تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الحكم كالسهم إذا نفذ لم يمكن رده

وحدّثني أبي، ﵁، إنّ بعض المعمّرين من الشهود بالأهواز، حدّثه، وذكر هو الشاهد وأنسيته أنا، عن أبيه أو بعض أهله، قال:

كان محمد بن منصور، يتقلّد بكور الأهواز، وعمر بن فرج الرّخّجيّ، يتقلّد الخراج بها.

وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية. فلا يذهب القاضي إلى الرخجيّ إلا بعد أن يجيئه، ويتشاحّان على التعظيم. وترد كتب الخليفة إليهما، بخطاب واحد، قال: وتولّدت [ ط] من ذلك، عداوة بينهما، فكان الرخّجيّ يكتب في القاضي، إلى المتوكل، فلا يلتفت إلى كتبه، لعظم محلّه عند المتوكّل، ويبلغ ذلك القاضي، فيقلّ الحفل به، ويظهر الزيادة في التعاظم عليه.

فلما كان في بعض الأوقات، ورد كتاب المتوكل، على الرخّجيّ، يأمره بأمر في معنى الخراج، وأن يجتمع مع محمد بن منصور القاضي، ولا

ينفرد عنه، وورد بالكتاب، خادم كبير من خدم السلطان.

فأنفذ الرخّجيّ إلى القاضي، فأعلمه، وقال: يصير إلى ديوان الخراج لنجتمع فيه على امتثال الأمر.

فقال القاضي: ولكن تصير أنت إلى الجامع، فنجتمع فيه، وتردّد الكلام بينهما، إلى أن قال الرخّجيّ للخادم: ارجع إلى حضرة أمير المؤمنين، واذكر القصّة، وإنّ قاضيه يريد إيقاف ما أمر به.

وبلغه الخبر، فركب محمد بن منصور، إلى الديوان، ومعه شهوده، فدخله، والرخجيّ فيه في دست، وكتّابه بين يديه، فلما بصروا به، قاموا إليه، إلّا الرخّجيّ.

فعدل القاضي عن موضعه في الديوان، فجلس في آخر البساط، بعد أن أمر غلامه، فطوى البساط، وجلس على البارية، وحفّ شهوده به، وجاء الخادم، فجلس عند القاضي، وأوقفه على الكتاب.

ولم يزل الرخّجيّ، يخاطب القاضي، وبينهما مسافة، حتى فرغوا من الأمر.

فلما فرغوا، قال الرخّجيّ، للقاضي: يا أبا جعفر، ما هذه الجبريّة؟

لا تزال تتولّع بي، وتتحكّك بمنافرتي ومضاهاتي، وتقدّر أنّك عند الخليفة- أطال الله بقاءه- مثلي، ومحلّك يوازي محلّي.

قال: وأسرف في هذا الجنس من الفنّ، وحمي في الخطاب، والقاضي ساكت.

إلى أن قال الرخّجيّ، في جملة الكلام: والخليفة- أعزّ الله نصره-

لا يضرب على يدي في أمواله التي بها قيام دولته، ولقد أخذت من ماله، ألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، فما سألني عنها. وإنّما إليك أن تحلّف منكرا على حقّ، أو تفرض لامرأة على زوجها، أو تحبس ممتنعا عن أداء حقّ.

وأخذ يعدّد هذا وشبهه، وأبو جعفر، كلّما ذكر الرخّجيّ ألف ألف دينار، وثنّى القول، يعدّد بأصابعه، وقد كشفها ليراها الناس.

فلما أمسك عمر، لم يجب بشيء، وقال: يا فلان الوكيل.

قال: لبيك أيّها القاضي.

قال: سمعت ما جرى؟

قال: نعم.

قال: قد وكّلتك لأمير المؤمنين وللمسلمين، على هذا الرجل في المطالبة بهذا المال.

فقال له الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين.

قال: والرخّجيّ ممسك، والناس حضور على بكرة أبيهم، لا يدرون ما يريد أن يفعل.

قال: فأخذ محمد بن منصور دواة، وكتب بخطته في مربّعة سجلا بذلك المال، ورمى به إلى الشهود، وقال: اشهدوا على إنفاذي الحكم بما في هذا الكتاب، وإلزامي فلان ابن فلان، هذا، وأومأ بيده إلى [ ط] الرخّجيّ، بما أقرّ به عندي من المال المذكور مبلغه في هذا الكتاب للمسلمين.

وكتب الشهود خطوطهم بالشهادة بذلك، وختموها، وأخذها محمد ابن منصور، وجعلها في كمّه، ونهض.

وأخذ الرخّجيّ يهزأ بالقاضي، ويظهر التهاون بفعله ذلك.

وقال له لمّا أراد القيام، طانزا: يا أبا جعفر، بالغت في عقوبتي، قتلتني.

فقال أبو جعفر: إي والله.

فما سمعناه أجابه بغيرها، وافترقا، وكتب صاحب الخبر، للوقت، إلى المتوكل.

قال: فبلغنا أنّ كتابه لما عرض على المتوكل، أحضر وزيره، وقال له: يا فاعل يا صانع، أنا أقول لك منذ دهر، حاسب هذا الخائن المقتطع، الرخّجيّ، على أموالنا، وأنت تدافع، حتى حفظها الله علينا، بقاضينا محمد بن منصور، ورمى إليه بكتاب صاحب الخبر.

وقال له: قد ظهرت الآن أموالنا، في سقطات قوله، وفلتات لسانه، وهذه عادة الله ﷿ عند أئمّة عباده، أن يأخذ لهم أعداءهم، اكتب الساعة بالقبض على الرخّجيّ، وتقييده، وغلّه، وحمله.

قال: فخرج الوزير، وهو على غاية القلق، لعنايته بالرخّجيّ، واستدعى خليفته وقال له: اكتب إليه الساعة، قد تسرّعت يا مشوم، وقتلت نفسك، ما كان الذي دعاك إلى معاداة القضاة؟، قد جرى كيت وكيت، وأنت مقتول إن لم تتلاف أمر محمد بن منصور، فاجتهد فيه، وأعلمه، أنّي هوذا، أؤخّر اليوم فقط، في إنفاذ من يقبض عليه، إلى أن يحكم

أمره مع القاضي، وأقول للخليفة: إنّي قد أنفذت إليه، وأنفذ إليه في غد، من يمتثل الأمر فيه.

فلما ورد كتابه على الرخّجيّ، قامت قيامته، وأحضر من يختصّ به، فشاوره. فقال له: تركب الساعة إليه، وتطرح نفسك عليه.

قال: فركب إليه، في موكب عظيم، فحجبه القاضي. فاجتهد في أن يوصله إليه، فما كان إلى ذلك طريق، فرجع خجلا.

وقال لأصحابه: ما ترون؟ فإنّي أخاف أن يقدم العشيّة من يقبض عليّ.

فقالوا له: إنّ للقاضي رجلا تانئا، من أهل البلد، يقال له: فلان، قد اصطنعه، وائتمنه، ويريد قبول شهادته، وهو غالب عليه جدا، فتستدعيه، وتكتب له روزا بشيء من خراجه، وتسأله أن يوصلك إليه، ويستصلحه لك.

فأحضره الرخّجيّ، وكتب له روزا بألف دينار من خراجه، وسأله ذلك.

فقال له: أمّا استصلاحه لك، فلا أضمنه، ولكن أوصلك إليه.

فقال له: قد رضيت.

فقال: إذا كان وقت المغرب، فانتظرني، وخرج الرجل.

فلمّا كان وقت المغرب، صار إلى الرخّجيّ، فقال: تلبس عمامة، وطيلسانا، وتركب حمارا، وتجيء.

قال: ففعل ذلك، وركبا بغير شمعة.

وجاء الرجل، فقال للحاجب: استأذن لي على القاضي، ولصديق لي معي، فدخل إليه وخرج فقال: ادخلا.

فحين شاهد القاضي الرخّجيّ، اقبل يصيح ويقول: هذا الحال، وأنت أمين؟ هاه.

ثم قال [ ط] للرخّجيّ: اخرج عافاك الله عن داري.

قال: فبادر الرخّجيّ، فأكبّ على رأسه، فلما رآه القاضي قد فعل ذلك، قام إليه، فعانقه.

وبكى الرخّجيّ بين يديه، ودفع الكتاب إليه.

قال: فبكى القاضي، وقال: عزيز عليّ يا هذا، ما كان اضطرّك إلى الإقرار؟

فقال: تحتال في أمري، فقال: والله ما لي حيلة، فإنّ الحكم كالسهم، إذا نفذ لم يمكن ردّه، فجهد به الرخّجيّ، فما زاده على ذلك، فانصرف بأقبح منصرف.

فلما كان من الغد، ورد خادم، فقبض عليه وغلّه، وقيّده وحمله.

وورد كتاب الخليفة على القاضي، يقول: أحسن الله جزاءك على ما فعلته في حفظ أموال المسلمين، وقد كنّا نأمر بمحاسبته، فيتأخّر ذلك لعوائق، والآن فقد أقرّ طائعا غير مكره، فما نؤثر معاملته، إلّا بما يعمله أهل الذمة لو كانوا في مكاننا، من أخذ الحق بالحكم، وقد أنفذته على الواجب، بارك الله عليك، وإنّ للرجل أملاكا قبلك، فتنصب من يبيعها، وتحمل ثمنها إلى بيت المال، قضاء لما أقرّ به.

قال: فنصب محمد بن منصور، من باع أملاك الرخّجيّ في كور الأهواز، على عظمها، وحمل ثمنها إلى بيت المال، فهي الأملاك المبيعة، التي تعرف إلى اليوم بالرخجيّات.

وحصل الرخّجيّ في العذاب بسر من رأى.

ن

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.