من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حظ القاضي أبي جعفر بن البهلول يدفع كارثة
حدّثني أبو أحمد الوزّان هذا، قال:
كنت أتوكّل لأبي جعفر بن البهلول القاضي، في بيع حطبه الذي كان يتّجر فيه من الحرار، وأزنه على المشترين.
فبلغني يوما خبر طوف عظيم، قد ورد له، فخرجت إلى دممّا أستقبله، وكان هائلا مهولا.
وكانت القنطرة إذ ذاك مخوفة، على شفا الوقوع، والزواريق ممنوعة من الاجتياز بها لئلا تنكسر.
فأقمت يومي أنتظر الطوف [ ط]، فإذا الجماعة قد جاءوني، وقالوا: إنّه طوف عظيم، وقد حصل في جرية الماء، وليس يطيقه من فيه، والساعة يجيء، فيقع على القنطرة ويكسرها، فيكون فيه هلاك أبي جعفر مع السلطان.
قال: وهم في الحديث، حتى إذا رأيت الطوف، قد جاء كالجبل،
وهو متصوّب إلى القنطرة، لم آشكّ في المكروه، ورأيت الرجال الذين فيه قد ألقوا نفوسهم إلى الماء، وهم لا يشكّون في تصوّبه إلى القنطرة.
فأقبلت أدعو الله بصرفه عنها، إلى أن قرب، فدهشت، وجرى على لساني أن صحت: يا بخت أحمد بن إسحاق ردّه، ثلاث دفعات.
قال: فرأيت، والله، الطوف، وقد تعوّج، ووقف وقفة شديدة، فتقطّع، فصار حطبا متفرقا، يجيء على رأس الماء، لا يضرّ القنطرة، وجنح معظمه في الموضع الذي تقطّع فيه، ووقعت البشارات والضجيج.
فقلت: ما الخبر؟
قالوا: إنّه لما عدل عن القنطرة، جنح على جزيرة أخرى كانت مغطّاة بالماء، فلما جنح عليها، تقطّع، فكانت هذه صورته.
قال: فجمعنا الحطب من أسفل القنطرة، وما ذهب منه عود، ولا لزمتنا عليه مؤنة، وجعلناه في عدّة أطواف، وجئنا به إلى بغداد.
وجئت إلى القاضي أبي جعفر، وعرّفته ذلك، فحمد الله ﷿، وتصدّق بصدقة جليلة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع