من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حريق الجمل ببغداد
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش ﵀، قال: حدّثني عمّي، قال:
حدّثني أبي، قال:
لما وقع ببغداد، حريق الجمل، اختلّ دكاني فيما اختلّ، وذهب مني مال عظيم.
فقلت له: كيف كان حريق الجمل؟
قال: اجتاز في سوق الخرّازين، جمل عليه قصب، وكان رجل يثقب لؤلؤا، وبين يديه نار، فوقع طرف القصب على النار، فاشتعلت وبلغت إلى الجمل في لحظة.
فكان الجمل، كلّما أحسّ بوقع النار عدا، وتنافض الشرار منه، في جانبي الطريق، فحرّق كل ما يجتاز به.
فلم يزل على ذلك، إلى أن تلف الجمل، وتشاغل الناس بطفي الحريق الواقع في الدور والعقار.
فكان حدّ ما احترق، من أوّل سوق الخرّازين إلى طاق الحرّاني، ووسط قطيعة الربيع. وتلف ناس كثير، وزالت نعم عظيمة، بذهاب
الأموال، ورؤوس أموال التجار، وانهدام العقارات.
قال: وكان هذا عقيب انتقال المعتصم إلى سر من رأى، فهمّ الناس بالانتقال عن بغداد، وإن تخرب، فبلغ ذلك المعتصم.
قال: فخاطبه أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، في إطلاق مال للناس.
فقال المعتصم: خذ خمسة آلاف ألف درهم، وأخلف بها جميع ما ذهب من الناس.
فأخذ ابن أبي دؤاد المال، وجاء فجلس في مجلس الشرقية، واجتمع إليه الناس، فعرّفهم علم الخليفة بأمرهم، وما كان منه في خطابه، وما أنفذ معه من المال، فقال: ولم يذكر مبلغه، إلّا أنّه قال: قد حملت من المال ما أخلف به، جميع ما ذهب من جميعهم.
قال: وكنت حاضرا المجلس، أسمع الكلام.
فقام إليه شيخ كان حاضرا، فقال: أيّها القاضي، إنّ هذا مال عظيم، فكم أنفذ إلينا أمير المؤمنين معك؟ فقال: خمسة آلاف ألف درهم.
فالتفت الشيخ إلى نفسين في المجلس، فقال: قوما، فقاما.
فقال: أيّها القاضي هذان، قد ذهب منهما، في أثمان عقاريهما، ورؤوس أموالهما، خمسة آلاف ألف درهم، أليس هكذا يا معشر المسلمين؟، واستشهد الحاضرين، فقالوا: نعم.
فقال: [ ط] أيّها القاضي، إذا كان هذان، وهما نفسان، من جميع من قد حضر، قد ذهب منهما قدر ما حمله أمير المؤمنين، فالباقون من أين يأخذون؟
قال: فتحيّر ابن أبي دؤاد، وقال: ما ترون في هذا؟
فقالوا: الرأي لك.
قال: فقال أولئك النفسان: أمّا نحن، فما نريد شيئا، ولا نسأل الخلف، إلّا من الله ﷿، ولا نطلبه إلّا من فضله، ولكنّا نشير عليك أيّها القاضي، فقال: افعلا.
قالا: تجعل هذا المال، مقسوما بين أهل البضائع [اليسيرة]، وصغار الناس، فإن رغب أحد من الأكابر، في أن يشارك الأصاغر فيه، فإن ذاك إليه وإليك.
قال: فقام خلق كثير، فقالوا: أمّا نحن، فما نريد شيئا، اجعله للأصاغر، وانصرفوا.
ففضّ المال، على أرباب البضائع اليسيرة، ثم لم يكف، واحتيج لهذا إلى أضعاف ما حمل من المال.
فلما نفد المال، خرج ابن أبي دؤاد ليلا، لكثرة الازدحام عليه، والطلب منه، ونفاد ما عنده.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع