من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
صوفي سمع، فطرب، فتواجد، فمات
رأيت ببغداد صوفيا يعرف بأبي الفتح، أعور، في مجلس أبي عبد الله ابن البهلول، يقرأ بألحان، قراءة حسنة، وصبيّ يقرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
فزعق الصوفيّ: بلى، بلى، دفعات، وأغمي عليه طول المجلس، وتفرّق الناس عن الموضع.
وكان الاجتماع في صحن دار كنت أنزلها، فلم يكن الصوفيّ أفاق، فتركته مكانه، فما أفاق إلى قرب العصر، ثم قام.
فلما كان بعد أيّام، سألت عنه، فعرفت أنّه حضر عند جارية بالكرخ، تقول بالقضيب، فسمعها تقول الأبيات التي فيها:
وجهك الميمون حجّتناحين تأتي الناس بالحجج
فتواجد ودقّ صدره، إلى أن أغمي عليه، فسقط.
فلما انقضى المجلس، حرّكوه، فوجدوه ميتا، فشالوه، ودفنوه، واستفاض الخبر بهذا وشاع.
والأبيات لعبد الصمد بن المعذّل، وهي في أمالي الصولي عنه بإسناد ثابت في أصول سماعاتي:
يا بديع الدلّ والغنجلك سلطان على المهج
إنّ بيتا أنت ساكنهغير محتاج إلى السرج
لا أتاح الله لي فرجايوم أدعو منك بالفرج
وجهك المأمول حجّتنايوم تأتي الناس بالحجج
والصوفيّة، إذا قالوا: وجهك المأمول، يقلبونه إلى ما لهم في ذلك من المعاني.
وكانت قصّة هذا الرجل، وموته في سنة خمسين وثلاثمائة، وأمره من مفردات الأخبار.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع