من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
شيخ أهوازي يسعى في صرف عامل الأهواز
وحدّثني خال والدي، أبو القاسم بن أبي علّان، عبد الله بن محمد ابن مهرويه. قال: أخبرني شيخ من شيوخنا، قال:
كان عمر بن فرج الرخّجيّ، يتقلّدنا في الدفعة الأولى، ثم صرف عنّا، وولينا عامل بعده.
فخرجنا في بعض السنين نتظلّم، وكانت أملاك عمر عندنا كثيرة وله البستان المعروف بالتفرّج قديما، الذي في وسط البلد، ويعرف الآن بالبستان الصغير.
قال: فلما حصلنا بحضرة الخليفة نتظلّم، عارضنا عمر، وأخذ يكلّمنا بكلام عارف بالبلد، محتجّ بحجاج صحيح يبطل به ظلامتنا.
وكان المتكلم عنّا، فلان، رئيس البلد، أسماه أبو القاسم وأنسيته، فأومأ إلينا أن اسكتوا، فسكتنا.
فقال: أيدّ الله أمير المؤمنين، قد أضجرناه اليوم بالخطاب، فنعود في مجلس ثان.
فقال: ذاك إليكم.
فانصرفنا، فقلنا له: ما حملك على هذا؟
فقال: إنّكم لا تعلمون ما علمت.
قال: فلما كان عشيّا، جئنا إلى منزل عمر، ودخل إليه، ونحن
معه، فاستخلاه مجلسه، فأخلاه.
فقال له: يا هذا، إنّك أخذت اليوم تسعى على دمائنا، وناظرتنا مناظرة عارف ببلدنا، ولو رددنا عليك، لكنّا إما أن نقطعك، أو تقطعنا فنهلك، ولم تكن بك حاجة إلى ما عاملتنا به، ولا فائدة لك.
ولا أنت الآن عاملنا، فيخرج عن يدك ما تنظر لنا به، وإنّا قد وردنا ومعنا في أنفسنا أمر، إن عدنا إلى بلدنا بغيره سقط جاهنا، وقال أكثر أهل الكور: خرجوا فما عملوا شيئا، ولا يخلو إمّا أن يكون ما التمسناه حقّا أو باطلا، فإن كان حقا، فقطعك لنا عنه ظلم [ ط] وإن كان باطلا، فمنعك لنا منه ذلّ، وليس يجوز لنا الرجوع إلّا به، لأنّ في رجوعنا ذهاب الجاه، وطمع العمال في نعمتنا، وأنت تعلم ما لك عندنا من الضياع والأموال، وعليّ وعليّ، قال: وحلف بالطلاق وأيمان البيعة، لئن لم تعاونّا غاية المعاونة، وتشهد لنا في المجلس الثاني بكلّ ما نريده لأخرجنّ الساعة، وأعملنّ عملا بخراجك وضياعك، وما أسقطته عن نفسك أيّام تقلّدك البلد، من أصول الخراج، واقتطعته من العمالة أيضا، ويشتمل على ألفي ألف دينار، وأقول للخليفة: إنّ لك عندنا مبقلة، ستون جريبا، قيمتها ستون ألف دينار- يعني البستان الذي تقدّم ذكره- وهو المتوكّل، وأقيم هؤلاء شهودا كلهم، يشهدون عليك بصحّة المال، ويواجهونك بما أنسبه إلى أنّك أخذته منهم ومن غيرهم، ويحلفون عليه، وأواجهك بالسعاية والوقيعة، بحضرة المتوكّل، وأدع ما قدمت له، حتى إذا وقعت في النكبة والمطالبة، رهبني الوزراء أوّلا،
وكلّ من يعلم أنّني كنت سبب نكبتك، من العمّال، وأصحاب الدواوين، وصاروا أعوانا لي وشهودا، فأبلغ بذلك محبتي، وأرجع إلى منزلي سالما، وأنت منكوب.
قال: فحين سمع عمر ذلك، اسودّ وجهه، وقال: أو أيش؟
قال: تحلف أنّك تشهد لنا، وتعاوننا.
قال: فحلف على ذلك، وقمنا.
فلما كان في المجلس الثاني، حضرنا حضرة المتوكّل، وأقبلنا نتظلّم، وعمر يشهد لنا، ويصدّق قولنا.
فما برحنا إلّا بصرف عاملنا، وبالنظر لنا في معظم حوائجنا، واحتسابه لنا بمظالم التمسناها، وبلغنا ما أمّلناه وقدّرناه، وزدنا عليه، وخرجنا.
فقال لنا الشيخ: كيف رأيتم هذا الرأي؟ أيّما كان أجود، هذا، أو أن نحاجّ عمر بن فرج في ذلك المجلس، ويحاجّنا، ويضرّنا بمناظرته، فيضجر الخليفة، فيأمر بإخراجنا، فلا نصل إليه أبدا، ويقول: هؤلاء طامعون بالمال، ونعود بالخيبة إلى منازلنا، بعد السفر والنفقة.
فقلنا له: أحسن الله جزاءك، فأنت أبصر منّا بالرأي.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع