من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
التفريط في حفظ حدود أذربيجان أدى إلى فساد المملكة
وحدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال:
كنت حدثا في الديوان في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، والوزير إذ ذاك أحمد بن عبيد الله الخصيبي.
فأنشأنا من الديوان، كتبا إلى ابن أبي الساج، عن السلطان، يأمره فيها بالمسير إلى الحضرة، لقتال القرمطيّ.
فوردت الأجوبة للخليفة، لا للديوان.
فسمعت مشايخ الكتّاب، يتحدّثون عنه، إنّه كتب يقول: أنا في
ثغر أعظم من ثغور الروم، وبإزاء سدّ أحصن من سد يأجوج ومأجوج، وإن أخللت به، انفتح منه أعظم من أمر القرمطيّ، ولم يؤمن أن يكون سببا لزوال المملكة في سائر النواحي [ ط].
قال: فأخذ الكتّاب يتطانزون بذلك، وقالوا: في أيّ ثغر هو؟
ومن بإزائه إلّا الديلم، وإنّما هم أكرة، ولكنّه يريد ترفيه نفسه، والخلاف على السلطان.
قال: وأنشئت كتب أخر، يؤمر فيها بترك ما هو بسبيله، والقدوم، فقدم وخرج إلى القرمطيّ، فقتله القرمطيّ.
فما مضت إلّا مديدة يسيرة، على قتله، حتى سار القاسم بن الحسن الداعي العلويّ، وما كان الديلميّ صاحب جيشه، من طبرستان إلى الريّ، فأخذاها من يد أصحاب السلطان.
وخرج أسفار بن شيرويه الديلميّ فسار إلى طبرستان، فأخذها منهما.
فرجع الداعي إليه، فقاتله، فقتله أسفار، وتوطّأ له الأمر، وسار إلى الريّ، فقاتله ما كان.
وثار مرداويج الجيليّ، وكان أحد أصحاب أسفار، به، فقتله، واحتوى على عسكره، وتملّك أعماله، وأخذ الريّ، والجبل، والأعمال.
وتفرّقت أعمال ابن أبي الساج على جماعة أهملوا سياستها.
واستفحل أمر الديلم، وتزايد على الأوقات، وضعف السلطان، وانفتقت الفتوق عليه، وكثرت الفتن، وقتل المقتدر.
وجاء مرداويج إلى أصبهان ليسير إلى بغداد. وقدم شيرج بن ليلى إلى الأهواز، فتملّكها.
وكان الأمير عماد الدولة عليّ بن بويه يخلفه على الكرج حينئذ، فاستغوى
من معه، وسار بهم فملك أرّجان لنفسه.
وهدّده مرداويج بالمسير إليه، فداراه، ووعده أن يكون من قبله، وأنفذ الأمير ركن الدولة، أخاه، رهينة إليه.
وسار فأوقع بياقوت، وهو في سبعمائة نفر من الديلم، وياقوت في الطمّ والرمّ، وملك فارس، وظفر بأموالها، وكنوزها، فقوي، وعمل مرداويج على إنفاذ عسكر إليه، ليأخذه، ثم يسير إلى بغداد، فوثب غلمانه الأتراك به، فقتلوه، وجاء رجاله إلى الأمير عماد الدولة، وقد كان ملك فارس، وطرد ياقوت عنها، فقوي أمره، وعظم شأنه.
ومرّت على ذلك سنيّات، فأنفذ أخاه الأمير معزّ الدولة إلى الأهواز، ولم يزل أمره يقوى، حتى ملك بغداد.
وحصل الأمر على ما قاله المعتضد، وابن أبي الساج، وصاروا ملوك الأرض.
وحصلت للديلم ممالك، غير ممالك الأمراء من بني بويه، كثيرة، بعد أن كان الناس يتمثّلون إذا ظلموا، فيقولون: أي شيء خبرنا؛ في يد الديلم نحن أم في يد الأتراك؟ فصاروا في ممالكهما وأيديهما.
ونسأل الله السلامة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع