تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أبو عبد الله المزابلي والروح الأمين جبريل رسول رب العالمين

وحدّثني أبي، قال:

كان عندنا بجبل أنطاكية، المعروف بجبل اللّكام، رجل يتعبّد، يقال له: أبو عبد الله المزابليّ.

وسمّي بذلك، لأنّه كان بالليل يدخل إلى البلد، فيتتبّع المزابل، فيأخذ ما يجده فيها، فيغسله، ويقتات به، لا يعرف قوتا غير ذلك، وأن يتوغّل في جبل اللّكام، فيأكل من الأثمار المباحة فيه.

وكان صالحا مجتهدا، إلّا أنّه كان حشويا، غير وافر العقل، وكانت له سوق عظيمة في العامّة بأنطاكية.

وكان بها موسى بن الزكوريّ صاحب المجون والسفه في شعره والحماقات وكان له جار يغشى المزابليّ.

فجرى بين موسى بن الزكوريّ، وجاره ذاك شرّ، فشكاه إلى المزابليّ فلعنه المزابليّ في دعائه، وكان الناس يقصدونه في كل يوم جمعة غدوة، فيتكلّم عليهم ويدعو.

فلما سمعوا لعنه لابن الزكوريّ، جاء الناس إلى داره أرسالا لقتله، فهرب، ونهبت داره، وطلبته العامّة فاستتر.

فلما طال استتاره، قال: إنّي سأحتال على المزابليّ بحيلة

أتخلّص منه بها، فأعينوني، فقلت: ما تريد؟

فقال: أعطوني ثوبا جديدا، وشيئا من الندّ والمسك، ومجمرة، ونارا، وغلمانا يؤنسوني الليلة في الطريق إلى الجبل.

قال أبي: فأعطيته ذلك كلّه.

فلما كان في نصف الليل، مضى، وخرج الغلمان معه إلى الجبل، حتى صعد فوق الكهف الذي يأوي إليه المزابليّ، فبخّر بالندّ والمسك، فدخلت الريح إلى كهف أبي عبد الله، وصاح بحلق عظيم: يا أبا عبد الله المزابليّ.

فلما شمّ تلك الرائحة، وسمع الصوت، أنكرهما.

فقال: ما لك عافاك الله، ومن أنت؟

فقال ابن الزكوريّ: أنا الروح الأمين، جبريل، رسول رب العالمين، أرسلني إليك.

فلم يشكّ المزابليّ في صدق القول، فأجهش بالبكاء والدعاء، وقال:

يا جبريل، من أنا حتى يرسلك ربّ العالمين إليّ.

فقال: الرحمان يقرؤك السلام، ويقول لك: موسى ابن الزكوريّ غدا رفيقك في الجنة.

فصعق أبو عبد الله، وسمع صوت الثياب، وقد كان خرج فرأى بياضها، فتركه موسى ورجع.

فلما كان من الغد، كان يوم جمعة، فأقبل المزابليّ يخبر الناس برسالة جبريل، ويقول: تمسّحوا بابن الزكوريّ، واسألوه أن يجعلني في حلّ، واطلبوه لي.

فأقبل العامّة أرسالا إلى دار ابن الزكوري، يطلبونه ليتمسّحوا به ويستحلّوه للمزابليّ، فظهر، وأمن على نفسه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.