تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مقدمة المؤلف للجزء الثالث

بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين قد قدّمت فيما قبل هذا الجزء من هذه الأخبار، عن سبب جمعي لها، وأفصحت عن معناي فيها، وكرّرت ذلك في رسالة كل جزء، وإن تغيّرت العبارة، إمّا تصريحا أو إشارة، وأعلمت قارئها، ومكرّر النظر فيها، أنّها نوع لم أسبق إلى كتبه، لأنها مقصورة في الأكثر، على أن يتذاكر بها، لاحتوائها على ضروب من الأحاديث السابقة والسالفة في زماننا، التي تظلم عندي بأن لا تكتب، وتعمّدت خلطها بفنون من طريف السير والحكايات، وحديث الاتفاقات والمنامات، وغريب الرقى والامتحانات، وأخبار ضروب الناس من أهل [الحرف] والمهن والصناعات، والملوك والرؤساء وأهل [المروآت]، وغيرهم من الأخلاط والأوساط، وعجيب [الأخبار] والمعاملات، وتلميعها بطريّ الشعر، وجديد [الملحة والنثر، ممّن] ضمّني وإياه دهر، دون أن يقارب زماني زمانه، واشتهر حذقه وإحسانه، وشرحت العلّة في ترك تبويبها، واستفادة خلطها دون ترتيبها، ونبّهت على الفوائد التي تتضمّن وتجمع، واعتذرت مع ذلك، إلى من لعلّها لا تنفق عليه، أو تكسد وتبور لديه، بأن قلت: إنّها على كلّ حال، خير من مواضعها بياضا، وذكرت

أنّها تصلح لمن قد فرغ من أكثر العلوم، واشتهى قراءة ما يدلّه على أخلاق أهل الأزمنة، وسننهم، وطرائقهم، وعاداتهم، وأن يقايس بين ما نحن فيه، وما مضى، ليعلم كيف ماتت الدنيا، وانقلبت الأهواء، وانعكست الآراء، وفقدت المكارم، وكثرت المحن والمغارم، وهلك أهل الفضل والتفضّل، وتلف أهل الستر والتجمّل، وصغرت الهمم، وتلاشت النعم، وفقد الجمال، وعدم النبل والجلال، في أكثر الخصال، وجمهور الرجال.

وحقّا أقول، لو عاش حكيم من أهل تلك الأزمنة، حتى يرى ما حصلنا عليه، ودفعنا إليه، ما شكّ في قيام الساعة، أو أنّ الناس بدّلوا بهائم مهملة، أو جعلوا آلات غير مستعملة، لفقد الأحرار، وشدّة الإعسار، وبطول المكاسب، وتواتر النوائب، وحدوث السنن القبيحة، والعوائد المسبّبة الفضيحة، ونسأل الله العظيم، فرجا عاجلا، وصلاحا للعالم شاملا، إنّه سميع مجيب، رحيم ودود، ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد، وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل والمعين.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.