من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
فصل في ملك بني عَبَّاد بإشْبِيلِيَّة (٢)
الصفحة ٢ من ٢
وفيها يقول:
نسيتُ إلا غداة النهر كونهمُفي المنشآت كأموات بألحادِ
والناس قد ملئوا العِبْرين واعتبروامن لؤلؤ طافيات فوق أزبادِ
حُطَّ القناع فلم تُستر مخدرةومُزقت أوجه تمزيق أبرادِ
تفرقوا جيرة من بعد ما نشئواأهلًا بأهل وأولادًا بأولادِ
حان الوداع فضجت كل صارخةٍوصارخ من مُفدَّاة ومن فادِي
سارت سفائنهم والنوْح يتبعهاكأنها إبل يحدو بها الحادِي
كم سال في الماء من دمع وكم حملتتلك القطائع من قِطْعات أكبادِ
من لي بكم يا بني ماء السماء إذاماء السماء أبى سُقْيًا حَشَا الصادِي
وهي طويلة جدًّا، وهذا ما اخترت له منها.
أبو بكر الداني
وابن اللبانة هذا هو أبو بكر محمد بن عيسى، من أهل مدينة دانية، وهي على ساحل البحر الرومي، كان يملكها مجاهد العامري وابنه علي الموفق على ما تقدم.
ولابن اللبانة هذا أخ اسمه عبد العزيز، وكانا شاعرين، إلا أن عبد العزيز منهما لم يرض الشعر صناعة ولا اتخذه مكسبًا، وإنما كان من جملة التجار. وأما أبو بكر فرضيه بضاعة، وتخيره مكسبًا، وأكثر منه، وقصد به الملوك فأخذ جوائزهم، ونال
أسنى الرتب عندهم. وشعره نبيل المأخذ، وهو فيه حسن المَهْيَع، جمع بين سهولة الألفاظ ورشاقتها، وجودة المعاني ولطافتها؛ كان منقطعًا إلى المعتمد، معدودًا في جملة شعرائه؛ لم يفد عليه إلا آخر مدته؛ فلهذا قل شعره الذي يمدحه به.
وكان ﵀ مع سهولة الشعر عليه وإكثاره منه، قليل المعرفة بعلله، لم يُجِدِ الخوض في علومه، وإنما كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة قريحته؛ يدل على ذلك قوله في قصيدة له, سيرد ما أختاره منها في موضعه:
من كان ينفق من سواد كتابهفأنا الذي من نور قلبى أُنفقُ
ولما خلع المعتمد على الله، وأخرج من إشبيلية، لم يزل أبو بكر هذا يتقلب في البلاد، إلى أن لحق بجزيرة مُيُرْقَةَ، وبها مبشر العامري المتلقب بـ الناصر؛ فحظي عنده وعلت حاله معه، وله فيه قصائد أجاد فيها ما شاء؛ فمنها قصيدة ركب فيها طريقة لم أسمع بها لمتقدم ولا متأخر، وذلك أنه جعلها من أولها إلى آخرها، صدر البيت غزل وعجزه مدح، وهذا لم أسمع به لأحد؛ وأول القصيدة:
وضحت وقد فضحت ضياء النِّيرفكأنما التحفت ببشر مبشرِ
وتبسمت عن جوهر فحسبتهما قلدتْه محامدي من جوهرِ
وتكلمت فكأن طِيب حديثهامُتِّعتُ منه بطيب مسك أذْفَرِ
هزت بنغْمة لفظها نفسي كماهُزت بذكراه أعالي المنبرِ
أذنبت واستغفرتها فجرت علىعاداته في المذنب المستغفرِ
جادت علي بوصلها فكأنهجدوى يديه على المُقل المُقْتِرِ
ولثَمْتُ فاها فاعتقدت بأننيمن كفه سُوِّغْتُ لَثْم الخنصرِ
سمحت بتعنيقى فقلت: صنيعةٌسمحت علاه بها فلم تتعذرِ
نَهْد كقسوة قلبه في معركٍوحشًا كلين طباعه في محضَرِ
ومعاطفٌ تحت الذوائب خلتُهاتحت الخوافق ما له من سَمْهَرِي
حسُنت أمامي في خمار مثل ماحسُن الكَمِيُّ أمامه في مِغْفَرِ
وتوشحت فكأنه في جَوْشَنقد قام عنبره مقام العِثْيرِ
غمزت ببعض قسيه من حاجبورنَت ببعض سهامه من مَحْجِرِ
أومت بمصقول اللحاظ فخلتهيومي بمصقول الصفيحة مُشْهَرِ
وضعت حشاياها فويق أرائكٍوضع السروج على الجياد الضُّمَّرِ
من رامة أو رومة، لا علم ليأأتت عن النعمان أم عن قيصرِ
بنت الملوك فقل لكسرى فارستعزى وإلا قل لتبع حميرِ
عاديت فيها غُرَّ قومي فاغتدوالا أرضهم أرضي ولا هم معشرِي
وكذلك الدنيا عهدنا أهلهايتعافرون على الثريد الأعفرِ
طافت علي بجمرة من خمرةفرأيت مِرِّيخا براحة مشترِي
فكأن أنملها سيوف مبشروقد اكتست عَلَق النَّجيع الأحمرِ
مَلِك أَزِرَّةُ بُرْدِهِ ضُمت علىبأس الوصي, وعزْمة الإسكندرِ
هذا ما اخترت له منها.
ومن نسيبه المليح, الخفيف الروح قوله يتغزل ويمدح مبشرًا هذا:
هلَّا ثناك علي قلب مُشْفِقٌفترى فراشًا في فراش يُحرقُ
قد صرتُ كالرَّمَق الذي لا يُرتجىورجعت كالنفَس الذى لا يلحقُ
وغرِقتُ في دمعي عليك وغمنيطرْفي, فهل سبب به أتعلقُ؟
هل خُدعة بتحية مخفيةفي جنب موعدك الذي لا يصدقُ
أنت المنية والمُنى، فيك استوىظل الغمامة والهَجير المحرقُ
لك قَدُّ ذابلةِ الوشيج ولونهالكن سِنانك أكحل لا أزرقُ
ويقال: إنكَ أيكة حتى إذاغنيتَ قيل: هو الحمام الأوْرَقُ
يا من رشقْتُ إلى السُّلُو فردنيسبقت جفونك كل سهم يرشقُ
لو في يدي سحر وعندي أخْذةلجعلت قلبك بعض حينٍ يعشَقُ
لتذوقَ ما قد ذقت من ألم الجَوَىوترِقَّ لي مما تراه وتُشفِقُ
جسدي من الأعداء فيك؛ لأنهلا يستبين لطرف طَيْف يَرْمُقُ
لم يدر طيفك موضعي من مضجعيفعذرتُه في أنه لا يطرُقُ
جفت عليك منابتي ومنابعيفالدمع يَنْشَغُ والصَّبابة تُورِقُ
وكأن أعلام الأمير مبشرٍنُشرتْ على قلبى فأصبح يخفقُ
وفيها يقول، يصف لعب الأسطول في يوم المهرجان:
بُشرى بيوم المهرجان فإنهيوم عليه من احتفائك رَوْنَقُ
طارت بنات الماء فيه وريشهاريش الغراب وغير ذلك شَوْذَقُ
وعلى الخليج كتيبة جرارةمثل الخليج كلاهما يتدفقُ
وبنو الحروب على الجواري التيتجري كما تجري الجياد السُّبَّقُ
ملأ الكُمَاة ظهورها وبطونهافأتت كما يأتي السحاب المغدِقُ
خاضت غدير الماء سابحة بهفكأنما هي في سراب أيْنُقُ
عجبًا لها! ما خلت قبل عِيَانهاأن يحمل الأسد الضوارِيَ زورقُ
هزت مجاديفًا إليك كأنهاأهداب عين للرقيب تحدقُ
وكأنها أقلام كاتب دولةٍفي عُرْض قِرْطاس تخُطُّ وتمشُقُ
وله فيها إحسان كثير. وله من قصيدة يتغزل:
فؤادي مُعَنًّى بالحسان مُعنَّتوكل موقى في التصابي موقتُ
ولي نفس يخفى ويخفُت رقةًولكن جسمى منه أخفى وأخفتُ
وبي ميت الأعضاء حي دَلالُهغرامي به حي وصبري ميتُ
جعلت فؤادي جَفْن صارم جَفْنهفيا حر ما يَصلى به حين يُصْلَتُ
أذل له في هجره وهو ينتميوأسكن بالشكوى له وهو يسكتُ
وما انبت حبل منه إذ كان في يديلرَيحان رَيْعان الشبيبة منبِتُ
ومن جيد ماله من قصيدة يمدح بها مبشرًا ناصر الدولة أولها:
راق الربيع ورقَّ طبع هوائهفانظر نضارة أرضه وسمائِهِ
واجعل قرين الورد فيه سُلافةيحكي مشعشعها مصعد مائِهِ
لولا ذبول الورد قلت بأنهخد الحبيب عليه صِبْغ حيائِهِ
هيهاتَ أين الورد من خد الذيلا يستحيل عليك عهد وفائِهِ
الورد ليس صفاته كصفاتهوالطير ليس غناؤها كغنائِهِ
يتنفس الإصباح والريحان منحركات معطفه, وحسن رُوَائِِهِ
ويجول في الأرواح رَوْح ما سرترَيَّاه من تلقائه بلقائهِ
صرف الهوى جسمي شبيه خيالهمن فرْط خفته وفرط خفائهِ
ومن أحسن ما على خاطري له بيتان يصف بهما خالًا، وهما:
بدا على خده خال يزينهفزادني شغفًا فيه إلى شغفِ
كأن حبة قلبي عند رؤيتهطارت فقال لها: في الخد منه قفي!
ولابن اللبانة هذا إحسان كثير، منعني من استقصائه خوف الإطالة، وأيضًا فلأن هذا الكتاب ليس موضوعًا لهذا الباب؛ وإنما يأتي منه فيه ما تدعو إليه ضرورة سياق الحديث.
رجع الحديث إلى أخبار المعتمد
ثم رجع بنا القول إلى أخبار المعتمد على الله.
وبلغني أن رجلًا رأى في منامه قبل الكائنة العظمى على بني عباد بأشهر يسيرة وهو بمدينة قرطبة، كأن رجلاً أتى حتى صعد المنبر واستقبل الناس بوجهه ينشدهم رافعًا صوته:
رب رَكْبٍ قد أناخوا عِيسَهمفي ذُرا مجدهم حين بسقْ
سكت الدهر زمانًا عنهمثم أبكاهم دمًا حين نَطَقْ!
فما كان إلا أشهر يسيرة حتى وقع بهم, وأبكاهم الدهر كما قال.
وبلغ من حال المعتمد على الله بأغمات، أن آثر حظياته وأكرم بناته أُلجئت إلى أن تستدعي غَزْلاً من الناس تسد بأجرته بعض حالها، وتصلح به ما ظهر من اختلالها. فأدخل عليها فيما أدخل غزل لبنت عَرِيف شرطة أبيها؛ كان بين يديه يَزَع الناس يوم بروزه، لم يكن يراه إلا ذلك اليوم. واتفق أن السيدة الكبرى أم بنيه اعتلت، وكان الوزير أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر بمراكش؛ قد استدعاه أمير المسلمين لعلاجه؛ فكتب إليه المعتمد راغبًا في علاج السيدة ومطالعة أحوالها بنفسه. فكتب إليه الوزير مؤديًا حقه ومجيبًا له عن رسالته ومسعفًا له في طلبته. واتفق أن دعا له في أثناء الرسالة بطول البقاء؛ فقال المعتمد في ذلك:
دعا لي بالبقاء وكيف يهوَىأسير أن يطول به البقاءُ
أليس الموت أروح من حياةيطول على الشقي بها الشَّقاءُ
فمن يك من هواه لقاء حبفإن هواي من حتْفي اللقاءُ
أأرغب أن أعيش أرى بناتيعواريَ قد أضر بها الحَفَاءُ
خوادم بنت من قد كان أعلىمراتبه إذا أبدو النداءُ
وطرد الناس بين يدي ممرِّيوكفهمو إذا غص الفناءُُ
وركض عن يمين أو شماللنظم الجيش إن رفع اللواءُ
يُعنِّيه أمام أو وراءإذا اختل الأمام أو الوراءُ
ولكن الدعاء إذا دعاهضمير خالص نفع الدعاءُ
جُزيتَ أبا العلاء جزاء بَرٍّنوى برًّا وصاحبك العلاءُ
سيُسلي النفْس عما فات علمىبأن الكل يدركه الفناءُ
وورد عليه أغمات، أبو بكر بن اللبانة المتقدم الذكر، ملتزمًا عهد الوفاء، قاضيًا ما يجب عليه من شكر النُّعمى؛ فسر المعتمد بوروده، فلما أزمع ابن اللبانة على السفر، استنفد المعتمد وُسْعَه ووجه إليه بعشرين مثقالًا وثوبين، وكتب إليه معها:
إليك النَّزْر من كف الأسيرفإن تقبل تكن عين الشكورِ
تقبَّلْ ما يذوب له حياءوإن عذرتْه حالاتُ الفقيرِ!
ولا تعجب لخطب غض منهأليس الخسف ملتزم البدورِ؟
ورجِّ لجبره عقبى نداهفكم جبرت يداه من كسيرِ
وكم أعلت علاه من حضيضٍوكم حطت ظُباه من أميرِ
وكم من منبر حنت إليهأعالي مرتقاه، ومن سريرِ
زمان تزاحفت عن جانبيهجياد الخيل بالموت المُبيرِ
فقد نظرت إليه عيون نحسمضت منه بمعدوم النظيرِ
نحوس كن في عقبى سعودكذاك تدور أقدار القديرِ
وكم أحظى رضاه من حظيوكم شهرت علاه من شهيرِ
زمان تنافست في الحظ منهملوك قد تجور على الدهورِ!
بحيث يطير بالأبطال ذُعْرويُلفَى ثَمَّ أرجح من ثبيرِ
فامتنع ابن اللبانة من قبول ذلك عليه، وصرفه بجملته إليه؛ وكتب مجيبًا له عن شعره:
سقطت من الوفاء على خبيرفذرني والذي لك في ضميرِي
تركت هواك وهو شقيق دينيلئن شُقت برودي عن غدورِ
ولا كنتُ الطليق من الرَّزايالئن أصبحت أُجحف بالأسيرِ
أسير ولا أصير إلى اغتنامٍمعاذ الله من سوء المصيرِ
إذا ما الشكر كان وإن تناهىعلى نعمى فما فضل الشكورِ؟
جَذيمة أنت والأيام خانتوما أنا من يقصر عن قصيرِ
أنا أدرى بفضلك منك إنيلبست الظل منه في الحَرُورِ
غني النفس أنت وإن ألحتعلى كفيك حالات الفقيرِ
تُصرِّف في الندى حيل المعاليفتسمُحُ من قليلٍ بالكثيرِ
أُحدث منك عن نبع غريبٍتفتح عن جَنَى زهر نضيرِ
وأعجب منك أنك في ظلاموترفع للعفاة منار نورِ
رويدك سوف توسعني سرورًاإذا عاد ارتقاؤك للسريرِ
وسوف تحلني رتب المعاليغَداةَ تحل في تلك القصورِ
تزيد على ابن مروان عطاءًبها وأنيفُ ثَمَّ على جريرِ
تأهبْ أن تعود إلى طلوعفليس الخسف ملتزم البدورِ
فراجعه المعتمد بهذه الأبيات:
رد بِرِّي بغيًا علي وبرًّاوجفا فاستحق لومًا وشُكْرَا
حاط نزري إذ خاف تأكيد ضريفاستحق الجفاء إذ حاط نَزْرَا
فإذا ما طويت في البعض حمدًاعاد لومي في البعض سرًّا وجهرَا
يا أبا بكر الغريب وفاءلا عَدِمناك في المغارب ذُخرَا
أي نفع يجدي احتياط شفيقٍمتُّ ضرًّا فكيف أرهب ضُرَّا؟
فأجابه ابن اللبانة ﵀:
أيها الماجد السَّمَيْدَعُ عذرًاصَرْفي البر إنما كان برَّا
حاشَ لله أن أجيح كريمًايتشكى فقرًا وكم سد فقرَا
لا أزيد الجفاء فيه شُقوقًاغدر الدهر بى لئن رمت غدرَا
ليت لي قوة, أوَآوي لركنفترى للوفاء مني سِرَّا؟!
أنت علمتني السيادة حتىناهضت همتي الكواكب قدرَا
ربحت صفْقة أزيل بُرودًاعن أديمي بها وألبس فخرَا
وكفاني كلامك الرطب نيْلًاكيف ألفي درًّا وأطلب تِبْرَا؟!
لم تمت, إنما المكارم ماتتلا سقى الله بعدك الأرض قَطْرَا
ومما قاله المعتمد من الشعر عند موته, وأمر أن يكتب على قبره:
قبرَ الغريب سقاك الرائح الغاديحقًّا ظَفِرتَ بأشلاء ابن عبادِ
بالحلم, بالعلم, بالنُّعمى إذا اتصلتبالخصب إن أجدبوا بالرِّيِّ للصادِي
بالطاعن, الضارب, الرامي إذا اقتتلوابالموت أحمر بالضِّرغامة العادِي
بالدهر في نِقَم بالبحر في نعمبالبدر في ظلم بالصدر في النادِي
نعم هو الحق حاباني به قدرمن السماء فوافاني لميعادِ
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمهأن الجبال تهادَى فوق أعوادِ
كفاك فارفُقْ بما استودعت من كرمرجاك كل قَطُوب البرق رَعَّادِ
يبكي أخاه الذي غيبت وابلَهتحت الصفيح بدمع رائح غادِي
حتى يجودك دمع الطل منهمرًامن أعين الزهر لم تبخل بإسعادِ
ولا تزل صلوات الله دائمةًعلى دفينك لا تُحصى بتَعْدادِ
وكان للمعتمد على الله هذا ولد يلقب بـ فخر الدولة، رشحه للملك من بعده، وجعله ولي عهده، ولقبه بـ المؤيد بنصر الله؛ فعاقته الفتنة عن مراده، وحالت الأقدار بينه وبين إصداره وإيراده؛ فما برح بفخر الدولة هذا تغير الأيام بعد الفتنة، إلى أن أسلم نفسه في السوق، وتعلم من الصنائع صنعة الصُّوَّاغ، فمر به محمد بن اللبانة المتقدم الذكر شاعر أبيه، فقال في ذلك:
أذكى القلوب أسًى، أبكى العيون دماخَطْب وجدناك فيه يشبه العدمَا
أفراد عِقْد المنى منا قدِ انتثرتوعَقْد عروتنا الوثقى قد انفصمَا
شكاتنا فيك يا فخر الهدى عظُمتوالرزء يعظم فيمن قدره عظمَا
طُوِّقتَ من نائبات الدهر مِخْنقةضاقت عليك، وكم طوقْتَنا نعمَا
وعاد كونك في دكان قارعةمن بعد ما كنت في قصر حكى إِرَمَا
صرَّفت في آله الصواغ أُنْمُلةلم تدر إلا الندى والسيف والقلمَا
يد عهدتك للتقبيل تبسطهافتستقل الثريا أن تكون فمَا
يا صائغًا كانت العليا تصاغ لهحليًا وكان عليه الحلي منتظمَا
للنفخ في الصًّور هول ما حكاه سوىهول رأيناك فيه تنفخ الفَحَمَا
وددت إذ نظرت عيني إليك بهلو أن عيني تشكو قبل ذاك عمَى
ما حطك الدهر لما حط من شرفولا تحيَّف من أخلاقك الكرمَا
لُحْ في العلا كوكبًا إن لم تلح قمرًاوقم بها ربوة إن لم تقم علَمَا
واصبر فربتما أحمدت عاقبةمن يلزم الصبرَ يحمد غِبَّ ما لزمَا
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفتولو وفى لك دمع المُزْن لانسجمَا
بكى حديثك حتى الدر حين غدَايحكيك رَهْطًا وألفاظًا ومبتسمَا
وروضة الحسن من أزهارها عرِيتحزنًا عليك لأن أشبهْتَها شِيَمَا
بعد النعيم ذوى الريحان حين رأىريحانك الغض يذوي بعد ما نعمَا
لم يرحم الدهر فضلًا أنت حاملهمن ليس يرحم ذاك الفضل لا رُحمَا
شقيقك الصبح إن أضحى بشارقةوأنت في ظلمة فالصبح قد ظلمَا
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع