من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مثل على تيقظ المعتضد وعلو همته
حدّثني أبي، عن أبي محمد ابن حمدون، قال:
كنت بحضرة المعتضد ليلة على شرب، إذ جاءه كتاب، فقرأه وقطع الشرب، وتنغّص به.
واستدعى عبيد الله بن سليمان، فأحضر للوقت، وقد كاد يتلف، وظنّ أنّه قد قبض عليه.
فرمى بالكتاب إليه، فإذا هو كتاب صاحب خبر السرّ بقزوين إليه، يقول: إنّ رجلا من الديلم، وجد بقزوين، وقد دخلها متنكّرا.
فقال لعبيد الله: اكتب [ ط] الساعة، إلى صاحبي الحرب والخراج، وأقم قيامتهما، وتهدّدهما عنّي بالقتل، لم تمّ هذا، وتشدّد في الإنكار، وطالبهما بتحصيل الرجل، ولو من تخوم الديلم، وأعلمهما إنّ دمهما مرتهن به، حتى يحضرانه.
وارسم لهما أن لا يدخل البلد مستأنفا أحد، ولا يخرج ألا بجواز، حتى لا تتمّ حيلة لأحد من الديلم في الدخول سرّا، وأن يزيدا في الحذر والتيقّظ، [ونفّذنا الناس إليهم]، وأفرط في التأكيد.
فقال عبيد الله: السمع والطاعة، أمضي إلى داري، فأكتب.
فقال: لا، إجلس بمكانك، واكتب بخطّك، واعرض عليّ.
قال: فأجلسه، وعقله ذاهل، فكتب ذلك، وعرضه عليه، فلمّا ارتضاه، دعا بخريطة إلى حضرته، فجعلت الكتب فيها، وأنفذها.
وقال لعبيد الله: أنفذ معها من يأتيك بخبر وصولها النهروان، وسيرها عنه، وانصرف.
فنهض عبيد الله، وعاد المعتضد إلى مجلس شربه، وكان قد لحقه تعب عظيم، فاستلقى ساعة، ثم عاد يشرب.
فقلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن في الكلام؟
فقال: نعم.
فقلت: كنت على سرور، وطيب نفس، فورد خبر قد كان يجوز أن تأمر فيه غدا بما أمرت به الساعة، فضيّقت صدرك، وقطعت شربك، ونغّصت على نفسك، وروّعت وزيرك، وأطرت عقول عياله وأصحابه،
باستدعائه في هذا الوقت المنكر، حتى أمرته بهذا الذي لو أخّرته إلى غد، لكان جائزا.
فقال: يا ابن حمدون، ليست هذه من مسائلك، ولكنّا أذنّا لك في الكلام. إن الديلم شرّ أمّة في الدنيا، وأتمّهم مكرا، وأشدّهم بأسا، وأقواهم قلوبا، ووالله، لقد طار عقلي فزعا على الدولة من أن يتطرّق إليهم دخول قزوين سرّا، فيجتمع فيها منهم عدّة، يوقعون بمن فيها ويملكونها، وهي الثغر بيننا وبينهم، فيطول أمد ارتجاعها منهم، ويلحق الملك من الضعف والوهن بذلك أمر عظيم، يكون سببا لبطلان الدولة، وتخيّلت أنّي إن أمسكت عن التدبير ساعة، إنّه يفوت، وإنّهم يحتوون على قزوين، ووالله لو ملكوها، لنبعوا عليّ من تحت سريري هذا، واحتووا على دار المملكة، فما هنّأني الشرب، ولا طابت نفسي بمضيّ ساعة من زماني فارغة من تدبير عليهم.
فعملت ما رأيت.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع