تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مثل آخر على تيقظ المعتضد وعلو همته

حدّثني القاضي أبو الحسن محمّد بن عبد الواحد الهاشمي، قال: حدّثني أبو عليّ الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وكان ينادم المعتضد، ويتجاسر عليه، قال:

كنّا نشرب يوما مع المعتضد، حتى دخل عليه بدر، فقال: يا مولاي، قد أحضر القطّان الذي من بركة زلزل.

قال: فترك مجلس النبيذ، وقام إلى مجلس في آخر ذلك المجلس، دونه، ونحن نراه ونسمع كلامه، ومدّت بيننا وبينه ستارة، ولبس قباء، وأخذ بيده حربة، وجلس كالمغضب المهول، حتى فزعنا نحن [ ط] منه، مع أنسنا به.

وأدخل إليه شيخ ضعيف، فقال له بصياح شديد: أنت القطّان الذي قلت أمس ما قلت؟

فغشي على القطّان، فأمر به فعزل ناحية.

فلمّا سكن جاءوه به، فقال: ويلك، مثلك يقول ليس للمسلمين

ناظر في أمورهم، فأين أنا؟ وأيّ شغل شغلي؟

قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقيّ، لا أعرف غير الغزل والقطن ومخاطبة النساء والعامّة، وإنّما اجتاز بنا رجل بايعنا شيئا كان معه، فوجدنا ميزانه ناقصا، فقلت هذا الكلام، وعنيت به المحتسب لا غيره.

[فقال له المعتضد: الله، إنّك أردت به المحتسب؟].

فقال: والله ما عنيت غيره، وأنا تائب أن أتكلّم بما يشبه هذا.

فقال: يحضر المحتسب، ويبالغ في الإنكار عليه لم غفل عن إنكار مثل هذا، ويؤمر بتعييره، وتتبّع الطوّافين، وأهل الأسواق، والتعيير عليهم.

وقال للشيخ: انصرف، لا بأس عليك، ودخل، فضحك، وانبسط، وعاد يشرب.

فلما حمل عليّ النبيذ، قلت له: يا مولاي، تعرف فضولي، فتأذن لي في أن أقول؟

فقال: قل.

قلت: كان مولانا في أطيب شرب، وأتم سرور، فتركه، وتشاغل عنه بخطاب كلب من السوقة، كان يكفيه أن يصيح عليه راجل من رجّالة صاحب الربع صيحة، ولم يقنع مولانا في أمره بالوصول إلى حضرته،

حتى غيّر له لبسته، وشهر سلاحه، واستقصى خطابه بنفسه، لأجل كلمة تقول العامة مثلها دائما، ولا يميّزون معناها.

فقال: يا حسن، أنت لا تعلم ما يجرّ هذا الكلام، إنّ مثل هذا إذا انتشر على ألسنة العوامّ، تلقّفه بعضهم من بعض، وتجرّأوا عليه، وربوا على قوله، حتى يصير منهم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يبعد أن يولّد ذلك لهم امتعاضا عند أنفسهم للسياسة والدين، فتثور الفتن على السلاطين.

وليس شيء أبلغ في حسم ذلك، من قطع مادّته من الأصل في أوّله.

فإنّ هذا، ممّا جرى عليه، قد طارت روحه، فهو يخرج، ويحدّث بأضعاف ما لحقه من الإنكار، وأكثر ممّا شاهده من الهيبة والفخامة، وفوق ما سمعه من المطالبة بموجبات السياسة، ومرّ الحقيقة، فينتشر عند العوامّ ما نحن عليه من التيقّظ، وإنّ كلمة تكلّم بها الرجل منهم لم تخف عليّ، وما غفلت عن مناظرة صاحبها، وعقابه [فيعرفوني بذلك] فيغنيني ذلك عن أفعال كثيرة، ويحذر جميعهم، ويضبط نفسه، وتنحسم مادّة شرّ، لو جرى، لاحتيج إلى ضروب من الكلف غليظة في صلاحه، قد انحسمت بيسير من القول والفعل.

فأقبلنا ندعو له ونطريه [أنا والجماعة].

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.