من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الشيخ الخياط وأذانه في غير وقت الأذان
حدّثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشميّ القاضي:
إنّ شيخا من التجّار، كان له على بعض القوّاد مال جليل، يماطله به.
قال: فعملت على الظلامة إلى المعتضد، لأنّي كنت إذا جئت إلى القائد حجبني، واستخفّ بي غلمانه.
وكنت إذا تحمّلت عليه، فاستشفعت، لم ينجع فيه. وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان منه، فما نفعني.
فقال لي بعض إخواني: عليّ أن آخذ لك المال، ولا تحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة [ولا إلى غيره]، فقم معي الساعة.
قال: فقمت معه، فجاء بي إلى خيّاط في سوق الثلاثاء، شيخ، وهو جالس يخيط، ويقرىء في المسجد، فقصّ عليه قصّتي، وسأله أن يقصد القائد فيسأله إزاحة علّتي، وكانت داره قريبة من موضع الخيّاط، فقام معنا.
فلما مشينا تأخّرت، وقلت لصديقي: إنّك قد عرّضت هذا الشيخ، ونفسك، وإيّاي، إلى مكروه غليظ، هذا إذا حصل على باب الرجل، صفع، وصفعنا معه، فإنّه لم يلتفت لشفاعة فلان وفلان، ولم يفكّر في الوزير، يفكّر في هذا؟
فضحك الرجل، وقال: لا عليك، امش واسكت.
فجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخيّاط أعظموه، وأهووا ليقبّلوا يده، فمنعهم.
وقالوا: ما جاء بك يا شيخ؟ فإنّ صاحبنا راكب، فإن كان أمر نعمله نحن بادرنا إليه، وإلّا فادخل واجلس حتى يجيء.
فقويت نفسي بذلك، فدخلنا، وجلسنا.
وجاء الرجل، فلما رأى الخيّاط، أعظمه إعظاما تامّا، وقال: لست أنزع ثيابي، أو تأمر بأمرك.
فخاطبه في أمري.
فقال: والله، ما عندي إلّا [ ط] خمسة آلاف درهم، فسله أن يأخذها، ورهنا من مراكبي الفضّة والذهب، إلى شهر، [لأعطيه].
فبادرت أنا إلى الإجابة، فأحضر الدراهم، والمراكب بقيمة الباقي، فقبضت ذلك.
وأشهدت الخيّاط وصديقي عليه، بأنّ الرهن عندي، إلى شهر على البقيّة، فإن جاز الأجل، فأنا وكيل ببيعه، وأخذ مالي من ثمنه، فأشهدتهما على ذلك، وخرجنا.
فلما بلغنا إلى موضع الخيّاط، طرحت المال بين يديه، وقلت: يا شيخ،
إنّ الله قد ردّ عليّ هذا بك، فأحبّ أن تأخذ ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، بطيب من قلبي.
فقال: يا هذا، ما أسرع ما كافأتني على فعل الجميل بالقبيح، انصرف بمالك، بارك الله لك فيه.
فقلت: قد بقيت لي حاجة.
فقال: قل.
قلت: تخبرني عن سبب طاعة هذا لك، مع تهاونه بأكابر أهل الدولة.
فقال: يا هذا قد بلغت مرادك، [وأخذت مالك] فلا تقطعني عن شغلي، وما أعيش منه.
فألححت عليه.
فقال: أنا رجل أؤمّ، وأقرىء في هذا المسجد، منذ أربعين سنة، ومعاشي من هذه الخياطة، لا أعرف غير هذا.
وكنت منذ دهر، قد صلّيت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت بتركيّ كان في هذه الدار، فإذا قد اجتازت امرأة جميلة الوجه عليه، فتعلّق بها وهو سكران، ليدخلها داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتصيح، ولا يمنعها منه أحد، وتقول في جملة كلامها: إنّ زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه، فإن بيّتني هذا، أخرب بيي، مع ما يرتكبه منّي من المعصية، ويلحقه بي من العار.
قال: فجئت إلى التركيّ، ورفقت به، وسألته تركها، فضرب رأسي
بدبّوس كان في يده. فشجّني، وآلمني، وأدخل المرأة. فصرت إلى منزلي فغسلت الدم، وشددت الشجّة، واسترحت.
وخرجت أصلّي العشاء، فلمّا فرغنا منها، قلت لمن حضر: قوموا معي إلى عدوّ الله، هذا التركيّ، ننكر عليه، ولا نبرح، حتى نخرج المرأة.
فقاموا، وجئنا، فضججنا على بابه، فخرج إلينا في عدّة من غلمانه، فأوقع بنا الضرب، وقصدني من بين الجماعة، فضربني ضربا عظيما، كدت أتلف منه، فشالني الجيران إلى منزلي كالتالف.
فعالجني أهلي، ونمت نوما قليلا للوجع، وأفقت نصف الليل، فما حملني النوم فكرا في القصّة.
فقلت: هذا قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذّنت، وقع له إنّ الفجر قد طلع، فأطلق المرأة، فلحقت بيتها قبل الفجر، فتسلم من أحد المكروهين، ولا يخرب بيتها، مع ما قد جرى عليها.
فخرجت إلى المسجد متحاملا، وصعدت المنارة، فأذّنت، وجلست أطّلع منها إلى الطريق، أترقّب منها خروج المرأة، فإن خرجت، وإلّا أقمت الصلاة، لئلّا يشكّ في الصباح، فيخرجها.
فما مضت إلّا ساعة، والمرأة عنده، فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ومشاعل، وهم يقولون: من هذا الذي أذّن الساعة؟ أين هو؟
ففزعت وسكتّ، ثم قلت [ ط] أخاطبهم، لعلّي أستعين بهم على إخراج المرأة.
فصحت من المنارة: أنا أذنت.
فقالوا لي: انزل، فأجب أمير المؤمنين.
فقلت: دنا الفرج، ونزلت، فمضيت معهم، فإذا هم غلمان مع بدر.
فأدخلني على المعتضد، فلما رأيته هبته، وارتعدت، فسكّن منّي.
وقال: ما حملك على أن تغرّ المسلمين بأذانك في غير وقته، فيخرج ذو الحاجة في غير حينها، ويمسك المريد للصوم، في وقت أبيح له فيه الإفطار؟
فقلت: يؤمني أمير المؤمنين، لأصدق؟
فقال: أنت آمن على نفسك.
فقصصت عليه قصة التركيّ، وأريته الآثار التي بي.
فقال: يا بدر، عليّ بالغلام والمرأة، الساعة، الساعة، وعزلت في موضع.
فلما كان بعد ساعة قليلة، أحضر الغلام والمرأة، فسألها المعتضد عن الصورة، فأخبرته بمثل ما قلته.
فقال لبدر: بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له خبرها، ويأمره عنّي بالتمسّك بها، والإحسان إليها.
ثم استدعاني، فوقفت، فجعل يخاطب الغلام، وأنا قائم أسمع.
فقال له: يا فلان، كم رزقك؟
قال: كذا وكذا.
قال: وكم عطاؤك؟
قال: كذا وكذا.
قال: وكم وظائفك؟
قال: كذا وكذا.
قال: وجعل يعدّد عليه ما يصل إليه، والتركيّ يقرّ بشيء عظيم.
قال: فقال له: كم لك جارية؟
قال: كذا وكذا.
قال: فما كان لك فيهنّ، وفي هذه النعمة العريضة، كفاية عن ارتكاب معاصي الله ﷿، وخرق هيبة السلطان؟ حتى استعملت ذلك، وتجاوزته إلى الوثوب بمن أمرك بالمعروف؟
فأسقط الغلام في يده، ولم يحر جوابا.
فقال: هاتم جوالق، ومداقّ الجص، وقيودا، وغلّا، فأحضر ذلك.
فقيّده، وغلّه، وأدخله الجوالق، وأمر الفرّاشين، فدقّوه بمداقّ الجص.
وأنا أرى ذلك، وهو يصيح، ثم انقطع صوته، ومات.
فأمر به، فغرّق في دجلة، وتقدّم إلى بدر بحمل ما في داره.
ثم قال لي: يا شيخ أيّ شيء رأيت من أجناس المنكر، كبيرا كان أو صغيرا، أو أيّ أمر، صغيرا كان أو كبيرا، فمر به وأنكره، ولو على هذا، وأومأ بيده إلى بدر.
فإن جرى عليك شيء، أو لم يقبل منك، فالعلامة بيننا أن تؤذّن في مثل هذا الوقت، فإنّي أسمع صوتك فأستدعيك، وأفعل مثل هذا بمن لا يقبل منك، أو بمن يؤذيك.
قال: فدعوت له وانصرفت.
وانتشر الخبر في الأولياء والغلمان، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا لأحد، أو كفّا عن قبيح إلّا أطاعني، كما رأيت، خوفا من المعتضد.
وما احتجت أن أؤذّن إلى الآن، [في غير وقت الأذان].
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع