من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
فصل في ملك بني عَبَّاد بإشْبِيلِيَّة (٢)
الصفحة ١ من ٢
كتبت عنه في هذا السجن قصائد لو توسل بها إلى الدهر لنزع عن جوره، أو إلى الفلك لكف عن دَوْره؛ فكانت رُقًى لم تنجع، ودعوات لم تسمع، وتمائم لم تنفع، فمنها قوله:
سجاياك إن عافيتَ أندَى وأسجَحُوعذرك إن عاقبتَ أجلى وأوضحُ
وإن كان بين الخطتين مَزِيةفأنت إلى الأدنى من الله تجنحُ
حنانيك في أخذي برأيك، لا تطععِدَاي ولو أثنوا عليك وأفصحُوا
فإن رجائي أن عندك غير مايخوض عدوي اليوم فيه ويمرحُ
ولم لا وقد أسلفتُ وُدًّا وخدمةيَكُرَّان في ليل الخطايا فيصبحُ
وهبني وقد أعقبت أعمال مفسدأما تفسد الأعمال ثُمَّتَ تَصلُحُ
أقلني بما بيني وبينك من رضًاله نحو روح الله باب مُفتَّحُ
وعَفِّ على آثار جُرْم سلكتُهابهبَّة رُحْمى منك تمحو وتُمصِحُ
ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهمفكل إناء بالذي فيه يرشَحُ
سيأتيك في أمري حديث وقد أتىبزُور بني عبد العزيز موشحُ
وما ذاك إلا ما علمت فإننيإذا ثُبت لا أنفك آسو وأجرحُ
كأني بهم لا دَرَّ لله دَرُّهمأشاروا تجاهي بالشمات وصرحُوا
وقالوا: سيجزيه فلان بفعلهفقلت: وقد يعفو فلان ويصفحُ!
ألا إن بطشًا للمؤيد يرتميولكن حلمًا للمؤيد يرجَحُ
وماذا عسى الواشون أن يتزيدواسوى أن ذنبي واضح مُتصححُ؟!
نعم, لي ذنب غير أن لحلمهصَفاة يزل الذنب عنها فيسفحُ
عليه سلام كيف دار به الهوىإلي فيدنو أو علي فينزحُ
ويهنيه إن متُّ السُّلوُ فإننيأموت ولي شوق إليه مبرحُ
وبين ضلوعي من هواه تميمةستنفع لو أن الحمام يُجلّحُ
ولما بلغت المعتمد هذه القصيدة وأنشدت بين يديه، كان بحضرته رجل من البغداديين، فجعل يزري على هذا البيت: وبين ضلوعي ... ويقول: ما أراد بهذا المعنى؟ فكان من جواب المعتمد ﵀ أن قال: أما لئن سلبه الله المروءة والوفاء، لما أعدمه الفطنة والذكاء؛ إنما نظر إلى بيت الهذلي من طرف خفي، وهو:
وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيتَ كل تميمة لا تنفعُ!
ولم يزل ابن عمار هذا بسجن المعتمد، إلى أن قتله صبرًا في شهور سنة.
وتلخيص خبر قتله، أنه لما طال سجنه كتب إليه بالقصيدة التي تقدم إنشادها، فأدركت المعتمدَ بعضُ الرقة، فوجه إليه ليلًا وهو في بعض مجالس أنسه، فأتي به يرسف في قيوده، فجعل المعتمد يعدد مننه عليه وأياديه قِبَله، فلم يكن لابن عمار جواب ولا عذر، غير أنه أخذ في البكاء، وجعل يترقق للمعتمد ويمسح عِطْفيه ويستجلب من الألفاظ كل ما يقدر أنه يزرع له الرأفة في قلب المعتمد؛ فتم له بعض ما أراد من ذلك، وعطفت المعتمد عليه سابقته وقديم حرمته؛ فقال له قولًا يتضمن العفو عنه تعريضًا لا تصريحًا؛ وأمر برده إلى محبسه؛ فكتب ابن عمار من فوره بما دار له مع المعتمد إلى ابنه الراضي بالله، فوافاه الكتاب وبحضرته قوم كانت بينهم وبين ابن عمار إِحَن قديمة؛ فلما قرأ الراضي الكتاب قال لهم: ما أرى ابن عمار إلا سيتخلص؛ فقالوا له: ومن أين علم مولانا ذلك؟ فقال: هذا كتاب ابن عمار يخبرني فيه أن مولانا المعتمد قد وعده بالخلاص؛ فأظهر القوم الفرح وهم يبطنون غيره؛ فلما قاموا من مجلس الراضي نشروا حديث ابن عمار أقبح نشر، وزادوا فيه زيادات قبيحة صُنت هذا الكتاب عن ذكرها. فبلغ المعتمد ذلك، فأرسل إلى ابن عمار
وقال له: هل أخبرت أحدًا بما كان بيني وبينك البارحة؟ فأنكر ابن عمار كل الإنكار، فقال المعتمد للرسول: قل له: الورقتان اللتان استدعيتَهما، كتبت في إحداهما القصيدة، فما فعلتَ بالأخرى؟ فادعى أنه بيَّض فيها القصيدة؛ فقال المعتمد: هلم المسوَّدة! فلم يجد جوابًا، فخرج المعتمد حنِقًا وبيده الطبرزين حتى صعد الغرفة التي فيها ابن عمار، فلما رآه علم أنه قاتله، فجعل ابن عمار يزحف وقيوده تثقله، حتى انكب على قدمي المعتمد يقبلهما، والمعتمد لا يثنيه شيء؛ فعلاه بالطبرزين الذي في يده، ولم يزل يضربه به حتى بَرَد.
ورجع المعتمد فأمر بغسله وتكفينه، وصلى عليه ودفنه بالقصر المبارك. فهذا ما انتهى إلينا من خبر ابن عمار ملخَّصًا حسبما بقي على خاطري.
رجع الحديث عن بني عباد
ولم يزل المعتمد هذا في جميع مدة ولايته والأيام تساعده، والدهر على ما يريده يؤازره ويعاضده، إلى أن انتظم له في ملكه من بلاد الأندلس ما لم ينتظم لملك قبله، أعنى: من المتغلبين. ودخلت في طاعته مدن من مدائنها أعيت الملوك وأعجزتهم، وامتدت مملكته إلى أن بلغت مدينة مرسية، وهي التي تعرف بـ تدمير، بينها وبين إشبيلية نحو من اثنتي عشرة مرحلة، وفي خلال ذلك مدن متسعة وقرًى ضخمة.
وكان تغلبه على قرطبة، وإخراجه ابن عكَّاشة منها يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر سنة. ثم رجع إلى إشبيلية واستخلف عليها ولده عبادًا ولقبه بـ المأمون، وهو أكبر ولده، ولد له في حياة أبيه المعتضد، وسماه عبادًا، فكان المعتضد يضمه إليه ويقول: يا عباد، يا ليت شعري من المقتول بقرطبة، أنا أو أنت؟ فكان المقتولَ بها عبادٌ هذا في حياة أبيه المعتمد، وفي السنة التي زال عنهم الملك فيها.
أول أمر المرابطين بالأندلس
ولما كانت سنة جاز المعتمد على الله البحر قاصدًا مدينة مراكش إلى يوسف بن تاشفين، مستنصرًا به على الروم، فلقيه يوسف المذكور أحسن لقاء، وأنزله أكرم نُزُل، وسأله عن حاجته، فذكر أنه يريد غزو الروم، وأنه يريد إمداد أمير المسلمين إياه بخيل ورجال؛ ليستعين بهم في حربه. فأسرع أمير المسلمين المذكور
إجابته إلى ما دعاه إليه؛ وقال له: أنا أول منتدب لنصرة هذا الدين، ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا أنا بنفسي!.
فرجع المعتمد إلى الأندلس مسرورًا بإسعاف أمير المسلمين إياه في طِلْبَته، ولم يدر أن تدميره في تدبيره؛ وسل سيفًا يحسبه له ولم يدر أنه عليه؛ فكان كما قال أبو فراس:
إذا كان غير الله للمرء عُدةأتته الرَّزايا من وجوه الفوائدِ
كما جرت الحنفاء حَتْفَ حُذيفةوكان يراها عُدة للشدائدِ!
فأخذ أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في أهبة العبور إلى جزيرة الأندلس؛ وذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، فاستنفر من قدر على استنفاره من القواد وأعيان الجند ووجوه قبائل البربر؛ فاجتمع له نحو من سبعة آلاف فارس في عدد كثير من الرَّجل؛ فعبر البحر بعسكر ضخم، وكان عبوره من مدينة سبتة، فنزل المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وتلقاه المعتمد في وجوه أهل دولته، وأظهر من بره وإكرامه فوق ما كان يظنه أمير المسلمين، وقدم إليه من الهدايا والتحف والذخائر الملوكية ما لم يظنه يوسف عند ملك؛ فكان هذا أول ما أوقع في نفس يوسف التشوف إلى مملكة جزيرة الأندلس.
ثم إنه فصل عن الخضراء بجيوشه قاصدًا شرقي الأندلس، وسأله المعتمد دخول إشبيلية دار ملكه ليستريح فيها أيامًا حتى تزول عنه وعثاء السفر، ثم يقصد قصده، فأبى عليه وقال: إنما جئت ناويًا جهاد العدو، فحيثما كان العدو توجهت وجهه.
وكان الأدفنش -لعنه الله- محاصرًا لحصن من حصون المسلمين يعرف بحصن الليط؛ فلما بلغه عبور البربر أقلع عن الحصن راجعًا إلى بلاده, مستنفرًا عساكره ليلقى بهم البربر.
وتوجه يوسف المذكور إلى شرقي الأندلس يقصد ذلك الحصن المحاصر،
والإصلاح بين المعتمد على الله وبين رجل كان تغلب على مرسية يقال له: ابن رشيق -قد تقدم ذكره في أخبار ابن عمار- فأصلح بينهما يوسف أمير المسلمين، على أن يخرج له ابن رشيق عن مرسية، ويعوضه المعتمد عن ذلك مالًا جعله له، ويوليه في جهة إشبيلية ولاية؛ فأجابه ابن رشيق إلى ذلك؛ وتسلم المعتمد مرسية وأعمالها.
ولقي يوسف أمير المسلمين ملوك الأندلس الذين كان عليهم طريقه، كصاحب غرناطة، والمعتصم بن صُمادح صاحب المَريَّة، وابن عبد العزيز أبو بكر صاحب بَلَنْسية.
وقعة الزَّلَّاقة
ثم إن يوسف المذكور استعرض جنده على حصن الرقة؛ فرأى منهم ما يسره، فقال للمعتمد على الله: هلم ما جئنا له من الجهاد وقصد العدو؛ وجعل يظهر التأفف من الإقامة بجزيرة الأندلس، ويتشوق إلى مراكش، ويصغر قدر الأندلس، ويقول في أكثر أوقاته: كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيمًا قبل أن نراها، فلما رأيناها وقعت دون الوصف!, وهو في ذلك كله يُسر حَسْوًا في ارتغاء! فخرج المعتمد بين يديه قاصدًا مدينة طليطلة، واجتمع للمعتمد أيضًا جيش ضخم من أقطار الأندلس.
وانتدب الناس للجهاد من سائر الجهات، وأمد ملوك الجزيرة يوسف والمعتمد بما قدروا عليه من خيل ورجال وسلاح، فتكامل عدد المسلمين من المتطوعة والمرتزقة زُهاء عشرين ألفًا، والتقوا هم والعدو بأول بلاد الروم.
وكان الأدفنش -لعنه الله- قد استنفر الصغير والكبير، ولم يدع في أقاصي مملكته من يقدر على النهوض إلا استنهضه، وجاء يجر الشوك والشجر؛ وإنما كان مقصوده الأعظم قطع تشوف البرابرة عن جزيرة الأندلس، والتهيب عليهم. فأما ملوك الأندلس فلم يكن منهم أحد إلا يؤدي إليه الإتاوة، وهم كانوا أحقر في عينه, وأقل من أن يحتفل لهم!.
ولما تراءى الجمعان من المسلمين والنصارى، رأى يوسف وأصحابه أمرًا عظيمًا هالهم من كثرة عددٍ، وجودة سلاح وخيل، وظهور قوة؛ فقال للمعتمد: ما كنت أظن هذا الخنزير -لعنه الله- يبلغ هذا الحد!.
وجمع يوسف أصحابه وندب لهم من يعظهم ويذكرهم؛ فظهر منهم من صدق النية والحرص على الجهاد واستسهال الشهادة ما سر به يوسف والمسلمون.
وكان ترائيهم يوم الخميس، وهو الثاني عشر من شهر رمضان؛ فاختلفت الرسل بينهم في تقرير يوم الزحف ليستعد الفريقان؛ فكان من قول الأدفنش -لعنه الله-: الجمعة لكم، والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا وأكثر خدم العسكر منهم، فلا غنى بنا عنهم، والأحد لنا؛ فإذا كان يوم الاثنين كان ما نريده من الزحف. وقصد -لعنه الله- مخادعة المسلمين واغتيالهم، فلم يتم له ما قصد ...
فلما كان يوم الجمعة تأهب المسلمون لصلاة الجمعة ولا أمارة عندهم للقتال، وبنى يوسف بن تاشفين الأمر على أن الملوك لا تغدر؛ فخرج هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة؛ فأما المعتمد فإنه أخذ بالحزم، فركب هو وأصحابه شاكِّي السلاح، وقال لأمير المسلمين: صل في أصحابك؛ فهذا يوم ما تطيب نفسي فيه، وها أنا من ورائكم؛ وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين. فأخذ يوسف وأصحابه في الصلاة، فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصارى، وحمل الأدفنش -لعنه الله- في أصحابه؛ يظن أنه قد انتهز الفرصة؛ وإذا المعتمد وأصحابه من وراء الناس، فأغنى ذلك اليوم غَناء لم يشهد لأحد من قبله؛ وأخذ المرابطون سلاحهم فاستووا على متون الخيل، واختلط الفريقان؛ فأظهر يوسف بن تاشفين وأصحابه من الصبر وحسن البلاء والثبات ما لم يكن يحسبه المعتمد؛ وهزم الله العدو، واتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل وجه، ونجا الأدفنش -لعنه الله- في تسعة من أصحابه؛ فكان هذا أحد الفتوح المشهورة بالأندلس، أعز الله فيه دينه وأعلى كلمته، وقطع طمع الأدفنش -لعنه الله- عن الجزيرة، بعد أن كان يقدر أنها في ملكه، وأن رءوسها خدم له؛ وذلك كله بحسن نية أمير المسلمين.
وتسمى هذه الوقعة عندهم وقعة الزلاقة. وكان لقاء المسلمين عدوهم -كما ذكرنا- في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان الكائن في سنة. ورجع يوسف بن تاشفين وأصحابه عن ذلك المشهد منصورين, مفتوحًا لهم وبهم. فسُر بهم
أهل الأندلس، وأظهروا التيمن بأمير المسلمين والتبرك به، وكثر الدعاء له في المساجد وعلى المنابر، وانتشر له من الثناء بجزيرة الأندلس ما زاده طمعًا فيها, وذلك أن الأندلس كانت قبله بصدد التَّلاف، من استيلاء النصارى عليها وأخذهم الإتاوة من ملوكها قاطبة. فلما قهر الله العدو وهزمه على يد أمير المسلمين، أظهر الناس إعظامه، ونشأ له الود في الصدور.
ثم إنه أحب أن يجول في الأندلس على طريق التفرج والتنزه، وهو يريد غير ذلك؛ فجال فيها ونال من ذلك ما أحب، وفي خلال ذلك كله يظهر إعظام المعتمد وإجلاله، ويقول مصرحًا: إنما نحن في ضيافة هذا الرجل وتحت أمره، وواقفون عند ما يحده.
بين المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد
وكان ممن اختص بأمير المسلمين من ملوك الجزيرة وحظي عنده واشتد تقريب أمير المسلمين له: أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح المعتصم صاحب المرية. وكان المعتصم هذا قديم الحسد للمعتمد، كثير النفاسة عليه؛ لم يكن في ملوك الجزيرة من يناويه غيره، وربما كانت بينهما في بعض الأوقات مراسلات قبيحة. وكان المعتصم يعيبه في مجالسه وينال منه, ويمنع المعتمد من فعل مثل ذلك مروءته ونزاهة نفسه وطهارة سريرته وشدة ملوكيته. وقد كان المعتمد قبل عبور أمير المسلمين بيسير، توجه إلى شرقي الأندلس يتطوف على مملكته ويطالع أحوال عماله ورعيته؛ فلما دانى أول بلاد المعتصم، خرج إليه في وجوه أصحابه، وتلقاه لقاء نبيلًا، وعزم عليه ليدخلن بلاده؛ فأبى المعتمد ذلك. ثم اتفقا بعد طول مُرَاوَدة على أن يجتمعا في أول حدود بلاد المعتصم وآخر حدود بلاد المعتمد، فكان ذلك واصطلحا في الظاهر. واحتفل المعتصم في إكرامه, وأظهر من الآلات السلطانية والذخائر الملوكية المعدة لمجالس الأنس ما ظنه مُكْمِدًا للمعتمد مثيرًا لغمه. وقد أعاذ الله المعتمد من ذلك، وصان خلقه الكريم عنه، وعصمه بفضله منه؛ ثم افترقا بعد أن أقام المعتمد
عنده في ضيافته ثلاثة أسابيع، ورجع المعتمد إلى بلاده. وبإثر ذلك عبر إلى مراكش؛ ولم يزل ما بينه وبين المعتصم معمورًا إلى أن عبر أمير المسلمين كما ذكرنا، فلقيه المعتصم بهدايا فاخرة وتحف جليلة، وتلطف في خدمته حتى قربه أمير المسلمين أشد تقريب؛ وكان يقول لأصحابه: هذان رجلا هذه الجزيرة؛ يعني: المعتصم والمعتمد. وكان أكبر أسباب تقريب أمير المسلمين إياه، ثناء المعتمد عليه عند أمير المسلمين، ووصفه إياه عنده بكل فضل؛ ولم يكن المعتصم بعيدًا من أكثر ما وصفه به.
ولما اشتد تمكن المعتصم من أمير المسلمين، بدا له أن يسعى في تغيير قلبه على المعتمد وإفساد ما بينهما -حسن له ذلك سوء رأيه ودنس سريرته وضعف بصره بعواقب الأمور، وليقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وليبلغ القدر ميقاته؛ وإذا أراد الله تمام أمر هيأ له أسبابًا- فشرع المعتصم فيما أراده من ذلك, ولم يدر أنه ساقط في البئر التي حفر، وقتيل بالسلاح الذي شهر، فكان من جملة ما ألقى إلى أمير المسلمين، أن جعل يقرر عنده عجب المعتمد بنفسه، وفَرْط كِبْره، وأنه لا يرى أحدًا كفؤًا له. وزعم أنه قال له في بعض الأيام -وقد قال له المعتصم: طالت إقامة هذا الرجل بالجزيرة، يعني: أمير المسلمين-: لو عوجْتُ له إصبعي ما أقام بها ليلة واحدة هو ولا أصحابه, وكأنك تخاف غائلته؛ وأي شيء هذا المسكين وأصحابه؟ إنما هم قوم كانوا في بلادهم في جهد من العيش، وغلاء من السعر، جئنا بهم إلى هذه البلاد نطعمهم حسبة وائتجارًا، فإذا شبعوا أخرجناهم عنها إلى بلادهم! إلى أمثال هذا القول من تحقير أمرهم. وأعانه على ذلك قوم من وجوه الأندلس، إلى أن بلغوا ما أرادوه من تغير قلب يوسف أمير المسلمين على المعتمد.
وقد كان أمير المسلمين ضرب لنفسه ولأصحابه أجلًا وحد له ولهم مدة يقيمونها في الجزيرة لا يزيدون عليها. وإنما فعل ذلك تطييبًا لقلب المعتمد وتسكينًا لخاطره؛ فلما انقضت تلك المدة أو قاربت، عبر أمير المسلمين إلى العدوة وقد وغِر صدره وتغيرت نفسه:
وما النفس إلا نطفة في قرارةٍإذا لم تُكدَّر كان صفوًا غديرُها
هذا مع ما ذكرنا من طمعه في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها؛ وظهرت للمعتمد قبل عبوره أشياء عرف بها أنه غُيِّر عليه!.
نكبة بني عباد
ورجع أمير المسلمين إلى مراكش وفي نفسه من أمر الجزيرة المُقِيم المُقعِد؛ فبلغني أنه قال لبعض ثقاته من وجوه أصحابه: كنت أظن أني قد ملكت شيئًا، فلما رأيت تلك البلاد، صغرت في عيني مملكتي؛ فكيف الحيلة في تحصيلها؟ فاتفق رأيه ورأي أصحابه على أن يراسلوا المعتمد يستأذنونه في رجال من صلحاء أصحابهم رغبوا في الرباط بالأندلس ومجاهدة العدو والكون ببعض الحصون المصاقبة للروم إلى أن يموتوا؛ ففعلوا، وكتبوا إلى المعتمد بذلك، فأذن لهم، بعد أن وافقه على ذلك ابن الأفطس المتوكل صاحب الثغور, وإنما أراد يوسف وأصحابه بذلك أن يكون قوم من شيعتهم مبثوثين بالجزيرة في بلادها، فإذا كان أمر من قيام بدعوتهم أو إظهار لمملكتهم وجدوا في كل بلد لهم أعوانًا.
وقد كانت قلوب أهل الأندلس -كما ذكرنا- قد أُشْرِبت حب يوسف وأصحابه، فجهز يوسف من خيار أصحابه رجالاً انتخبهم، وأمَّر عليهم رجلاً من قرابته يسمى بُلُجِّين، وأسر إليه ما أراده، فجاز بلجين المذكور، وقصد المعتمد من ملوك الجزيرة فقال له: أين تأمرني بالكون؟ فوجه معه المعتمد من أصحابه من ينزله ببعض الحصون التي اختارها لهم، فنزل حيث أنزلوه هو وأصحابه. وأقاموا هناك إلى أن ثارت الفتنة على المعتمد، وكان مبدؤها في شوال من سنة بأخذ جزيرة طريف المقابلة لطنجة من العدوة، دون مقدمة ظاهرة توجب ذلك، فتشعبت جموعه وأهواؤُها ملتئمة، وانتثرت بلاده وقلوب أهلها على محبته منتظمة.
ولما أخذ المرابطون جزيرة طريف ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين، انتشر ذلك في الأندلس، وزحف القوم الذين قدمنا ذكرهم، الكائنون في الحصون، إلى قرطبة؛ فحاصروها وفيها عباد بن المعتمد الملقب بـ المأمون، وقد تقدم ذكره، وهو من أكبر ولده؛ فدخلوا البلد، وقتل عباد هذا بعد أن أبلى عذرًا، وأظهر في الدفاع عن نفسه جَلَدًا وصبرًا؛ ذلك في مستهل صفر الكائن في سنة؛ فزادت الإحنة والمحنة، واستمرت في غُلَوائها الفتنة.
وأجمعت على الثورة بحضرة إشبيلية طائفة، فأُعلم المعتمد بما اعتقدته الطائفة
المذكورة، وكشف له عن مرادها، وأثبت عنده سوء اعتقادها، وأغري بتمزيق أديمها وسفك دمها، وحض على هتك حريمها وكشف حرمها؛ فأبى له ذلك مجده الأثيل، ورأيه الأصيل، ومذهبه الجميل، وما حباه الله به من حسن اليقين، وصحة العقل والدين؛ إلى أن أمكنتهم الغِرَّة يوم الثلاثاء منتصف رجب من السنة المذكورة، فقاموا بجيش غير مستنصر، واسْتَنْسَرُوا بُغاثًا غير مُسْتَنْسَر؛ فبرز هو من قصره، سيفه بيده، وغلالته تَرِفُّ على جسده، لا دَرَقة له ولا درع عليه؛ فلقي على باب من أبواب المدينة يسمى باب الفرج فارسًا من الداخلين مشهور النجدة شاكي السلاح، فرماه الفارس برمحٍ قصيرِ أنابيبِ القناة، طويلِ شفرة السنان؛ فالتوى الرمح بغلالته وخرج تحت إبطه، وعصمه الله منه، ودفعه بفضله عنه؛ وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه فخر صريًعا، وانهزمت تلك الجموع، ونزل المتسنِّمون للأسوار عنها؛ وظن أهل إشبيلية أن الخناق قد تنفَّس.
فلما كان عصر ذلك اليوم، عاودهم القوم، فظُهر على البلد من واديه، ويُئس من سكنى ناديه، وبلغ فيه الأمل حاسده وشانيه، وشبت النار في شوانيه، فانقطع عندها الأمل والقول، وذهبت القوة من أيدي أهلها والحَوْل. وكان الذي ظهر عليها من جهة البر، رجل من أصحاب يوسف أمير المسلمين يعرف بحُدَير بن واسْنُو؛ ومن الوادي رجل يعرف بالقائد أبي حمامة مولى بني سُجُّوت؛ والتوت الحال أيامًا يسيرة، إلى أن ورد الأمير سِيرُ بن أبي بكر بن تاشفين -وهو ابن أخي أمير المسلمين- بعساكر متظاهرة، وحشود من الرعية وافرة، والناس في خلال هذه الأيام قد خامرهم الجزع، وخالط قلوبهم
الهلع، يقطعون السبل سياحة، ويعبرون النهر سباحة، ويتولجون مجاري الأقذار، ويترامون من شرفات الأسوار، حرصًا على الحياة. والموفون بالعهد، المقيمون على صريح الود، ثابتون؛ إلى أن كان يوم الأحد لإحدى وعشرين ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة، وهذا يوم الكائنة العظمى، والطامة الكبرى، فيه حُمَّ الأمر الواقع، واتسع الخَرْق على الراقع، ودُخل البلد من واديه، وأصيب حاضره وباديه، بعد أن جد الفريقان في القتال، واجتهدت الفئتان في النزال، وظهر من دفاع المعتمد ﵀ وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا تناهيَ لخَلْقٍ إليه، وفي ذلك يقول المعتمد بعد ما نزل بالعدوة أسيرًا حسيرًا:
لما تماسكت الدموعْوتَنَهْنَه القلب الصَّديعْ
قالوا: الخضوع سياسةٌفليبدُ منك لهم خضوعْ
وألذ من طعم الخضوع على فمي السم النَّقيعْ
إن تستلب عنى الدُّنَاملكي وتسلمني الجموعْ
فالقلب بين ضلوعهلم تُسلم القلبَ الضلوعْ
لم أُستلب شرف الطباع أيُسلب الشرفُ الرفيعْ
قد رُمْتُ يوم نِزالهمألا تُحصِّنني الدروعْ
وبرزت ليس سوى القميــص عن الحشا شيء دَفُوعْ
وبذلت نفسي كي تسيــل إذا يسيل بها النَّجِيعْ
أجلي تأخر، لم يكنبهواي ذلي والخشوعْ
ما سرت قَطُّ إلى القتال وكان من أملي الرجوعْ
شِيَم الأُلى أنا منهمووالأصل تَتْبعه الفروعْ!
فشُنت الغارة في البلد، ولم يترك البربر لأحد من أهلها سَبدًا ولا لَبَدًا، وانتهبت قصور المعتمد نهبًا قبيحًا، وأخذ هو قبضًا باليد، وجُبر على مخاطبة ابنيه: المعتد بالله، والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس المشهورة، لو شاءا أن يمتنعا بهما لم يصل أحد إليهما، أحد الحصنين يسمى رُندَة، والآخر مارْتُلَة؛ فكتب إليهما ﵀، وكتبت السيدة الكبرى أمهما، مستعطفينِ مسترحمينِ، مُعلِمينِ أن دم الكل منهم مُسترهَن بثبوتهما. فأنفا من الذل، وأبيا وضع أيديهما في يد أحد من الناس بعد أبيهما. ثم عطفتهما عواطف الرحمة، ونظرا في حقوق أبويهما المقترنة بحق الله ﷿. فتمسك كل منهما بدينه، ونبذ دنياه، ونزلا عن الحصنين بعد عهود مبرمة، ومواثيق محكمة. فأما المعتد بالله فإن القائد الواصل إليه قبض عند نزوله على كل ما كان يملكه. وأما الراضي بالله فعند خروجه من قصره قُتل غِيلةً وأخفي جسده.
ورُحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع أحواله، ولم يصحب من ذلك كله بُلْغة زاد؛ فركب السفين، وحل بالعدوة محل الدفين؛ فكان نزوله من العدوة بطنجة؛ فأقام بها أيامًا، ولقيه بها الحصري الشاعر، فجرى معه على سوء عادته من قبح الكُدْية وإفراط الإلحاف، فرفع إليه أشعارًا قديمة قد كان مدحه بها، وأضاف إلى ذلك قصيدة استجدها عند وصوله إليه. ولم يكن عند المعتمد في ذلك اليوم مما زود به فيما بلغني أكثر من ستة وثلاثين مثقالًا، فطبع عليها وكتب معها بقطعة شعر يعتذر من قلتها -سقطت من حفظي- ووجه بها إليه. فلم يجاوبه عن القطعة، على سهولة الشعر على خاطره وخفته عليه. كان هذا الرجل -أعني الحصري- الأعمى-
أسرع الناس في الشعر خاطرًا، إلا أنه كان قليل الجيد منه؛ فحركه المعتمد على الله على الجواب بقطعة أولها:
قُلْ لمن قد جمع العلموما أحصى صوابَهْ
كان في الصرة شعرفتنظَّرْنا جوابَهْ
قد أثبناك فهلَّاجلب الشعر ثوابَهْ؟
ولما اتصل بزعانفة الشعراء وملحفي أهل الكدية ما صنع المعتمد ﵀ مع الحصري، تعرضوا له بكل طريق، وقصدوه من كل فج عميق، فقال في ذلك ﵀:
شعراء طنجة كلهم والمغربذهبوا من الإغراب أبعد مذهبِ
سألوا العسير من الأسير وإنهبسؤالهم لأحق فاعجبْ واعجبِ
لولا الحياء وعزة لَخْمِيةطَيَّ الحَشَا ساواهمُ في المطلبِ
قد كان إن سُئل الندى يُجزل وإننادى الصريخُ ببابه اركبْ يركبِ
وله في هذا المعنى ﵀:
قُبح الدهر فماذا صنعاكلما أعطى نفيسًا نزعَا
قد هوى ظلمًا بمن عادتُهُأن ينادي كل من يهوَى لعَا!
مَنْ إذا الغيث هَمَى منهمرًاأخجلته كفه فانقطعَا
مَنْ غَمامُ الجَوْد من راحتهعصفتْ ريح به فانتشعَا
مَنْ إذا قيل الخَنا صُمَّ وإننطق العافون هَمْسًا سَمِعَا
قل لمن يطمع في نائلهقد أزال اليأس ذاك الطمعَا
راح لا يملك إلا دعوةجبر الله العُفاةَ الضُّيَّعَا!
وأقام المعتمد بطنجة ﵀ أيامًا على الحال التي تقدم ذكرها، ثم انتقل إلى مدينة مِكْنَاسة، فأقام بها أشهرًا، إلى أن نفذ الأمر بتسييرهم إلى مدينة أغمات؛ فأقاموا بها إلى أن توفي المعتمد ﵀، ودفن بها فقبره معروف هناك. وكانت وفاته في شهور سنة، وقيل: سنة، فالله أعلم، وسنه يوم توفي إحدي وخمسون سنة.
فمن أحسن ما مر بي مما رُثي به المعتمد على الله مقطوعة من شعر ابن اللبانة أولها:
لكل شيء من الأشياء ميقاتُوللمنى من مناياهن غاياتُ
والدهر في صِبْغة الحرباء منغمسٌألوان حالاته فيها استحالاتُ
ونحن من لُعَب الشَّطْرنج في يدهوربما قُمرتْ بالبيدق الشاةُ
فانفُضْ يديك من الدنيا وساكنهافالأرض قد أقفرت, والناس قد ماتُوا
وقل لعالمها الأرضيِّ قد كتمتْسريرة العالم العلوي أَغْماتُ
طوت مظلتها، لا بل مذلتهامن لم تزل فوقه للعز راياتُ
من كان بين الندى والبأس، أنصُلههِنديَّة وعطاياه هُنيداتُ
أنكرت إلا التواء للقيود بهوكيف تنكر في الروضات حياتُ
وقلت: هن ذؤاباتٌ فَلِمْ عُكستمن رأسه نحو رجليه الذؤاباتُ
رأوه ليثًا فخافوا منه عاديةعذرتهم فلعُدْوَى الليث عاداتُ
وله قصيدة يرثيهم بها، وهي كثيرة الجيد، أولها:
تبكي السماء بدمع رائحٍ غادىعلى البهاليل من أبناء عبَّادِ
على الجبال التي هُدت قواعدهاوكانت الأرض منهم ذات أوتادِ
والرابيات عليها اليانعات ذوتْأنوارها فغدت في خفض أوْهادِ
عِرِّيسةٌ دخلتها النائبات علىأساود لهم فيها وآسادِ
وكعبةٌ كانت الآمال تعمرهافاليوم لا عاكف فيها ولا بادِ
تلك الرماح رماح الخط ثقَّفَهاخَطْب الزمان ثِقافًا غير معتادِ
والبِيض بِيض الظُّبا فَلَّت مضاربهاأيدي الردى وثنتها دون إغمادِ
لما دنا الوقت لم تخلف له عِدَةٌوكل شيء لميقات وميعادِ
كم من دراريِّ سعد قد هوت ووهتهناك من درر للمجد أفرادِ
نُورٌ ونَوْرٌ فهذا بعد نعمتهذوى وذاك خبا من بعد إيقادِ
يا ضيف أقفر بيت المَكْرُمات فخذفي ضم رَحْلك واجمع فضْلة الزادِ
ويا مُؤمِّل واديهم ليسكنَهخف القطين وجف الزرع بالوادِي
ضلت سبيل الندى بابن السبيل فسرْلغير قصد فما يهديك من هادِي
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع