وواتته مع هذا المقادير؛ فلم يزل يعمل في قطع هؤلاء الوزراء واحدًا واحدًا، فمنهم من قتله صبرًا، ومنهم من نفاه عن البلاد، ومنهم من أماته خمولًا وفقرًا، إلى أن تم له ما أراده من الاستبداد بالأمر، وتلقب بـ المعتضد بالله.
وقيل: إنه ادعى أنه وقع إليه هشام المؤيد بالله، ابن الحكم المستنصر بالله؛ وكان الذي حمله على تدبير هذه الحيلة ما رآه من اضطراب أهل إشبيلية، وخاف قيام العامة عليه؛ لأنهم سمعوا بظهور من ظهر من أمراء بني أمية بقرطبة، كالمستظهر، والمستكفي، والمعتد؛ فاستقبحوا بقاءهم بغير خليفة. وبلغه أنهم يطلبون من أولاد بني أمية من يقيمونه؛ فادعى ما ادعاه من ذلك، وذكر أن هشامًا عنده بقصره، وشهد له خواص من حشمه، وأنه في صورة الحاجب له المنفذ لأموره؛ وأمر بالدعاء له على المنابر. فاستمر ذلك من أمره سنين، إلى أن أظهر موته ونعاه إلى رعيته في سنة, واستظهر بعهدٍ عَهِدَه له هشام المذكور فيما زعم، وأنه الأمير بعده على جميع جزيرة الأندلس.
ولم يزل المعتضد هذا يدوخ الممالك وتدين له الملوك من جميع أقطار الأندلس، وكان قد اتخذ خُشبًا في ساحة قصره جللها برءوس الملوك والرؤساء
عوضًا عن الأشجار التي تكون في القصور؛ وكان يقول: في مثل هذا البستان فليتنزه.
وجملة أمر هذا الرجل أنه كان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب وحدة نفس؛ كانوا يشبهونه بأبي جعفر المنصور من ملوك بني العباس؛ كان قد استوى في مخافته ومهابته القريب والبعيد، لا سيما منذ قتل ابنه وأكبر ولده المرشح لولاية عهده صبرًا. وكان سبب ذلك أن ولده المذكور -وكان اسمه إسماعيل- كان يبلغه عنه أخبار مضمونها استطالة حياته وتمني وفاته، فيتغاضى المعتضد ويتغافل تغافل الوالد، إلى أن أدى ذلك التغافل إلى أن سكر إسماعيل المذكور ليلة وتسور سور القصر الذي فيه أبوه، في عُبْدان وأراذل معه، ورام الفتك بأبيه؛ فانتبه البوابون والحرس، فهرب أصحاب إسماعيل، وأخذ بعضهم فأقر وأخبر بالكائنة على وجهها؛ وقيل: إن إسماعيل لم يكن معهم وإنما بعثهم على ذلك، وجعل لمن قتل أباه المعتضد جُعْلًا سَنِيًّا، فالله أعلم. فقبض المعتضد على ابنه إسماعيل هذا واستصفى أمواله وضرب عنقه؛ فلم يبق أحد من خاصته إلا هابه من حينئذ.
وبلغني أنه قتل رجلًا أعمى بمكة كان يدعو عليه بها؛ كان هذا الرجل من بادية إشبيلية؛ كان المعتضد قد وضع يده على بعض مال لهذا الرجل الأعمى، وذهب باقي ماله حتى افتقر، ورحل إلى مكة، فلم يزل يدعو على المعتضد بها إلى أن بلغه عنه ذلك، فاستدعى بعض من يريد الحج وناوله حُقًّا فيه دنانير مطلية بالسم، وقال: لا تفتح هذا حتى تدفعه إلى فلان الأعمى بمكة؛ وسلم عليه عنا! فاتفق أن سلم الرجل ومعه الحق، فحين وصل مكة لقي الأعمى ودفع إليه الحق، وقال: هذا من عند المعتضد؛ فأنكر ذلك الأعمى، وقال: كيف يظلمني بإشبيلية ويتصدق عليَّ بالحجاز؟ فلم يزل الرجل يخفضه إلى أن سكن وأخذ الحق، فكان أول شيء فعله أن فتح الحق وعمد إلى دينار من تلك الدنانير فوضعه في فمه، وجعل يقلب سائرها بيده، إلى أن تمكن منه السم، فما جاء الليل حتى مات؛ فاعجب لرجل بقاصية المغرب يعتني بقتل رجل بالحجاز!.
وقتل على هذه الصورة رجلًا من المؤذنين من أهل إشبيلية؛ فر منه إلى طليطلة، فكان يدعو عليه بها في الأسحار، مقدرًا أنه قد أمن غائلته إذ صار في مملكة غيره. فلم يزل يعمل فيه الحيلة إلى أن بعث من قتله فجاءه برأسه.
وكان أكبر من يناويه من المتغلبين المجاورين له وأشدهم عليه: البربر في صنهاجة، وبنو برزال الذين بقرمونة وأعمالها من نواحي إشبيلية؛ فلم يزل يصرف
الحيلة تارة ويجهز الجيوش أخرى إلى أن استنزلهم؛ ففرق كلمتهم وشتت منتظم أمرهم، ونفاهم عن جميع تلك البلاد وصفت له أموره.
كان له عَيْنٌ بقرمونة يكتب له بأخبار البربر؛ بلغ من لطف حيلة المعتضد, وقد أراد أن يكتب إلى ذلك الرجل الذي جعله عينًا له بقرمونة كتابًا في بعض أمره، أن استدعى رجلًا من بادية إشبيلية شديد البله كثير الغفلة، وقال له: اخلع ثيابك؛ وألبسه جبة جعل في جيبها كتابًا وخاط عليه، وقال له: اخرج إلى قرمونة، فإذا وصلت بقربها فاجمع حُزمة حطب وادخل بها البلد وقف حيث يقف أصحاب الحطب، ولا تبعها إلا لمن يشتريها منك بخمسة دراهم؛ وكان قد قرر هذا كله مع صاحبه الذي بقرمونة؛ فخرج البدوي كما أمره المعتضد، فلما قرب من قرمونة جمع حزمة من الحطب، ولم يكن قبل هذا يعاني جمعه؛ فجمع حزمة صغيرة ودخل بها البلد، ووقف في موقف الحطابين، فجعل الناس يمرون عليه ويسومون منه حزمته، فإذا قال: لا أبيعها إلا بخمسة دراهم، ضحك من يسمع هذا القول منه ومر عنه؛ فلم يزل كذلك إلى أن أجنه الليل والناس يسخرون منه، فبعضهم يقول: هذا آبِنُوس! ويقول الآخر: لا بل هو عود هندي! وما أشبه هذا؛ حتى مر به صاحب المعتضد، فقال له: بكم تبيع حزمتك هذه؟ فقال: بخمسة دراهم! فقال: قد اشتريتها فاحملها إلى البيت؛ فقام يحملها والرجل بين يديه حتى بلغ بيته، فوضع الحزمة ودفع إليه الخمسة الدراهم. فلما أخذها وهم بالانصراف قال له: أين تريد في هذا الوقت وقد علمت خوف الطريق؟ فبت الليلة عندي، فإذا أصبحت رجعت إلى منزلك؛ فأجابه؛ فأدخله إلى بيت وقدم له طعامًا، وسأله كأنه لا يعرفه: من أين أنت؟ فقال: أنا من بادية إشبيلية؛ قال: يا أخي، ما الذي جاء بك إلى هذا الموضع وقد علمت نكد البربر وشؤمهم وهوان الدماء عليهم؟! فقال: حملتني على هذا الحاجة! ولم يظهر له أن المعتضد أرسله؛ فلم يزل الرجل يحادثه إلى أن أخذه النوم، فلما رأى غلبة النوم عليه قال له: تجرد من ثوبك هذا فهو أهنأ لنومك وأروح لجسمك! فتجرد الرجل ونام، وأخذ صاحب المعتضد الجبة ففتق جيبها، واستخرج الكتاب فقرأه وكتب جوابه، وجعله في جيب الجبة وخاط عليه كما كان؛ فلما أصبح الرجل لبس جبته، ورجع إلى إشبيلية وقصد باب دار الإمارة واستأذن، فأُدخل على المعتضد، فقال له: اخلع تلك الجبة؛ وكساه ثيابًا حسانًا فرح بها البدوي، وخرج من عنده فرحًا يرى أنه قد خلع عليه؛ ولم يعلم فيم ذهب ولا بم جاء! وأخذ المعتضد الكتاب من جيب الجبة فقرأه وتمم ما أراد من أمره.
وله في تدبير ملكه وإحكام أمره حيل وآراء عجيبة لم يسبق إلى أكثرها، يطول تعدادها ويخرج عن حد التلخيص بسطها.
ولما قتل ابنه إسماعيل -كما تقدم- وكان لقبه المؤيد، عهد بعده إلى ابنه أبي القاسم محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد، ولقبه بـ المعتمد على الله؛ فحسنت سيرة أبي القاسم هذا في حياة أبيه وبعد وفاته.
أولية المرابطين في مَرَّاكُش
وفي إمارة المعتضد بالله هذا نزل لمتونة ومسوفة -قبيلتان عظيمتان من البربر- رحبة مراكش؛ فتخيروها دار ملكهم لتوسطها البلاد. وكانت إذ نزلوها غَيْضَة لا عمران بها، وإنما سميت بعبد أسود كان يستوطنها يخيف الطريق, اسمه مراكش. فاستوطنها البربر كما ذكرنا، وقدموا عليهم رجلًا منهم اسمه تاشُفين بن يوسف.
وكان المعتضد في كل وقت يستطلع أخبار العُدوة؛ هل نزل البربر رحبة مراكش؟ وذلك لما كان يراه في ملحمة كانت عنده أن هؤلاء القوم خالعوه أو خالعو ولده ومخرجوه من ملكه؛ فلما بلغه نزولهم جمع ولده وجعل ينظر إليهم مصعدًا ومصوبًا ويقول: يا ليت شعري من تناله معرة هؤلاء القوم، أنا أو أنتم؟ فقال له أبو القاسم من بينهم: جعلني الله فداك, وأنزل بي كل مكروه يريد أن ينزله بك! فكانت دعوة وافقت المقدار.
وكان نزول لمتونة ومسوفة قبيلتي المرابطين رحبة مراكش، في صدر سنة، وانفصالهم عنها جملة واحدة في وسط سنة؛ فكانت مدة إقامتهم في الملك منذ نزلوا رحبة مراكش إلى أن انفصلوا عنها وأخرجهم عنها المصامدة، نحوًا من ست وسبعين سنة.
ثم توفي المعتضد بالله في شهر رجب من سنة، واختُلف في سبب وفاته، فقيل: إن ملك الروم سمه في ثياب أرسل بها إليه, وقيل: إنه مات حتف أنفه, فالله أعلم.
ولاية أبي القاسم بن عباد المعتمد على الله
ثم قام بالأمر من بعده, ابنه أبو القاسم محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد؛ وزاد إلى المعتمد على الله: الظافر بحول الله. وكان المعتمد هذا يشبه بهارون الواثق بالله من ملوك بني العباس، ذكاء نفس وغزارة أدب. وكان
شعره كأنه الحُلل المنشرة. واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك الأندلس. وكان مقتصرًا من العلوم على علم الأدب وما يتعلق به وينضم إليه. وكان فيه مع هذا من الفضائل الذاتية ما لا يحصى، كالشجاعة والسخاء والحياء والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة. وفي الجملة فلا أعلم خصلة تحمد في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها بأوفى سهم. وإذا عُدَّت حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت؛ فالمعتمد هذا أحدها، بل أكبرها.
ولي أمر إشبيلية بعد أبيه، وله سبع وثلاثون سنة. واتفقت له المحنة الكبرى بخلعه وإخراجه عن ملكه في شهر رجب الكائن في سنة؛ فكانت مدة ولايته إلى أن خُلع وأُسر عشرين سنة؛ كانت له في أضعافها مآثر أعيا على غيره جمعها في مائة سنة أو أكثر منها. وكانت له ﵀ همة في تخليد الثناء وإبقاء الحمد.
عبد الجليل بن وَهْبُون الشاعر
كان من جملة شعرائه رجل من أهل مدينة مُرْسِية اسمه عبد الجليل بن وهبون، كان حسن الشعر, لطيف المأخذ, حسن التوصل إلى دقيق المعاني؛ أنشد يومًا بين يدي المعتمد ﵀ بعضُ الحاضرين بيتين لعبد الجليل بن وهبون هذا, قالهما قديمًا قبل وصوله إلى المعتمد، وهما:
قل الوفاء, فما تلقاه في أحدٍولا يمر لمخلوقٍ على بالِ
وصار عندهم عنقاء مُغْرِبةًأو مثل ما حدثوا عن ألف مثقالِ!
فأُعجب المعتمد بهما وقال: لمن هذان البيتان؟ فقالوا: هما لعبد الجليل بن وهبون أحد خدم مولانا! فقال المعتمد عند ذلك: هذا والله اللؤم البحْت؛ رجل من خدامنا والمنقطعين إلينا يقول: أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال! وهل يتحدث أحد عنا بأسوأ من هذه الأحدوثة؟ وأمر له بألف مثقال. فلما دخل عليه يتشكر له قال له: يا
أبا محمد، هل عاد الخبر عِيانًا؟ قال: إي والله يا مولاي؛ ودعا له بطول البقاء؛ فلما هم بالانصراف قال له: يا عبد الجليل، الآن حدِّث بها لا عنها، يعني: ألف مثقال.
وله -رحمه اللهشعر كثير بَرَّز في أكثره وأجاد ما أراد، وسيمر منه في أضعاف أخباره ما يشهد له بالتبريز، عند ذوي التمييز؛ فمما اختاره من شعره قوله:
عَلِّل فؤادك قد أَبَلَّ عليلُواغنم حياتك فالبقاء قليلُ
لو أن عمرك ألف عام كاملما كان حقًّا أن يقال طويلُ
أكذا يقود بك الأسى نحو الردىوالعود عود والشَّمول شَمولُ
لا يستبيكَ الهم نفسك عَنْوَةًوالكأس سيف في يديك صقيلُ
بالعقل تزدحم الهموم على الحشافالعقل عندي أن تزول عقولُ!
ومن شعره السيار، لا بل الطيار، قوله في مملوك له صغير كان يتصرف بين يديه، أهداه له صاحب طليطلة؛ اسم المملوك سيف:
سموه سيفًا وفي عينيه سيفانِهذا لقتلي مسلولٌ وَهَذانِ
أما كفت قَتلة بالسيف واحدةحتى أتيح من الأجفان ثنتانِ
أسرته وثناني غُنْجُ مُقْلَتهأسيره، فكلانا آسر عانِي
يا سيف, أمسك بمعروف أسير هوًىلا يبتغي منك تسريحًا بإحسانِ!
ومن شعره الرشيق المليح, الخفيف الروح، الذي حكى الماء سلاسة والصخر ملاسة، قوله في هذا المملوك وقد عذّر:
تم له الحسن بالعِذَارِواقترن الليل بالنهارِ
أخضر في أبيض تبدىذلك آسي وذا بَهَارِي
فقد حوى مجلسي تمامًاإن كان من رِيقِه عُقَارِي
وبينا هو يومًا في قبة له يكتب شيئًا، أو يطالع، وعنده بعض كرائمه، فدخلت عليه الشمس من بعض الكُوَى الكائنة فيها، فقامت دونه تستره من الشمس، فقال ﵀ بديهًا:
قامت لتحجبَ ضوء الشمس قامتهاعن ناظري، حُجبَتْ عن ناظر الغيرِ
علمًا لعمرك منها أنها قمرٌئهل تكسفُ الشمسَ إلا صورة القمر!
وبينا جارية من كرائمه قائمة على رأسه تسقيه والكأس في يدها، إذ لمع البرق فارتاعت؛ فقال ﵀ بديهًا:
رِيعَتْ منَ البرقِ وفي كفهابرْق من القهوة لمَّاع
عجبتُ منها وهي شمس الضحىكيف من الأنوار ترتاع!
وله مع هذا مقاطع حسان كان يرتجلها في مجالس أنسه، ولاستدعاء خاصة جلسائه، منعني من استيفائها قلة ما على خاطري منها.
وسيمر من شعره الذي قاله في أيام محنته ما يفجر الصُّمَّ، ويزعزع الشُّمَّ. وكان لا يستوزر وزيرًا إلا أن يكون أديبًا شاعرًا حسن الأدوات، فاجتمع له من الوزراء الشعراء ما لم يجتمع لأحد قبله.
أبو الوليد بن زَيْدُون
فمن جملة وزرائه الوزير الأجلّ ذو الرياستين، أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن زيدون، ذو الأدب البارع، والشعر الرائع، أحد شعراء الأندلس المجيدين
وفحولها المبرزين. كان إذا نسب أنساك كُثيِّرًا، وإذا مدح أزرى بزُهير، واذا فخر أناف على امرئ القيس؛ فمن جملة مقاطعه التي تشهد له بجودة الطبع وإتقان الصنعة قوله:
بيني وبينك ما لو شئتَ لم يضعسر إذا ذاعت الأسرار لم يَذِعِ
يا بائعًا حظه مني ولو بُذِلتْليَ الحياة بحظي منه لم أبعِ
يكفيك أنك إن حمَّلت قلبي مالا تستطيع قلوب الناس, يستطعِ
تِهْ أَحتملْ، واستطلْ أَصبرْ، وعِزَّ أهنْوولِّ أُقبلْ، وقلْ أَسمعْ، ومرْ أُطعْ!
وهو القائل ﵀ يخاطب بني جهور، وكان قد وزر لهم قبل وزارته للمعتمد؛ لأن أصله من مدينة قرطبة، فنالته منهم محنة، فخرج عن قرطبة إلى إشبيلية وافدًا على المعتمد، فعلت رتبته عنده؛ فكان يبلغه عن بني جهور ما يسوءه في نفسه وقرابته بقرطبة، فقال يخاطبهم:
بني جهور أحرقتمو بجفائكمفؤادي، فما بال المدائح تعبقُ
تعدونني كالعنبر الورد، إنماتفوح لكم أنفاسُه حين يُحرقُ
ومن نسيبه الذي يختلط بالروح رقة, ويمتزج بأجزاء الهواء لطافة، قصيدته التي قالها يتشوق ابنة المهدي: ولادة، وهي بقرطبة وهو بإشبيلية:
أضحى التنائي بديلًا من تدانيناوناب عن طِيب لقيانا تجافينَا
بِنْتُم وبِنَّا, فما ابتلت جوانحناشوقًا إليكم, ولا جفت مآقينِا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنايقضي علينا الأسى لولا تأسينَا
حالت لفقدكم أيامنا فغدتسُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينَا
إذ جانب العيش طَلْقٌ من تألفناومورد اللهو صافٍ من تصافينَا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانيةًقطوفها فجنينا منه ما شينَا
ليُسقَ عهدُكم عهدُ السرور فماكنتم لأرواحنا إلا رياحينَا
مَنْ مُبلِغ ملبسينا بانتزاحهمُحزنًا مع الدهر لا يبلى ويُبلينَا
أن الزمان الذي ما زال يضحكناأُنْسًا بقربهم قد عاد يُبكينَا!
غِيظ العِدَا من تساقينا الهوى فدعوْابأن نَغَصَّ فقال الدهر: آمينَا
فانحل ما كان معقودًا بأنفسناوانبت ما كان موصولًا بأيدينَا
وقد نكون وما يُخشى تفرقُنافاليوم نحن وما يُرجى تلاقينَا
ما حقنا أن تُقروا عين ذي حسدبنا، ولا أن تسروا كاشحًا فينَا
يا ليت شعري ولم نعتب أعاديَكمْهل نال حظًّا من العُتْبى أعادينَا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاءَ لكمرأيًا, ولم نتقلد غيره دينَا
كنا نرى اليأس تُسْلينا عوارضُهوقد يئسنا, فما لليأس يغرينا!
يا ساريَ البرق غادِ القصر فاسق بهمن كان صِرْف الهوى والود يسقينَا
واسأل هنالك هل عيني تُذكِّرنيإلفًا تذكُّره أمسى يُعنِّينَا
ويا نسيمَ الصَّبَا بلغ تحيتنامن لو على البعد حيًّا كان يُحْيينَا
من لا يرى الدهر يَقضينا مُساعَفَةًفيه, وإن لم يكن عنا يُقاضينَا
وبيت ملك كأن الله أنشأهمسكًا, وقد أنشأ الله الوَرَى طينَا
أو صاغه وَرِقًا محضًا وتَوَّجهمن ناصع التِّبْرِ إبداعًا وتحسينَا
إذا تأوَّد آدَته رفاهيةٌتُدمي العقول وأدمته البُرَى لِينَا
كأنما نبتت في صحن وَجْنَتهزُهْرُ الكواكب تعويذًا وتزيينَا
ما ضر أن لم نكن أكفاءَهُ شرفًاوفي المودة كافٍ من تكافينَا
ولا تحسَبوا نأيكم عنا يغيرناإذ طال ما غيَّر النأْيُ المحبينَا
والله ما طلبت أهواؤُنا بدلًامنكم ولا أنصرفت عنكم أمانينَا
ولا استفدنا خليلًا عنك يَشغَلناولا اتخذنا بديلًا منك يُسلينَا
يا روضةً طال ما أجنت لواحظناوردًا جناه الصِّبا غضًّا ونَسْرينَا
ويا حياةً تملَّأْنا بزهرتهامُنًى ضُروبًا ولذَّاتٍ أفانينَا
ويا نعيمًا حضرنا من غضارتهفي وَشْيِ نُعمى سحبنا ذيلها حينَا
لسنا نسميكِ إجلالًا وتَكْرمةًفقدرك المعتلي عن ذاك يُغنينَا
إذِ انفردتِ فما شُوركتِ في صفةفحسْبُكِ الوصف إيضاحًا وتبيينًا
يا جنةَ الخلدِ أُبدلنا بسَلْسلهاوالكوثرِ العذبِ زُقُّومًا وغِسْلِينَا
كأننا لم نبِتْ والوصل ثالثناوالسعد قد غض من أجفان واشينَا
سِرَّانِ في خاطر الظلماء يكتمناحتى يكاد لسان الصبح يُفشينَا
لا غَرْوَ في أن ذكرنا الحزن حين نهتعنه النُّهَى، وتركنا الصبر ناسينَا
أنَّا قرأنا الأسى يوم النوى سُورًامكتوبة وأخذنا الصبر تلقينَا
إن كان قد عز في الدنيا اللقاءُ ففيمواقف الحشر نلقاكم، ويكفينَا
أما هواك فلم نعدل بمَنْهلهشَرْبًا وإن كان يروينا فيُظمينَا
لم يخفَ أُفْقُ جمال أنت كوكبُهُسالين عنه، ولم نهجره قالينَا
ولا اختيارًا تجنَّبناك عن كَثَبٍلكن عدتنا على كره عوادينَا
نأسى عليك إذا حثت مُشَعْشَعةفيها الشَّمول وغنانا مغنينَا
لا أكؤس الراح تبدي من شمائلناسيما ارتياحٍ ولا الأوتار تلهينَا
دومي على العهد -ما دمنا- محافظةًفالحر من دان إنصافًا كما دينَا
فما ابتغينا خليلًا منك يحبسناولا استفدنا حبيبًا عنك يغنينَا
ولو صبا نحونا من عُلْوِ مطلعهبدر الدُّجَى لم يكن حاشاك يصبينَا
أولي وفاءً وإن لم تبذلي صلةفالذكر يقنعنا والطيف يكفينَا
وفي الجواب قناع لو شفعت بهبيض الأيادي التي ما زلت تُولينَا
عليكِ مني سلام الله ما بقيتْصَبابة منك تخفيها فتخفينَا
أوردتها على الاختيار لا على النسق، ولعل في كثير مما تركت منها أحسن مما أوردت، وإنما منعني من استيفائها الوفاء بشرط التلخيص.
ومن شعره ﵀، مما قاله في مدة صباه:
أخذت ثلث الهوى غصبًا ولي ثلثوللمحبين فيما بينهم ثلثُ
تالله لو حلف العشاق أنهموموتى من الوجد يوم البَيْنِ ما حنَثُوا
قوم إذا هجروا من بعد ما وصلواماتوا، فإن عاد من يهوَوْنه بُعِثُوا
ترى المحبين صرعى في عِرَاصهمكفتية الكهف ما يدرون ما لبثُوا
ومما قال ﵀ يتشوق ابنة المهدي المذكورة ومعاهده بقرطبة، وضمنها بيت أبي الطيب في أول قصيدته الكافورية:
بِمَ التعلل لا أهل ولا وطنولا نديم ولا كأس ولا سكنُ؟!
قصيدة أولها:
هل تذكرون غريبًا عاده شجنمن ذكركم وجفا أجفانه الوَسَنُ
يخفي لَوَاعِجَه والشوق يفضحهفقد تساوى لديه السر والعلنُ
يا ويلتاه! أيبقى في جوانحهفؤاده وهو بالأطلال مرتهنُ
وأرق العين والظلماء عاكفةوَرْقاء قد شفها، أو شفني، حزنُ
فبتُّ أشكو وتشكو فوق أَيْكَتهاوبات يهفو ارتياحًا بيننا الغُصُنُ
يا هل أجالس أقوامًا أحبهمكنا وكانوا على عهد فقد ضَغِنُوا
أو تحفظون عهودًا لا أضيعهاإن الكرام بحفظ العهد تُمتحنُ
ومنها:
إن كان عادكم عيد فرُبَّ فتًىبالشوق قد عاد من ذكراكم حَزَنُ
وأفردته الليالى من أَحِبَّتهفبات ينشدها مما جنى الزمنُ:
بم التعلل لا أهل ولا وطنولا نديم ولا كأس ولا سكن؟!
أبو بكر بن عَمَّار
ومنهم الوزير أبو بكر محمد بن عمار، ذو النفس العصامية، والآداب الأهتمية؛ كان أحد الشعراء المجيدين على طريقة أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي، وربما كان أحلى منزعًا منه في كثير من شعره. ولشعره ديوان يدور بين أيدي أهل الأندلس، ولم أُلْفِ أحدًا ممن أدركتْه سِنِّي من أهل الآداب الذين أخذت عنهم إلا رأيته مقدمًا له مؤثرًا لشعره، وربما تغالى بعضهم فشبهه بأبي الطيب، وهيهات!.
فمن قصائده المشهورة التي أجاد فيها ما أراد: قصيدته التي كتب بها من
سرقسطة حين فرق المعتضد بالله بينه وبين المعتمد -لأنه شغله عن كثير من أمره فنفاه- وهي:
عليَّ، وإلا ما بكاء الغمائموفيَّ، وإلا ما نياح الحمائمِ
وعني أثار الرعد صرخة طالبٍلثأر وهز البرق صفحة صارمِ
وما لبست زهر النجوم حِدَادهالغيري, ولا قامت له في مآتمِ
وفي هذه القصيدة يقول -يمدح المعتضد بالله-:
إذا ركِبوا فانظره أول طاعنٍوإن نزلوا فارصده آخرَ طاعمِ
أبى أن يراه الله إلا مقلدًاحَمِيلة سيفٍ أو حَمَالة غارمِ
ومن جيد نسيبه قوله في قصيدة يمدح بها المعتضد بالله:
جاه الهوى -فاستشعروه- عارهونعيمه -فاستعذبوه- أُوارُه
لا تطلبوا في الحب عزًّا إنماعُبدانه في حكمه أحرارُه
قالوا: أضربك الهوى فأجبتهميا حبذاه وحبذا إضرارُه
قلبي هو اختار السَّقام لجسمهزِيًّا، فخلوه وما يختارُه
عيرتموني بالنحول وإنماشرف المُهَنَّد أن ترق شِفارُه
وشمتم لفراق من آلفتُهُولربما حجب الهلال سِرارُه
أحسِبتم السُّلوان هب نسيمهأو أن ذاك النوم عاد غِرارُه
إن كان أعيا القلب من حرب الجَوَىخذلته من دمعى إذًا أنصارُه
من قدَّ قلبي إذ تثنى قدهوأقام عذري إذ أطل عذارُه
أم من طوى الصبح المنير نِقَابهوأحاط بالليل البَهيم خمارُه
غصنٌ ولكن النفوس رياضهرَشَأٌ, ولكن القلوب عَرَارُه
سخرت ببدر التِّمِّ غُرَّتُه كماأزرت على آفاقه أزرارُه
ما زال ليل الوصل من فَتَكاتهتَسري إليَّ بعَرْفِه أسحارُه
ويجود روض الحسن من وجناتهدمعي فيندى رَنْدُه وبَهَارُه
حتى سقاني الدهر كأس فِرَاقهفسكرتُ سُكرًا لا يفيق خُمَارُه
ووقفت في مثل المُحصَّب موقفًاللبَيْن من حب القلوب جِمَارُه
حيران أعمى الطَّرْف وهو سماؤهوأذاب فيه القلب وهو قرارُه
ولئن يُذِبْه وهو مثواه فكمقد أحرقت عود العفارة نارُه
إن يهنه أني أضعت لحبهقلبي وذاعت عنده أسرارُه
فليهن قلبي أن شكاه وشاحهلسواره فاقتص منه سوارُه!
فوحسنه لقد انتدبت لوصفهبالبخل لولا أن حِمْصًا دارُه
بلد رمتنى بالمُنى أغصانهوتفجرت لي بالندى أنهارُه
ولابن عمار هذا مع المعتمد أخبار عجيبة عُني بجمعها أهل الأندلس، وأنا إن
شاء الله مورد منها ما لا يخل بالشرط الذي التزمته، ولا يخرج عن الحد الذي رسمته، حسبما بقي على خاطري من ذلك؛ لأني كنت في حداثة سني قد صرفت عنايتي إلى أخبار ابن عمار هذا مع المعتمد، لما تضمنتْه من الآداب. وقد فتشت خِزانة حفظي فلم ألف فيها إلا نبذة يسيرة، وأنا موردها إن شاء الله ﷿.
فابن عمار هذا هو محمد بن عمار، يكنى أبا بكر، أصله من شِلْب، من قرية من أعمالها يقال لها شنبوس. مولده ومولد آبائه بها. كان خامل البيت ليس له ولا لأسلافه في الرياسة في قديم الدهر ولا حديثه حظ، ولا ذُكِرَ منهم بها أحد. ورد مدينة شلب طفلًا فنشأ بها، وتعلم علم الأدب على جماعة، منهم: أبو الحجاج يوسف بن عيسى الأعلم. ثم رحل إلى قرطبة فتأدب بها، ومهر في صناعة الشعر، فكان قُصَارَاهُ التكسب به، فلم يزل يجول في الأندلس مسترفدًا لا يخص بمدحه الملوك دون غيرهم، بل لا يبالي ممن أخذ ولا من استعطف من ملك أو سُوقة، وله في ذلك خبر ظريف:
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع