تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

علو نفس أبي جعفر القاضي

حدّثني أبي، ﵁، قال: حدّثني سهل بن عبد الله الإيذجي، وكان أحد شهودها ووجوهها، ويخلفني على القضاء، وغيري، بها طويلا، قال: حدّثني أبي، وكان رئيس البلد، ومن وجوه شهوده:

أنّ أبا جعفر، محمد بن منصور القاضي، لما تقلّد كور الأهواز، من قبل المتوكل، أوّل دفعة، ووردها، أحبّ أن يطوف عمله.

قال: وكان شديد الشرف، عظيم النعمة والنفقة في مروءته، حتى إنّه كان يستعمل في مطبخه، بدلا من الشيرج، دهن اللوز والجلّوز.

وكان في داره رحى لطيفة، يديرها حمار له، يستخرج عليها دهن اللوز دائما.

وكان يستعمل في مطبخه، من اللحم، والدجاج، والفراخ، والحملان، والجداء، أكثر ممّا يتّخذه الوزراء، في كثير من الأمور.

فقدم علينا، فأبعدنا في تلقّيه، وسألناه النزول علينا، فامتنع. وقال:

لا يجوز للقاضي أن ينزل على أحد.

فقلنا [ ط] له: فنفرغ لك أحد المنازل، فكأنّه أجاب إلى هذا.

وسبقناه إلى البلد، فأخلينا له دارا من دورنا، وجاء فنزل فيها.

فاجتهدنا في قبول غلمانه لطفا منّا، أو شيئا، قليلا أو كثيرا، فامتنعوا، وقالوا: إنّه متى علم أنّكم فعلتم ذلك، صارت عداوة، وما قبل لأحد من خلق الله شيئا قط.

فلمّا كان بعد أسبوع، استدعاني، فقال لي: يا أبا محمد، كيف سعر الخبز عندكم؟

فقلت: خمسون رطلا بدرهم.

فقال: فالدجاج؟

فقلت: ثلاث بدرهم.

فقال: فالفراخ؟

فقلت: ستة بدرهم.

قال: فالجداء؟

فقلت: أجود جدي بدرهمين.

وأخذ يسائلني عن العسل، والسكّر، وحوائج السقط، وغير ذلك.

من الفواكه، والثلج، وأنا أخبره بسعر البلد على الحقيقة، بالذي يشترى لنا، ولسائر الناس مثله، ويقول: أهكذا يشترى لكم؟ فأقول: نعم.

فلما استتمّ الكلام، قال: يا غلام، قل للموكّلين، والفراشين، أن

يحملوا، ويشدّوا الثّقل على البغال والجمال، وتقدّم إلى الغلمان بالمسير مع السواد، وأن يتخلّف معي للركوب من جرت عادته بذلك، وأسرجوا لي الدواب والعمّاريّة، فقلت: أحدث، أعزّ الله القاضي، أمر؟.

فقال: نعم، إنّني أحاسب وكيلي، في كل أسبوع يوما، على ما ينفقه في طول الأسبوع، ولما كان البارحة، حاسبته، فرفع إليّ من أسعار ما اشتراه، مثل ما ذكرت، فكدت أن أوقع به، ولم أشكّ في أنّكم قد دسستم إلى الباعة، أن يبيعوه بهذا السعر، إرفاقا لنا، لمّا امتنعنا من قبول هداياكم، ثم توقّفت عن الإيقاع به، إلى أن أسألك عن الصورة، وأكشف.

فلما جئتني اليوم، وسألتك، وأنت عندي مقبول الشهادة، وقلت لك، أن تخبرني، كيف تشتري أنت وأهل البلد، فأخبرتني أنّك وهم تشترون بهذا، علمت أنّ هذا بلد لا تقوم فيه مروءة لشريف، وأنّ الضعيف والشريف فيه يتساويان في اللذّات والمروءات، فلا حاجة لي بالمقام فيه، ولا بدّ أن أرحل الساعة، وأجعل مقامي بحيث تبين مروءتي، وتظهر نعمة الله عندي.

قال: ورحل عنّا من يومه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.